الرئيسية | فكر ونقد | الفردانية ونشأة الرواية | عبد الرحيم جيران

الفردانية ونشأة الرواية | عبد الرحيم جيران

عبد الرحيم جيران

لماذا نشأت الرواية؟ ألا يُعَدُّ طرحها عملا مُكرَّرًا؟ ألا تُعَدُّ مسألة محسومة بحكم ما استقرّ من تفسيرات في صددها. أظنّ أنّ الأمر ليس كذلك؛ إذ تحمل في طيّاتها ّإشكالات لم تضبط بالدقّة اللازمة.
ولا تنفصل هذه الإشكالات عن المواقف المعروفة في تحديد نشأة الرواية؛ وهي مواقف أربعة رئيسة: أ- الموقف الذي يُعيدها إلى ظهور الطبقة البورجوازيّة، ويجعل منها التعبير النموذجيّ عنها (هيغل ولوكاتش) ب- الموقف الذي يُعيدها إلى أصول ثقافيّة تتّصل بالثقافة الشعبيّة، خاصة منها الكرنفال، والحكي الساخر (ميخائيل باختين). ج- الموقف الذي يربطها بما هو نفسيّ؛ أي بأصل الولادة، وما يتّصل به من إعادة تخليق الذات- الطفل مرّة أخرى (مارث روبر) د- الموقف الذي يربطها بخاصّية تكوينيّة تتّصل بمفهوم الشخصية، ويرى إليها من زاوية المنطق مُتعدِّد القيم (الازدواج في الهوية: جوليا كريستفا). وأظنّ أنّ الموقفين الأخيرين لا يكادان يخرجان عن كونهما تأويليّيْن يتّصلان بتشكّل الشخصية الروائيّة وتكوينها، ومن الصعب قبولهما في إطار تفسير سياق نشأة الرواية. وإذا عدنا إلى الموقفيْن الأَوَّلَيْن فإنّ ما يستوقف النظر فيهما هو تناقضهما؛ حيث يتّجه أَوَّلُهما إلى جعل الرواية نتاجًا لطبقة عليا (البورجوازية)، بما يعنيه هذا من تعبير عن طموحاتها وتطلّعاتها، بينما يتّجه الثاني نحو جعلها استمرارًا لتعبيرات شعبيّة وتطويرًا نوعيًّا لها. لكن ينبغي التدقيق في هذا التناقض لفهم التقاطع بين الموقفيْن. ويقتضي ربط مسألة التعبير عن الطبقة البورجوازية بسياق ظهورها بوصفها طبقة تقدميّة تحمل قيمًا مُتطوِّرة – إيجابيّة قياسًا إلى قيم قديمة كانت تُمثِّل المجتمع الإقطاعيّ؛ ومن ثمّة يتّسم هذا التعبير بكونه نقديًّا مُهدِّمًا لتصوّر قديم للعالم وبناءَ تصوُّرٍ آخرَ مُغاير يتّصف بكونه يضع في قلبه قيم الحداثة كما هي مُنغرسة في الفكر التنويريّ – البورجوازيّ. ولا بد من التنبّه – هنا- إلى مسألة ارتباط هذا التعبير بمجتمع النثر مقابل مجتمع الشعر. وتُعَدُّ كلُّ نظرة سوسيولوجيّة ميكانيكيّة- في هذا الإطار- غير مقبولة. كما ينبغي فهم التعبير عن الثقافة الشعبيّة الماثل في الموقف الثاني في إطار مُجابهة الثقافة الرسميّة السائدة من قِبَل ثقافة مُضادّة لها تُنتج في أحضان الطبقات السفلى التي تتأسّس على السخرية والتهكّم واللعب والجمع بين طرفي التضادّ والتجدّد.
يلتقي الموقفان معًا- على الرغم من تناقضهما في الظاهر- في كونهما يُقرّان معًا بكون نشأة الرواية قامت على أساس نقديّ لثقافة رسميّة – إقطاعيّة. بيد أنّ هذ الاتّفاق يختلف من حيث الشكل الذي يتمّ بوساطته؛ إذ يأخذ بعدًا نقديًّا يقوم على القطيعة الكلِّيّة مع ميراث الثقافة القروسطيّة – الإقطاعيّة في الموقف الأوّل، بينما يتّخذ بعدًا نقديًّا جزئيًّا قائمًا على الاستمرار في الموقف الثاني؛ ومعنى هذا نقد الجزء السلبيّ من الثقافة القروسطيّة بوساطة الجزء الإيجابيّ منها؛ لكن علينا أن نفهم الاستمرار الذي يُشكِّل البعد النقديّ في هذا الموقف بوصفه وسيلة فهم للعالم وبنائه.
