الرئيسية | فكر ونقد | فكاهة الجاحظ | أنس علوي – تونس

فكاهة الجاحظ | أنس علوي – تونس

أنس علوي

 

قال أرسطو:”إنّ الرجل الحكيم لا يبحث عن اللذة، ولكن عن التحرّر من الألم والهمّ”. وإنّ هذا لَحَقّ. فلئن سَعَى الإنسان وراء مِرْطِ السعادة، وشمّر عن ساعدَيْهِ لبلوغ ذُؤابِها، وثَنَى إليها العزائم لا يلوي على شيء، وما يَعُوجُ عن أمر من الأمور إلاّ ما يُحقّق له الظّفر بها، وكَدَّسَ الأموال ظنّاً منه أنه بذلك قد بَلَغَ مَطْمَحَهُ منها. بيد أنّها كلّما تَجَلَّتْ سُرعان ما انقشعَتْ، وأينما بانَتْ مَخَايِلُها طُوِيَتْ، ولا رأى منها هذا المسكين -الإنسان- غير سراباً مَأفوكاً. فأُسقِطَ في يده من أمرِ هذه السعادة حتى تَغاضَى عنها، ومَنَحَ جَنْبَهُ غيرها، وكم هو في حاجةٍ إلى ما يُفَرّجُ كُربتهُ، ويُنسِيهِ شُؤُونَهُ.

فحالُنَا اليوم كما قال إروين إدمان:”إنّنا نعمل من أجل الفراغ، ونندفع من أجل السَلام، وليس العمل حُلْواً ولا السّعيُ هادئاً، وإنَّ إِضْعَافَ الحيوِيَّة يَفُلُّ أجنحة الشباب، كما يَعُوقُ القوّة والنّماء. وحَضْرَةُ الثُّقَلاءِ تبعث السأم في الحديث وتجعله ممجوحاً. وإنّ قبحَ شوارعنا وبيوتنا ومدننا لهو إعاقة واقعِيّة لما يجب أنْ يكون مَسَرَّةً وبهجةً دائمة لو شئنا الكلام على النّحو المثالي”.

وأرى أنَّ حَلَّ ذلك في هذا العصر، أنْ يعود الإنسان إلى فطرة اللّهوِ، وغريزة الضّحِكِ التي لاَقَى فيها ما يُشفِي غمومه، ويُذوِي همومه. وإنّ عبارة غريزة تستوحشها قلوب البعض، وما تستسيغها آذانهم لِمَا يبدو لهم فيها من الرجوع إلى العصور القهقرى، وما تحمله من معاني البدائِيَّةِ والبداوة. وَلْيَعْلَمْ هؤلاء أنّ الله ما {أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ} إلاّ لتنعموا بها. فكانت غرائز الإنسان أسمى من التي عند الحيوان، أسْنَعَ فَضْلاً، وأَنْفَعَ طائلاً. وهذه الغريزة –غريزة المرح والهرج والمرج، والظّرافة والتفكّه، إنّما هي كما قال الشاعر:

 

لَوْ عَدِمَ اللُّطْفُ بِهَا سَاعَةً ** لَعَادَ صَفْوُ العَيْشِ مِنْهُ كَدَرْ

 

وافعل ما قاله آخر:

 

أَفِدْ طَبْعَكَ المَكْدُودَ بِالجِدِّ رَاحَةً ** يَجِمُّ، وَعَلِّلْهُ بِشَيْءٍ مِنَ المَزْحِ

وَلَكِنْ إِذَا أَعْطَيْتَهُ المَزْحَ، فَلْيَكُنْ ** بِمِقْدَارِ مَا يُعْطَى للطَّعَامِ مِنَ المِلْحِ

وخذ إليك بما يدعوك إليه ثالِثٌ:

 

أَمَا لَدَيْكَ حَلاَوَهْ؛ ** أَمَا عَلَيْكَ طَلاَوَهْ؟

طَايِبْ وَدَاعِبْ وَلاَعِبْ ** وَدَعْ سَجَايَا البَدَاوَهْ

فَإِنَّ أَوْحَشَ شَيْءٍ ** جَسَاوَةٌ فِي غَبَاوَهْ

وإنْ وجدتَنِي مستشهداً بالشعر، مكثرا للأمثلة، فليس المأرب من ذلك الإمتاع وحسب، وإنّما ليكون مَوْلِجاً مستطاباً لما نحن بصدد التكلّم والخوض فيه. ألاَ وهو الأدب الفُكاهيّ؛ فإنْ عادَ الإنسان إلى فطرة اللّهو والمرح والضّحك، فعليه أن يصنع لنفسه ما يُحقّق له بُغيته، ولا رَأَى خَيْراً من الأدب يجعله كذلك، وسمّاه الأدب الفكاهي، وهو ما يدخُلُ في طوقه الملهاة والطرفة والنكتة الأدبية والملحة والنادرة…إلخ. فوجد في هذا الأدب مبتغاه ونَوَالَهُ، ووجد فيه ما يَسلِكُ به في مُرادِهِ المَسَالِكَ القريبة، ويختصر عليه الطريق، ويُلخّصُ له ما تَرومُهُ نفسُهُ من أسباب المرح والتشويق.

