الرئيسية | فكر ونقد | الشاعرة السورية ريم الخش في دوامة أسئلة الانتماء | احمد الشيخاوي
عمل تركيبي للفنان التشكيلي المغربي رشيد باخوز

الشاعرة السورية ريم الخش في دوامة أسئلة الانتماء | احمد الشيخاوي

احمد الشيخاوي

 

ما الذي تريده شاعرة حالمة من وطن مطعون،  تدكّ قلاعه و تهدر دماء أهله و تنسف معالمه في كل وقت وحين..؟ سوى جرّ المخيلة إلى توليدات بلاغية تستعير فلتات الذات من نوبات الحلم في تصوير فني بديع ومدغدغ لحواس التلقي، يفيض عن أوجاع الإنسان ليرقى إلى علياء التهكّم من أيادي الهدم والفوضى ومجانية الموت.

ليُرسم التعبير عن الذات خارج الزمن، متشبعا بالمرجعيات التي يمليها ضمير المحاسبة، وجملة آبقة من الاستنطاقات التي تصب انتهاء وترفد في معين ما ينتصف للانتماء المطموس ويرنو إلى لملمة الهوية المشروخة.

بحيثُ على الدوام، بؤرة التدويرات الشعرية، تختزل في إضفاء الهالة والقداسة على الوطن، مهما جار في شخص مردة هم في النهاية من كرتون،وأشبه برغوة فوقية وفقاعات ما تلبث تضمحل وتتفكك صولتها وتزول.

هكذا يبدأ الخطاب خفيضا هامسا، لينفجر كقنبلة مدوية أخيرا،مشحونا بأوجاع المعنى ومعاني الوجع، زارعا صوت النخوة والكبرياء والإباء في شتى أرجاء الصمت والتواطؤ والبياض.

إنه وجع بنكهة الأنوثة إذ يوبّخ عالم الفرجة ،ويطعن في تراكمات أيديولوجيات الصياغة السلبية لكائن الهامش لمشاهد الذائب في خيبة ومرارة وتغضّب المكتفي بالفرجة إن طواعية أو إكراها.

وتستمرّ الشاعرة السورية المتألقة ريم الخش، متأبطة لتجارب المستجدات الميدانية وإفرازات الخبرة الحياتية، كما مستأنسة بعوالم الكوميديا الساخرة،ومطوّرة أساليب نضالها ،ومتبنية لثورة الشرفاء، عزاؤها في ذلك، الحرف الناري غير المهادن،وبساطة وبراءة الورق ، ولون المحاججة المكشوفة والعارية والكافرة بفلسفة الأقنعة.

وإذن… لنحاول فض بكارة هذه المستملحات المقتبسة من التجربة الغضة والثرية لشاعرتنا، قصد الوقوف عند كمّ زاه من الميكانيزمات المترجمة لطاقة دفينة مزلزلة وملغية للحدود بين الأصوات لدى الجنسين حال تعلق المسألة بشعرية الكلاسيكيات الحديثة الرافلة بالمحطات الطوباوية في مساءلة الهوية بمعزل عما قد يشوه المعنى الرّسالي ويبعث على تثاقل التراكيب ويطال الخيط الناظم للأنساق في إقحام فلكلوري لموضوعة العشق عبر تنويعات وجدانية محتفية بالطبيعة والجمال وباعتماد إيقاعات كريستالية موغلة في البعد القيميّ والصوفي للإنسان.

” وأصبرُ إذْ يغاضبنـــــــــــــــــي/ وأنسى قولــــــــــــــــه اللاذع”

…………………….

“جموحُ الثغرِ رُوِّضَ باشتهائكْ

ويرغبُ في رحيقكَ في دوائكْ”

………………….

“ثاروا على الظلمِ والإجحادِ يا حلب / لمَ اكتأبتِ وهذا الحشدُ والغضبُ

ياعزم طالوت ياإقدام من وثبوا / اقتل بنا اليأس خلِّ النصرَ ينسكبُ

ياعزم طالوت لاتأبه لنائبةٍ /  مهما تراءت لنا الآلام والنوبُ”

…………………..

“قددتُ قميصَ البوحِ عن عمدٍ /  سراج شوقٍ بزيت النبضِ أذكيه

لا خير في ولهٍ كالنار يأسرنا /    إن لم نكن بدم العشاق نرويه

ما أجمل العشق بركانا نفجره /    يجتث غربتنا والروح نعطيه”

…………………………

ركبت الشعر في وله لعلي / أذوق ببحره حلو الشراب

ولولا الحب يمسي الشعر نثرا /    ويختصم الكلام مع الصواب

فخرت حولي الكلمات سكرى / وفاض السحر من حرف الكتاب “

…………………………..