لكن نرى- على الرغم من وضوح الموقفين السابقين، ومن كونهما صارا دليليْ عمل يُوجِّهان كلّ الدراسات التامّة في هذا الشأن- إمكانًا آخرَ مُختلفًا بمُستطاعه أن يُنير المشكلة على نحو مُغاير. وما هذا الموقف سوى ربط ظهور الرواية بتكوُّن الفردانية وتأسيسها في المجتمع الغربيّ مع ظهور نمط اقتصاديّ جديد (الليبرالية الأولى)، وما اصطحبه معه من تمجيد للفرد والحرية، وما نتج عن هذا الظهور من نشوء لهوّة عميقة بين الخلقي (الأخلاق الخاصّة التي ينتجها الفرد) والتخلّقي (أخلاق المجتمع)، ومن تنافٍ بين الوسيلة والغاية، وعدم تناسب الجهد المبذول والنتيجة المُتحقِّقة. ولا يُمْكِن الفصل بين ظهور الفردانية بوصفها الأساس المُكوِّن لبنية الرواية، والأدب بوصفه صيرورة في التخييل مختلفة عن الأقوال الجميلة والكتابة بعدِّها تحوُّلًا في وسيلة التواصل. ومعنى هذا أنّ كلّ رؤية إلى نشأة الرواية خارج سياق جديد للتخييل تُعَدُّ غير قمينة بالتصديق؛ أي لا بدّ من تفكّر ظهور الرواية في سياق تخييليِّ تداوليٍّ جديد يتكوَّن من أجناس أدبيّة جديدة ظهرت مُوازية لها. ويكتسي ربط الرواية بالكتابة (المطبعة) أهمّية قصوى هنا؛ إذ أفضى هذا الربط إلى القطع مع صيغ التعبير الشفهيّ التي كانت تتحكّم في إنتاج كلّ أشكال التخييل قبل عصر النهضة. وكان من نتيجة هذا القطع أَنْ فُتِح البناء الروائيّ على الاستطراد، والوصف، والحوار، والمُحاكاة الساخرة، والتقاطع مع نصوص أخرى. كما أدّت القراءة الناجمة عن هيمنة الكتابة – التي حلَّت محلّ محفل الاستماع- إلى نشوء الرواية المُتسلسلة ذات الأجزاء تلبية لنظام الإعارة (إيغلتون). كما تُعَدّ الرواية – وفق هذا المنظور- نتاج الغربة بين الكاتب والقارئ في عزلتهما وفردانيتهما، ومن ثمّة فظلّ الاغتراب الذي ميّز علاقة الفرد بما ينتجه في المجتمع البورجوازيّ ماثلٌ هنا بكلّ تأكيد. ويُضاعف هذا الاغتراب الاغتراب الذي يميّز الشخصية الروائيّة في علاقتها بالعالم الذي تعيش فيه. ويُنتج هذا الاغتراب البعد التركيبيّ الذي يُميِّز الرواية في علاقتها بمُجتمعها الحديث، ويتمثّل هذا البعد التركيبيّ في الجمع بين خاصّية السخرية الموروثة عن الثقافة الشعبيّة (التي تُعَدُّ وسيلة فنّيّة لبناء الموقف النقديّ تُجاه العالم) وخاصّية الحرّية التي تُمَكِّن من خلق التباعد تُجاه التنميط الذي يطبع رؤية المجتمع إلى ذاته والعلاقات بين الأفراد داخله.
يقود شرط الفردانية كما فكّرنا فيه إلى ضرورة استعادة المُقارنة بين الملحمة والرواية، خاصّة على مستوى الكلّية التي تعني الخضوع للواجب الأخلاقيّ (هيغل) والتوافق السعيد بين الذات والعالم والطبيعة (آلان روب غرييه). ويكاد جلُّ من تناول هذه الخاصّية في إطار المُقارنة المذكورة يُؤكِّد على أنّ الرواية تختلف عن الملحمة في كونها لا تتأسَّس على مبدأ الكلّية، بل على الافتقار إليها. لكنّنا نتحفّظ على هذا الحكم، لا بالتأكيد على عدم صوابه، وإنّما بإعادة موضعته؛ أي بجعل الكلّية هدفًا للرواية، لا شرطًا لها كما في الملحمة. وربّما، بل من المُؤكَّد أنّ الشخصية في الرواية تستشعر افتقارها إلى الكلّية التي تجعلها مُنسجمة مع عالمها. وهذا الاستشعار يجعلها تضع نصب عينيها البحث عنها، ومُحاولة تحقيقها. بيد أنّها لا تفعل ذلك إلّا من زاوية الرغبة في استبدال عالم محلوم به بالعالم الواقعيّ؛ لكنّ هذا السعي يظلّ محكومًا عليه بالتعذّر، حتّى إنّنا نكاد نجزم بأنّ شكل الرواية ليس سوى التعبير عن استحالة هذا السعي.

٭ أديب وأكاديمي مغربي

 

المصدر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.