رغم ذلك، فإنَّ لهذا الصنف من الأدب منتقدون، وإنْ صحّ القول إنّما هم بالمعادين، وليسوا بالمنتقدين. وحسبُنا من كلامهم أن نقرأ قول “لامرتين” (Lamartine)، إذ يقول:”إنَّ شعباً جادّاً لا يؤسس شعره على الهزل، والجديّة في كلّ شيء جزء من الجمال، الإنسانية ليست ضرباً من التهريج”.

وإنّما بعضُ العكس فيما قلته هو الصحيح يا “لامرتين” لو كنتَ تقلّب الأمور شتّى المقالِبِ، وتنظر إليها من مختلف زواياها، فإنّ أشَدّ الأمراض العُضَالِ، والآفاتِ العُقَامِ، الجدّ المُفرط فيه، والتّعبيس وجَلد الذّات، وتمضية نفائِسِ الأوقات في الأنِينِ على كُلُومِ القَدرِ، والثّكَلِ على نَوَائِبِ الدّهرِ. ولو ألقى “لامرتين” نظرة خلفه لَوَجَدَ هَرَمَ الأدب الفكاهيّ شامخاً باذخاً، أثِيلَ الجذُورِ، عَمِيقَ المَرمَى، إلى جانب سائر أنواع الفنون والآداب. وممّن شيّدوا هذا الهرم موليير من بني جلدته، وسبقه الجاحظ من بني جلدتنا نحن. وإنّ هؤلاء هم مَن بلغوا ذروة هذا الهرم الذي وضع أسسه وركائزه الأولى الإغريق والرومان، وقد قال أبوليوس في مدونته:”…لقد جمعكم في المسرح حِرْصٌ محمود… إذا ما عَرَضَ عليكم فنّان لوحات إيمائيّة ضحكتم. وإذا رقص بهلوانيّ فوق حبله ارتعدت فرائصكم خوفا عليه. وإذا ما شاهدتم كوميديا هزلية صفّقتم. وإذا حاضركم فيلسوف، تثقّفتم”.

أترى أنهم ينزلون الجدّ منازله، ويضعون الهزل مواضعه؟ إنّ إطلاق “لامرتين” حُكْمَهُ المتسرّع البارد:”إنّ الإنسان لم يُخْلَقْ للضّحك.” يتنافَى والفطرة الإنسانية التي فَطَرَ الله النّاس عليها {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} (أو وهبته إيّاها الطبيعة لو شئتَ أيها الملحد) فأنَّى له أنْ يَهْجُرَ فطرته تلك، وغريزته التي تستروح بها نفسه، إذْ وجد الدعابة المضحكة عِلاجاً ناجعاً يبدّد هواجسه، ويَلِجُ به جوّاً مِلْؤُهُ اللهو والعبث واللاوقعيّة، فتغدو آلامنا وتباريحنا إنْ هِيَ إلاّ أضغاث أحلام.

فالأدب الفكاهيّ إذن، يقوم بوظيفة تطهيريّة؛ إذ ينزع عن النفس أدران الإحباط الذي يَغْشَاهَا، ويَحْدِرُ عن القلوب الرّان الذي يَعْرَاهَا. ويؤكّد التوحيدي على أهمية الضحك حيث يقول:”إيّاك أنْ تَعافَ سماعَ هذه الأشياء المضروبة بالهزل، الجارية على السُّخف؛ فإنّك لو أضربت عنها جُملةً لَنَقُصَ فَهْمُكْ، وتَبَلَّدَ طبعك، واِجعل الإسترسال لها ذريعة إلى إحماضك، والإنبساط فيها سِلْماً على جِدِّك؛ فإنّك ما لَمْ تُذِقْ نفسك فرح الهزل، كَرَبَهَا غَمُّ الجدّ، وقد طُبِعَتْ في أصل تركيبها على الترجيح بين الأمور المتفاوتة؛ فلا تحمل من الأشياء عليها، فتكون في ذلك مسيئاً إليها”.

إنّ الأدب الفكاهيّ لا يقتصر على الإضحاك والضحك، والغرض منه إمتاع النفوس، وتفريج الأحزان. وإنّما التهذيب والإصلاح، والنّقد المُلَطّفُ الرّفيق، النقد الذي لا يخدش كما الهِجاء والتقريض. يرى الرومانتيكيّون -من أمثال شوبنهور ولامرتين- أنّ في الألم والوجد الإحسَاسَ الذي يُوَائِمُ النفوس السامية، ويَدْرَأُ بها عن سفاسف الأمور، ومن هنا وضعوا الحزن والكآبة -في الأدب- في مرتبة العمق. ولستُ أخالفهم في ذلك كُلّ الخِلاف، ولكنني أرى أنّ الضحك والأدب الفكاهيّ أكثر عدلاً من أدب المآسي والمِحَنِ والملاحم. لأنّ أحياناً، مأساة شخص ما -وإن يكن متخيَّلاً- قد لا يدرك المتلقّي مَدَى عمقها، وأغوارَ غَيَاهِبِهَا، لأنه لم يَبْلُو تلك النّازلة، ولا تعرّض لمثلها قطّ. إذ كيف للغنيّ المُتْرَف أنْ يُحِسَّ بمأساة الفقير النّقير في قصة من القَصص، وهو لم يخرج من قِمْطِ غناه مرّةً، ولا رَمَقَ من الفاقة والمَترَبَة ذَرَّةً، كما تُرى الحباحِبُ في اللّيالي الدّامسات؟ وكيف لمَنْ يَنْعَمُ بالتفاف الأهل عليه، ونمنمة العيال حوله، أنْ يُدرِكَ خوالِجَ اليَتِيمِ؟! وأنّى لمَنْ عاشَ مٌستغلِقَ الفؤادِ، متبلّد القلب، أنْ يُحِسَّ بمَن خَبَلَ الحُبُّ عقله، وتَيَّمَ روحه؟!

