الرئيسية | فكر ونقد | جدلية الحب والحرمان في المتخيلات السردية | د. فيصل غازي محمد النعيمي – العراق

جدلية الحب والحرمان في المتخيلات السردية | د. فيصل غازي محمد النعيمي – العراق

د. فيصل غازي محمد النعيمي

قراءة في مجموعة (أرض الحكايا) لــ سناء شعلان

تجربة الحب على المستويين الحياتي والثقافي تجربة شديدة التعقيد والبساطة في الآن نفسه، وهي ممارسة مصاحبة في الغالب للتجربة الثقافية للإنسان مهما كان نوع ومستوى هذه التجربة. ولهذا فهي تعكس في بعض تجلياتها شكل التجربة الثقافية ومن ثم الفنية وتمثل مرحلة مستمرة ومتنامية لا سيما في المتخيلات السردية بأشكالها المختلفة والمتعددة، وهي تثير وتحاول ان تجيب في أسئلة لطالما حاولت المدونات السردية التعبير عنها. واي عملية فهم لتجربة الحب ستكون قاصرة ان لم يتخللها فهم للوجود الإنساني، ففعالية الحب في هذا الوجود تنبع من كونه ليس إحساسا عاطفيا فحسب بحيث يمكن للإنسان الانغمار فيه بسهولة، بل هو فعالية تطور الشخصية الكلية للإنسان لكي يحقق أهدافا كلية(1).

وإذا كان الحب والكراهية او الحب والحرمان من الأحوال النفسية والوجدانية التي يصعب على الانسان تحديد معناها بدقة، لذلك فهذه الثنائيات من الاحوال التي يشعر بها الانسان ولا يستطيع التعبير الصحيح عنها(2).

الا ان هذا لا يعني عدم امكانية رصد هذه الفعالية على مستويات المعرفة والعلم والادب، لأن هذا لا يغض من القيمة العليا للحب. ((بل يحولها من معرفة متعالية تتحرك في السقوف البرهانية العليا للعقل البشري او ما بعد ذلك الى معرفة بشرية قابلة للتداول والممارسة والفعل والاحتفاء والتكوين والشيوع، تبدأ بالشعور التعبيري البسيط والعفوي والبريء وتنتهي بالحدس)) (3).

وتتجلى ثنائيات الحب والحرمان الروحي والجسدي في النصوص الادبية المختلفة بوصفها ركائز ومفاهيم معرفية قائمة على مبادئ فكرية لعل من اهمها مبادئ الضرورة والدافع. فمنذ المتخيلات الحكائية الانسانية القديمة وحتى المتخيلات المعاصرة، وقضايا الحب المتنوعة والمتدانية الجذور والدوافع او المشحونة بالدلالات والقيم والمتأسسة على مرجعيات تاريخية ودينية واسطورية واجتماعية، تشغل المشاهد الفنية في المدونات الفنية وتحتجز لنفسها حيزا واسع المدى.

تحتفي الكاتبة الاردنية (سناء شعلان) في مجموعتها القصصية (ارض الحكايا) بقضية مركزية مؤطرة للحكي بأكمله وتشتغل على وفق رؤية مركبة تتوزع مابين الفكري والفني وهي جدلية الحب والحرمان التي تأتي بأشكال ومستويات مختلفة الا انها تمثل الثيمة المركزية لا غلب قصص المجموعة.

تنتظم قصة (سداسية الحرمان) على المستويين المضموني والبنائي على وفق منظومة فكرية/ثقافية/سردية، فالقصة عبارة عن ست قصص تختلف في العنونة الفرعية وفي شخوصها وفضاءاتها وربما احداثها، الا انها تعبر عن قضية مركزية واحدة وبطرائق تعبير سردية متنوعة، هذه القضية او الإشكالية تدور حول جدلية الحرمان من الحب ومن ثم البحث عنه على وفق تصورات انسانية وفكرية. الا ان ما يميز هذه القصص الطابع المأساوي الذي يربط بين اشكالية الحب من جهة والنهاية المأساوية لشخوص او احداث القصة.