“لها لمسٌ كنسماتٍ أطلتْ….على زهري بأعماق الروابي

وأنهارٌ من العسل المصفى ….وخمر الروح تكمن بالرضابِ

ودون العشق يمضي العمر قهرا …وخمر الكرم ضرب من سراب

لقد بدأت حياتي من لظاها….بجنتنا أعيشُ بلا حسابِ

فتعتق روحنا من قيدِ جسمٍ ….وتطلقها لترقصَ بالسحابِ

وفي شفتيك أعلنه انتسابي…..وأعلن موطني بعد اغترابي”

…………………..

“ويسوع مصلوبٌ هنا

كم من يسوعٍ في العراء

يا بؤسَ أمتنا التي

ذَبُلتْ وأُشْرِبتِ الشقاء

يا ويحَ عالمنا الذي

ترك الأحبة في العناء

صْرتِ يا حلب العطاء

حبلى بأوجاع البقاء”

…………………..

“أيا أمة العُرْبِ إستفيقي تأهبي /   وضمي لنهديكِ الشباب وقرّبي

صُلبنا وفي الأحزان تاهت قلوبنا /  وسرنا عراةً في طريقٍ مُغيَبِ

فصرخة أوجاع الحياة كبيرةٌ /  وضبع الردى يهوي علينا بمخلبِ

أيا أمة النجوى كفانا تأرجحا /  كفانا اقتتالا بين بعض المذاهبِ”

……………………………

“كم ساقني نور الصباح لمقلتيه /  وغدا لهيب الوجد نارا تحترقْ

كم شدني دفء الحياة لوجنتيه /  وبدت ثنايا النفس طيباٌ تعتنق

كم فاض بي ولهاً وكم يهفوُ إليه / في ظلمة الآلام عشقٌ ينبثقْ

كم سجدة راحت تُطمْئنني عليه / حزنا يضاجع في حناياه الشبقْ”

………………….

“كنتِ جمرا….صرتِ بردا

في حنايا الروح سرّكْ

اعشقيني.. قبليني

آمنٌ بالدفء حضنكْ

اغمريني..امتطيني

منهلٌ للشوقِ نهدكْ “

…………………………..

” سلّتْ شفاه الحب جسمي فانبرى…قلبي الملوع صادحا أشعاري.

يا أنت يا أسطورة العشق الذي…يجتاحني كضرامة الثوار.

اشعل غرامك بالجنان مؤججا…لاخلد لاروضا بدون النار.

احرق بثغرك مهجتي حتى اذا…ذبت اضطراما فاحترق بجواري.

أفنيتني ثم الحياة رددتني….ومن الجوى فاضت بكم أنهاري “

……………………………..

“ولقد أتانا عنـــــــــــــوة

حكْمُ الســــــفيه السافلِ

ولكم رأينا بلــــــــــوةً

في حكمــــــه كالدملِ “

……………………

“من رحمها هو مضغة .. هو قبلتي ومنارتي

هو من سناها ومضة …سوريتي وحضارتي

هو أنبل الجينات يسمو مبدعا في رؤيتي

هو بالذكاء مؤجج ..نورٌ يضيئ بمهجتي

ولتعلموا أن الحياة ..وميضها..من فكرتي

تباً لكم…تبا لهم…لن تكسروا سوريتي “

………………..

“وهبناها نفوسا والحنايا……عشقناها بعنفٍ واضطرامِ

وقامرنا بأملاكٍ وجاهٍ……تركناها ….لحقنا بالغرام

تعاهدنا على بذل وجود….فإن الجود من طبع الكرامِ

تماهينا بثورتنا كأنا…….ظلالٌ من ظلالٍ من هيامِ

فإن أخذت حياة لم نلمها……وإن سلخت لحوما عن عظامِ

عشقناها لذات الحسن حتى……تشربت النفوس مع التحامِ

فما عدنا كما كنا ولكن……تبعناها بعشق المستهامِ

فلا معنى لهجر أو جفاء…..عشيقتنا وحتى وفي السقامِ

أنا للنصر محتاجٌ وروحي …..به انسكبت لخيرات عظامِ “

إنه الفعل الإبداعي كضرب من خلاص وولوج ما يشبه الغيبوبة المانحة لضمادات معينة ضدّا للجلد الذاتي الذي تمارسه الغربة مضاعفة . اقتراف القصيدة كلون من هروب من قدر إلى آخر تماهيا وذوبانا في اشتعال أبدي للمعاناة.

تجربة بمعسول و لذاذة الاغتراب دا خل أدغال القصيدة العامودية المقفاة،تلمّسا لتقليص المسافة بين الذات المتشظية والذاكرة المستنسخة لمعاني البكارة والنضارة والتجديد.

اطراد نصّي عصي و متفلّت ومتعال عن تكرار الذات الإبداعية برغم كون صاحبته مكثارة ومعطاء ،ما تنفك تطالعنا بالمزيد والمزيد والمزيد مما يغذي الذائقة والأذهان على حد سواء.

بخلاصة إنها الثرثرة القادرة على استيعاب آلام العصر واحتواء التّخبطات الروحية وتوثيق حياديّ غير مندفع للمرحلة باشتهاء ونرجسية ودماء دافقة من قصائد غضبى تأبى البرودة والاجتفاف.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.