بَيْدَ أنّ الأدب الفكاهيّ يستهوي الجمهور، وإنّ مَرَدَّ ذلك إلى بداهة المواقف، وبساطة القصص، التي تجعل الفكاهة -رغم بساطتها- تصل إلى أغوار الفِكْرِ والمشاعر المتضادّة المتباينة، حيث تخلِقُ وئاماً شاملاً بين أناس تفاوتَتْ طبقاتهم، وتباينت مآربُهُمْ، وتقارعت مصالحهم، واحتدم بينهم الخِصَامُ في أمور السياسة والأخلاق.

ولكن ما يدفع المتلقّي إلى الضّحك؟ هكذا يفسّره شوبنهور:

“الضحك بوجه عام حالة من حالات السرور، فإدراكنا الناقص بين الفكرة والإدراك الحسّيّ يَسُرُّنا ويُمتِعُنا، ولذلك نسترسل في الضحك، ويحتوينا السرور الذي يثيره هذا الإدراك، وسبب ذلك أنّه في هذه المعركة الفجائية بين ما أدركناه بالحِسِّ، وما كَوَّنَّا عنه فكرة يعقد النّصر للإدراك الحسّيّ… وهذا الإنتصار الذي تناله المعرفة الحِسّيّة على الفِكْرِ يَمْلَأُ نَفْسَنَا سُروراً.”

سبب الضحك السّار عند شوبنهور هو انتقام البداهة من التفكير المجرّد. ولكن حُقَّ للمرء أنْ يسأل: أليس العقل هو سلاحنا الذي نرتع به في هذه الحياة، ونعتمد على أحكامه، ونثق ببياناته، ونتشبّث بعُروَتِهِ؟ فكيفَ لنا أن نطمئِنَّ ونحن نَشْهَدُ مصرعَهُ وقد عُلِّقَ أَوْهَاقَ المنيّة، ولم يترك لنا سوى عيوبه وأخطائه وعجزه؟ هذا بالذات هو باعِثُ الأسى الذي يخالِجُ نفوسَنا، ويؤنّب ضمائرَنَا في السخرية والملهاة، والذي يبعث على الفكاهة الأدبية مَسحَةً من اليأس، فيتّضح لنا أنّ سبب الضحك وباعث السخرية هو ذلك الإزدواج في طبيعتنا بين الفكرة والبداهة، بين العقل والعاطفة، فسرورنا بانهزام العقل وانتصار العاطفة والحِسّ يُثير الضحك، ضحكٌ كئيبٌ:

 

ضَحِكْتُ فِيهَا وإنّي قدْ بَكَيْتُ بِهَا ** فَالجَهْلُ أَضْحَكَنِي وَالعَقْلُ أَبْكَانِي

 

وقول المعرّي:

 

ضَحِكْنَا وَكَانَ الضَّحِكُ مِنَّا سَفَاهَةً ** وَحُقَّ لِسُكَّانِ البَسِيطَةِ أَنْ يَبْكُوا

ولكن هؤلاء الذين يستثيرون أنفسنا للضّحك، كيف ينظرون إلى الحياة؟ أَكَمَا ينظُرُ إليها السَّادِرُ الغَريرُ الذي أخَذَ الدُّنيا على اللّهو؟ أو كما يراها الآمِلُ، الذي يحلم بِغَدٍ أَغَرَّ قَشِيب؟ أو كما يُبصِرُها المُتَشَائِمُ المُبتئِسُ الذي نَاءَتْ به كَلَاكِلُ الدّنيا وأرزاء الدّهر؟

إنّ هؤلاء الذين يمتلكون روح الفكاهة الأدبيّة، الفكاهة العميقة الناقدة، التي ترمي بأسهُمِهَا بكلّ مباشريّة فتحُزُّ فينا ضحكاً مريراً، إنّما هم قَوْمٌ ذَرَأَهُمْ الله على حبّ الإنسانيّة، يُعَبِّسُونَ لها، ويَرْثونَ لحالها، ويتألّمون لبؤسها وانحِطَاطِها؛ ولكنّهم مع ذلك يائسون من الإصلاح، منكرون للتقدّم، يشكّكون في مقدرة العقل، وفي فضيلة الإنسان. لهذا فهم يائسون متشائمون، أَلِفَتْ أنفُسُهُمْ دِيَار القُنُوطِ، وبَرِمُوا من كائن يُسمَّى “الإنسان”. وخير مثال على ذلك، ولو كان غيره الكثير، “هوراتيوس”، وهو أحد كتّاب الساتورا أيْ الكوميديا الهزلية الرومانية، يقول بأنه يُريد أن يُجاهِرَ بالحقيقة صراحة مع مناقشة جادة لمشكلة اجتماعية أو أخلاقية، فخلف كل ما هو شاذ ومضحك نوع من الألم والمعاناة الإنسانية، مما يجعل كاتب الكوميديا يتعاطف مع تلك الحالات الجديرة بالرثاء، وهذا هو الهدف من قول الحقيقة في نظر هوراتيوس الذي كان جيّاشَ العاطفة، محبّاً للغير، رحوماً طيّباً، يَوَدُّ لو كان بِيَدِهِ إنقاذُ أولئك الغَرقَى في عُبَابِ الحياة. غير أنّه حين ينتقص الناس ويُعَدّد مساوِئَهُم ومخازيهم فإنّه لا يتعالَى عليهم، ولا يستثني نفسه، ولا يضمر لهم مَقْتاً، بل يوَدُّ لهم كلّ خير، ويتمنّى لهم سجَاحَة العيش، لكنّه قَمٌّ لا يتورّع عن الإعتراف بالواقع، ولا يأبى مُغالَطَةَ الحقائق، ويَرْبَأُ بنفسه عن التزوير والإفك، وهو يرى في نفسه قدرة على النقد، والتعريض بأخطاء غيره. إنّ مَن يَبلغ هذا الشّأوَ من السخرية والفكاهة المريرة ليس بالشخص اللاّهي، الذي يَبْغِي -بسخريته من غيره- سَدَّ الفجوات والثُّلُمَاتِ التي تتخلّله، كما يَتَوَهّمُ البعض. فمَن نَجَحَ في أنْ يُحَقّقَ “السخرية الأدبية” فاعلم أنّه قد خَبَرَ مجتمعه، ودرَى بأحواله، وهو مُدْرِكٌ حَقَّ الإدراكِ عيوبَ وحاجاتِ ذلك المجتمع الإجتماعية، والأخلاقية، والإقتصادية، والسياسيّة وحتى الدينيّة.

إنّ أوحَشَ الأمور التي يخلط الناس بينها هو السخرية التي يُرجَى منها التعدّي على حُرُماتِ الآخرين، السخرية التي ما هِيَ إلاّ خِبٌّ وخبث، التي تُسيء للناس. قلتُ، أنّ أوحش شيء الخلط بين هذه السخرية اللاّأخلاقيّة وبين السخرية الأدبيّة التي هي أسلوب نقديّ له ميزاته الفنيّة، ووظائفه ومدلولاته، وتُعَدّ إصلاحاً للحياة الإجتماعية، وطريقاً لحَدْرِ السّترِ عن مساوئ ورذائل مجتمع ما، وحماية للمُثُلِ العليا للإنسانية. فالتّهكّم الأدبيّ إنّما هو صورة شفافة لا إرتاجَ فيها، مُضَمَّنَةً نقداً لاذعاً، يهدف إلى صَوْنِ -أو لإبراز- خلل اجتماعيّ أو نفسي ما.. وما إلى ذلك من تهكّم سياسيّ واجتماعيّ.

بِنَاءً على هذا التصوُّر، يَتّضِحُ لنا أنّ الأدب الفكاهي هو مظهر من مظاهر الحياة الإنسانية، إذ لم يبتدعه أحد من فراغ، وما نَشَأ نتيجة لبيئة أو ظروف معيّنة بادِئَ الأمر، بل صاحب الإنسان منذ خلقه. وبِذَا نذهب إلى أنّ الأدب الفكاهيّ يثير فينا إحساساتٍ معيّنة على النحو الذي لا يميّز الأدب بالصنعة وكَفَى؛ إنّما يُمَيّزُهُ بنظرة مبدعه إلى الحياة وبالأثر النفسي الذي ينبعث عن خصائص صياغته.

وما رأيُ صاحِبِنا وأديبنا الجاحظ مِن كل ذا؟ إنّ التّفكُّهَ كما يعتبره الجاحظ “شيءٌ في أصلِ الطّباعِ، وفي أساس التركيب.” ويقول:”وَلِفَضْلِ خِصال الضحك عند العرب تسمّي أولادها بالضّحّاك وببسّام وبطلق وطليق. وقد ضَحِكَ النّبي صلى الله عليه وسلم ومَزَحَ، وضحك الصالحون ومزحوا، وإذ مدحوا قالوا: هو ضحوك السنّ، وبسّام العَشِيّات، وهش إلى الضيف وذو أريحيّة واهتزاز. وإذ ذمّوا قالوا: هو عَبوسٌ، وهو كالحٌ، وهو قَطُوبٌ، وهو شَتِيمُ المُحَيَّا، وهو مكفهرٌّ أبداً، وهو كريه ومقبّض الوجه، وحامض الوجه، وكأنّما وجهه بالخلّ منضوحٌ. وللضّحك موضع وله مقدار، وللمزح موضع وله مقدار، ومتى جازهما أحدٌ أو أقصر عنهما أحد، صار الفاضل خَطَلاً والتقصيرَ نُقصاً. فالناس لم يعيبوا الضحك إلاّ بقدر، ولم يعيبوا المزح إلاّ بقدر، ومتى أُريدَ بالمزح النفعُ، وبالضحك الشيء الذي جُعِلَ للضّحك، صار المزح جِدّاً، والضحك وقاراً.”

فعلاً كان الضحك وقاراً، حيث كانت مداعَبَة سقراط وسُخريَتُه، أثناء مأدبة فلسفيّة، مبعثاً للإعجاب عند الحاضرين، ويَذكُرُ كسينوفون سقراطاً وهو يرقص أثناء هذه المأدبة (راجع Le banquet II, 17 – Platon). وقد ردّد نيتشه ذلك في “إنسان مفرط في إنسانيته” يقول: ميزة سقراط، على مؤسّس المسيحية، هي البسمة التي تلطّف من حِدّته، وهذه الحكمة المليئة كَيَاسة، والتي تصنع للإنسان أفضل حالة ذهنية.

يُعَدُّ الجاحظ من أوائل مَن اهتمّ بالفكاهة في التّأليف الأدبي، وأوّل مَن أفرد في السخرية كتاباً وهو “التربيع والتدوير”، وشيءٌ من ذلك في البخلاء، وله “فلسفة الجدّ والهزل”، وكذلك في الحيوان، الذي يعرض في غُرّته مَقَالةَ العاتب عليه، المُنتقِدِ لفكاهته، والمُستهجِنِ لمُلَحِهِ ومرحه، إذ يرى أنّها تَدخُلُ في طَوْقِ اللّغو الرخيص، واللّهوِ الخميص. فيقول هذا الذي يخاصمه:”ما بال أهل العلم والنظر، وأصحاب الفكر والعبر… وورثة الأنبياء، وأعوان الخلفاء، يكتبون كتب الظُّرفاء والمُلَحَاء، وكتب الفُرّاغ والخُلَعاء، وكتب الملاهي والفُكاهات… ألاَ لأنّهم لا يحاسبون أنفسهم، ويُوازون ما لهم وما عليهم…”

وإذ بالجاحظ يَرُدُّ فيقول:” وهذا كتابُ موعظة وتعريف، وتفقُّهٍ وتنبيه، وأراك عتبته قبل أنْ تقف على حدوده، وتتفكّر في فصوله، وتعتبر آخره بأوّله، ومصادره بموارده، وقد غلّطك فيه بعض ما رأيتَ في أثنائه من مَزحٍ لم تعرف مَعناه، ومن بَطَالةٍ لم تطّلع على غورها،  ولم تَدْرِ لِمَ اجتُلِبَتْ، ولا لأيّ عِلّة تُكُلِّفتْ، وأيّ شيء أُريد به، ولا لأيّ شيء احتُمِلَ ذلك الهزل… ولَمْ تَدْرِ أنَّ المزاح جدٌّ إذا اجتلب ليكون علّةً للجدّ، وأنّ البَطَالة وقارٌ ورزانة إذا تُكُلّفَتْ لتلك العاقبة.”

وقال في ذاتِ السياق كذلك:”…أوّل ما أذكر من خصال الهزل، ومن فضائل المزح، أنه دليل على حسن الحال، وفراغ البال، وأنّ الجدّ لا يكون إلاّ من فضل الغنى، وأنّ الجدّ نَصَبٌ والمزاح جَمَامٌ، والجدّ مبغضة والمزح محبّةٌ… وإنّما تشاغلَ الناسُ ليَفْرَغوا وجَدُّوا لِيَهزَلوا.”

إنّ آراء الجاحظ هذه في الضحك والمُهازَلة، كانت تنطوي على فهم عميق مُدرك، ومنها ما قَرَّرَها الباحثون المُحدَثون ممّن درسوا “سيكولوجية الضحك”. وعلى سبيل الذّكر في ذلك، يروي الجاحظ موقفاً له مع أحد بُخلائه -لا يتسع المجال لسرده- في ليلة كان قافلاً فيها من المسجد نحو بيته، ودار بينهما ما دار من حديث، ثم يقول الجاحظ:”…فما ضَحِكْتُ قَطُّ كضحِكِي تلك الليلة… ولو كان معي مَن يفهم طَيِّبَ ما تكلّم به لَأَتَى على الضحك، ولَكِنَّ ضَحِكَ مَن كان وحدهُ لا يكون على شَطْرِ مُشاركة الأصحاب.”

ترى إذن، ولا أحسب أن هذا يخفى على عاقل، وهو أن الجاحظ كان يُدرك بأنّ الضحك في حاجة إلى مَن يُردّد مَرَدَّهُ، ويشاركنا أصداءَهُ، وبثِّ إشعاعاته. وما كان هذا الرأي إلاّ ما ارتآه “برجسون” وهو أنّ الضحك ظاهرة اجتماعية. فعلامَ ينطوي هذا التهكّم والهزل، وما موارده ومعانيه، ومقاصده ومآربه التي أرادَ بها الجاحظ؟

كما سبق الذكر، أنّ الجاحظ ما أورد واردةً في كتبه، وجرى بها مداده، وأعمل فيها الفكر، وأدمن النظر، إلاّ وكان فيها نفع عظيم، وجَدَاءٌ جسيم. فإنّ لفكاهاته مضامين هادفة، قد تلمس قضية سياسية أو اجتماعية أو دينية مما يؤكّد أنه كان يوجّه سهام نقده إلى مظاهر سلبية لم تعجبه، ومن الوظائف التي اضطلع بها هذا التفكّه، وظائفُ فكرية، واجتماعية، وأدبية.

أوّلاً، الوظيفة الأدبيّة، ولا يحتاج منّا فهمها كثير تحليل، إذ يمكن أن نقتصر على ما قاله هو نفسه عن مأربه منها، وقد أدرجنا بعضها فيما سلف، وهو أنه كان يُدرج مؤلّفاته النّوادر والملح والمواقف الساخرة ضمنيا أو جهاراً، ويُولِيها أَوْلَى اهتمام، حيث بَيَّنَ أن الفكاهة تضفي على الإنسان البهجة والسرور، وأنها طبع متأصّل فيه لا استغناء عنها يُجدي، وإنما عكس ذلك. إذ يستشهد الجاحظ بقوله تعالى {إِنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا} فوضع الضحك بحذاء الحياة، ووضع البكاء بحذاء الموت كما يقول طه الحاجري.

أطلق توفيق الحكيم على تصوير الجاحظ مصطلح “التصوير الكاريكاتوري”، مُفرّقاً بين الكاريكاتور والهجاء؛ حيث أنّ الكاريكاتور من أبرز فنون الفكاهة. ذلك أنّ الجاحظ في تصويره الكاركاتوري-الهزلي ذاك، لم يقصد الطعن والزراية، وإنّما إلى تصوير بلاغيّ أدبيّ، وأنّ هذا الهزل والفكاهة لم يكونا عِنده بمثابة الغاية، بل وسيلةً لنقد وذمّ كل ثُلْمَةٍ في الطبع الخلقي للإنسان، وكلّ خلّة ممقوتة في تركيبه النفسيّ؛ كانتقاده للحصر والعِيّ، عندما ذكر بعض المواقف المضحكة التي ساقها في باب حديثه عن الحصر لأُناسٍ اضطروا للخطابة فأُرتِجَ عليهم منها، كقوله: صعد عديّ بن أرطأة على المنبر، فلمّا رأى جماعة الناس حَصُرَ فقال:”الحمد لله الذي يُطعمهم ويَسقيهم.” وبقي صامتاً فأنزلوه. وذكر الجاحظ من بين ما ذكر أنّه قيل لوازع اليشكري: قُمْ فاصعد المنبر وتكلّم. فلمّا رأى جمع الناس قال: لولا أنّ اِمرأتي حملتني على إتيان الجمعة اليوم ما جَمَّعْتُ، وأنا أُشهّدكم أنها منّي طالِقٌ ثلاثاً !

وليس يخفى عنّا أنّ هذا الأسلوب كان سبباً من أسباب تميّز أدب الجاحظ دون مَن ساماه من أساطِينِ زمانه، ولم تُزاحِمُهُ في ذلك مناكِبُ قُرنائِهِ، رغم أنّ أعظم كتب أدب العرب أُلِّفَتْ في ذاك الزمان، فكانت مؤلّفات الجاحظ تسجيلاً أميناً لأجواء عصره بجوانبه المختلفة، حيث أنّه “يأخذ بيدك ليُطلعك على الحياة الإجتماعية ويجعلك تلمسها وتذوقتها… فإذا قرأتَ الكامل وأمالي القالي أو عيون الأخبار لم تحسّ  فيه شيئا من ذلك. ومن أجل ذلك كتب الجاحظ أغزر مصدر لدارسي الحياة الإجتماعية في عصره” كما يرى أحمد أمين.

وأفضل ما تَوَصَّلَ إليه الباحثون والدارسون لأدبيات الجاحظ، في سياق الفكاهة ووظيفتها الأدبية، هو ما تَوَصَّلَ إليه حافظ الرقيق ببساطة ووضوح، أنّ أدب الجاحظ يهدف إلى تحقيق لذة المتعة، وإشراك الناظر في كتابه سرورَهُ ونشاطَهُ. ويشير الرقيق إلى أنّ الجاحظ يعتبر البخلاء مبدعين؛ لأنَّ لهم مذهباً في الحياة، والبُغيَة من هذا الأدب هي الضحك واللهو. فلِلْقارئ لذّتان: لذة المعرفة، ولذة الضحك والسرور.

مِمَّن كان لهم الرّأي في هذه القضيّة كذلك عبدالله البهلول، الذي يقول بأنّ الجاحظ أسس نهجاً في الكتابة الأدبية يقوم على المراوحة بين الجدّ والهزل، بل إنّ له أيَّمَا فلسفة في هذا الشأن. ويقول بهلول موضحاً:”فالهزل ليس مجرد زينة وبلاغة تُعين على إدراك الجدّ بالترويح عن النفس، وإنّما في المزاوجة بينهما تأسيسٌ للأدب؛ فالجدّ والهزل هما السندان القويّان لبناء الأدب وإنتاج نصوص تحقق المنفعة بقدر ما تحقق من الإمتاع.”

ثانياً، وبعد الوظيفة الأدبية الخالصة، تعترضنا الوظيفة الفكرية لهذا الهزل والفكاهة والإضحاك في أدب الجاحظ، الذي أظهر بشكل تهكميّ بارع، حقارة هؤلاء البخلاء المبدعين، ليُعَظِّمَ من سخاء العرب وجُودُهُمْ عن طريق مقارنة النقيضَيْنِ، بغير خدش ولا مرش لأولئك المنتقَدين، ولا الوقوع في زلل إطراء العرب على نهج ما يفعل بعض الأدباء، غير أنه وقع في ذلك في كتابه المحاسن والأضداد الذي يتحلّى بالجدّ الصارم، على عكس بقيّة مؤلفاته.

عاش الجاحظ في عصر إحتدم فيه الصِّرَاعُ والقِرَاعُ حول مسألة العقل والنقل، أيْ بين المعتزلة وخصومها، ومن هنا، يرى عبدالله بهلول أنّ الجاحظ على إثر هذا المناخ، لَجَأَ إلى الكتابة الهازلة هادفاً إلى التقليل من شأن الخصم وتصغيره ومحاربته، وبإخراجه في صورة عابثة مُحَرَّفَة. إنّ الهزل يصبح وسيلة تَسَلُّطٍ وقهر، وأداة ناجعة قادرة على دس السم في العسل.

لقد كان الجاحظ مخترقاً للمحظور، منتهكاً للمقدس، إذ بالهزل والإضحاك ينتقد السلوك الغير السويّ. كحديثه ينتقدُ الكُسالى قال: دخلتُ على أنس بن أبي شيخ وإذا رأسه على مرفقه، والحجام يأخذه من شعره، فقلت له: ما يحملك على هذا؟ قال: الكسل، قلت: فإنّ لقمان قال لابنه: إيّاك والكسل، وإيّاك والضجر، فإنّك إنْ كسلتَ لم تؤدّ حقاً، وإذا ضجرت لم تصبر على حق. قال: ذاك والله إنه  لم يعرف لذة الكسولة. وذكر الجاحظ أيضاً: وقيل لبحر بن الأحنف: ما يمنعك أن تكون مثل أبيك؟ قال: الكسل. وانتقد كذلك التفكيرَ النّاقص، والمنطق المعوجّ، الذي يقوم على إنتاج الخرافات والأساطير. ومثال ذلك أنه كان ينتقد ساخِراً حماقاتٍ يجترحها الوُعَّاظُ عن جهل منهم بأحكام الدين، أو عدم استيعابٍ لمدلول ما يقولون؛ وهؤلاء أفدح من سابقيهِمْ من ثقيلي الألسُن والكُسالَى. وإنّما هذه العيوب التي تعتري رجال الدين، والتي سخر منها الجاحظ تكاد تُطابِقُ ما يجري عندنا اليوم في عصرنا هذا من متديّنين يدّعون إرشاد الناس والضّالين، وإصلاح الفاسدين منهم، وهم أَمَسُّ الناس حاجةً لِمَنْ يُقَوِّمُ أخطاءهم ويُصلِحُ ما فسد من عقولهم. ومثال ذلك أنّ الجاحظ قال: خَطَبَ عديّ بن وئاد الإيّاديّ فقال: أقول لكم كما قال العبد الصالح:”ما أريكم إلاّ ما أرى، وما أهديكم إلاّ السبيل الرشاد.” فقالوا له: ليس هذا من قول عبد صالح، إنما هو قول فرعون! فقال: ومَن قاله فقد أحسن. وما أفدح من هذا إلاّ ما ساقه الجاحظ في كتاب الحيوان من نوادر أبي أحمد التمسار أنه كان يقول في قصصه:”ولقد عَظَّمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حق الجار، وقال فيه قولاً أستحي والله من ذكره!”

وجّه الجاحظ كثيراً من سخرياته إلى طائفة ممن احترفوا القصص الديني. وكان يتعقّب أخطاءهم ويروي طرائفهم، منهم “موسى كوش” و”أبو كعب القاص” الذي يقول في قصصه: كان اسم الذئب الذي أكل يوسف كذا وكذا، فقالوا له: إنّ يوسف لم يأكله الذئب، فقال: فهو اسم الذئب الذي لم يأكله يوسف. وهذا مما رواه ابن الجوزي عن الجاحظ، ونستنتج منه أنه كان ينتقد القصاصين ورجال الدين وما ينفثونه من الخرافات والقصص الخيالية التي كانت تروقهم وتروج عند أشباههم من العامة والدهماء، ومبتغاه من ذلك تخليص الإسلام من عبء الأفكار الخرافية التي ناءَتْ به، ومحاولة إبقائه طيّب الإزار من أساطير وشبهات يُلْحِقُها السُّذَّجُ بالدين الإسلامي في عصره. كما تمكّن من التنفيس عن المكبوت، واقتدر على المهاجرة بما سكت عنه المجتمع، وتمرير قناعاته الفكريّة، واعتقاداته الكلاميّة.

ثالثاً، نجد أنّ الفكاهة الأدبية للجاحظ كانت لها وظيفة اجتماعية. ولئن عَمِدَ إلى الهزل والتفكّه ليصوّر مجتمعه في نشاطاته المدنّسة تصويراً هزلياً ساخراً، أو كاريكاتوريا كما وصفه توفيق الحكيم، لكنه كان فاحصاً ناقداً. كما دافع عن نظام قِيَميّ وثقافي موروث يتمثل في قِيَم الجود والسخاء والعطاء، وقيم المروءة المستوحاة من الشعر، والحث على الضحك باعتباره إحدى هذه القيم التي يجب أن يستمسك الناس بها، فالجاحظ يتمسك بقيمة الضحك والهزل ويدافع عنها كما رأينا في ردّه اللاذع عمَّن يلومه عن مهازلته، وقد لاحظ أنّ الناس من العامة يحسبون أنّ كلّ ذي شأن ومكانة لا يعرف للهزل سبباً ولا مظهراً، وأنه في جدّ دائم، حتى أنهم باتوا يحرمون أنفسهم من الضحك والمزاح ظناً منهم أنّ الوقار في الجدّ والعبوس. وذكر في التربيع والتدوير:”وكان الحجّاج مع عتوه وطغيانه، وتمرّده وشدّة سلطانه، يمازح أزواجه ويُرَقِّصُ صبيانه. وقال له قائل: أَيُمازِحُ الأمير أهله؟ فقال الحجاج: والله إنْ تَرَوْنِي إلاّ شيطاناً؟ والله لربّما رأيتُني وإني لأقبّل رِجْلَ إحداهنّ”. بل إنّ الجاحظ نفسه طُرِدَ من قِبَلِ المأمون بعد ثلاث أيّام فقط من تولِّيه منصب رئاسة ديوان الرسائل بسبب ميله إلى المرح واللهو، ولم تكن سجاياه لتُوائِمَ ما في ذلك المقام من جدّ وتكلّف كان يضيق بهما ذرعاً.

وفي إطار الوظيفة الإجتماعية، وجب الإشارة إلى أنّ الجاحظ قد اختلط بجميع طبقات مجتمعه على إختلاف أنواعها ومشاربها؛ الخليفة والبلاط، المفسرون، الأطباء، المشعوذون، المنجمون، المعلمون، الكتّاب، التجار، البحريون، المتصوّفون والزهّاد، المتكلّمون والعامّة الجهلة. وكانت نظرته إلى كل هذا المجتمع نظرة ثائر على الوضع الإجتماعي الذي يعيشه، بوصفه ينتمي إلى الطبقة الشعبية الكادحة، ونظرة مفكّر أديب ينتمي إلى فرقة المعتزلة التي رجّحت العقل، ونظرة ناقد ذي فراسة وذوق سليم. دفعه كلّ هذا إلى السخرية من معاصريه من جميع الطبقات مَضَاءَ الهِمَّة، لا يجزع لمذمّة. لهذا، كانت تجمح فكاهاته بعض الأحايين إلى الجانب السياسيّ، فتلحظ في أعطافها وثناياها تعريضاً مُبيناً لبعض الخلفاء والأمراء. وانتقاداً لسياستهم، أو سخرية منهم وكشفاً لتِيهِهِمْ وخُيلائِهِمْ. ومنها ما رواهُ في البيان والتبيين، إذ قال:” ونظر عثمان بن عفان -رحمه الله- إلى عير مقبلة، فقال لأبي ذر: ما كنتَ تحبّ أن تحمل هذه؟ قال أبو ذر: رجلاً مثل عمر.” وهذا الجواب من أبي ذر تعريض لاذع لسياسة الخليفة عثمان وتلميح إلى حاجة الخلافة لرجل حازم مثل عمر بن الخطاب. وقول الجاحظ أيضاً: بينا معاوية بن مروان (أخو عبدالملك بن مروان) واقف بدمشق ينتظر عبدالملك على باب طحّان، وحمار الطحان يدور بالرحى وفي عنقه جلجل (جرس صغير)، إذ قال للطحّان: لِمَ جعلتَ على عنق هذا الحمار هذا الجلجل؟ قال: ربما أدركتني سآمة أو نعسة، فإذا لم أسمع صوت الجلجل علمتُ أنه نام فصحتُ به. قال معاوية: أفرأيتَ إن قام ثم قال برأسه هكذا وهكذا -جعل يحرك رأسه يمنة ويسرة- ما يُدريكَ انه نائم؟ قال الطحّان: ومن لي بحمار مثل عقل الأمير؟!”

كان الجاحظ يفعل كل ذلك، والقرّاء يضحكون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*