في القصة الفرعية الاولى (المتوحش) تبرز ثنائيات مركزية واخرى متفرعة عنها ضمن جدلية سردية، فكرية تؤسس لحوارية تعبر عن الجانب المسكوت عنه في القصة الإطارية بأكملها. فثنائية الحرمان/الحب، يتناسل عنها ثنائيات اخرى لعل من اهمها: الذكورة والانوثة ومن ثم الحضارة /التوحش، فالأنثى في القصة هي اصل الحب والحنان والمأوى والعائلة ومن ثم تتحول الى اصل الحضارة والتمدن((غدا الحيوان صديقه المفضل الذي يقاسمه كل شيء، وبدأ يعتاد عليه، وعلى تكور بطنه الذي يفرز حيوانات صغيرة لزجة كسمكة مهروسة، كان ينوي ان يأكل تلك الحيوانات، لكنه وجد نفسه يحبها بشدة، ويدافع عنها إذا ما تعرضت لأي هجوم من حيوانات الجزيرة، كما وجد نفسه يعامل الحيوان الكبير برقة، ويألف جسده الغريب ذا الاعضاء الغريبة، ويعطف عليه، ويحضنه ليلا بكل شغف. تعلم بعض الكلمات من الحيوان الذي لم يعرف من اين جاء ابدا ابدا، فعرف ان اسمه رجل، وان اسمها امرأة)) (4).

تأخذ القصة شكلا انثروبولوجيا وهي تعبر عن التجربة الانسانية في التحول من الحياة البربرية والتوحش نحو الحب والتمدن والحضارة، وتأخذ الانثى الدور المركزي في هذه العملية وتصبح الصنو الاخر للحضارة، ويحاول الرجل ان يقهر الانفصال والوحدة القهرية التي يعيشها عبر الاندماج بتجربة الحب مع المرأة ((ان اعمق حاجة عند الإنسان هي الحاجة الى قهر انفصاليته. هي ترك سجن عزلته)) (5).

إن جدلية الحب/الحرمان تشتغل بفاعلية تعمل على توجيه أحداث القصة ضمن رؤية سردية/ثقافية ترى بان الحب والأنثى ما هما إلا وجه آخر للحضارة والتمدن وقهر الانفصال والعزلة((كاد يخترع كلمة تعبر لكيلا عن اشواقه، وعن فرحته بها، واعتياده على رائحتها (…) لكن ذلك لم يكن، فقد جاء رجال كثر بملابس غريبة(…) ثم اختطفوا كيلا والطفلين، وتركوه وحيدا بعد معركة خاسرة، كان مثخنا بجراحه، ولكن حزنه على كيلا كان أعظم، لزمن طويل فكر في الكلمة التي كان من المناسب ان يخترعها لكي يقولها لكيلا، ثم انقطع عن بحثه الحزين اذ لم يكن هناك حاجة لأي كلمات بعد غياب كيلا))(6).

تأخذ جدلية الحب/ الحرمان شكل الثيمة المركزية التي تربط بين القصص الفرعية الست ولكن على أشكال ومستويات فردية مختلفة، في قصة (المارد) يأخذ السرد شكل الإيقاع الزمني المعتمد على تقنيتي (الخلاصة والحذف) التي تتجاوز مديات زمنية اسطورية وطويلة جدا، ويتساوى عند الشخصية الرئيسة (المارد) عزلته في قمقمه منذ آلاف السنوات، وحرمانه من الحب والاتصال مع الموجودات (إنسية اوجنية).

الا الحب يتحول الى فعل وتضحية وايثار لاجل المحبوب وهي من تدفع بالشخصية (المارد) الى عودته الى عزلته من جديد ((بكلمة واحدة منها عاد المارد الى قمقمه، اغلقت القمقم بحزن من يشيع جنازة، واعطته الى الحبيب الغيور، الذي طوح بالقمقم بعيدا في البحر، احد بعد ذلك لم يرَ المارد، الى نعاه البحر لامواجه لكن اسماك البحر سمعت صوت سكرات موته، فقد تحطم قلبه العاشق، وغدا الف شظية على يدي الانسية الجميلة)) (7).

ان ارتباط بالتضحية لاجل المحبوب ومن ثم الموت او الخسارة هو ما يميز باقي القصص الفرعية لقصة (سداسية الحرمان) في (الخصي وفتى الزهور) اما باقي القصص (اكليل العرس والثورة) فتأخذ بعداً رمزياً حيث يدفع الحرمان بالشخصيات اما نحو الابداع او التغيير والثورة على المرأة. ((نسوا تماما جمعية مناهضة هي، ونادوا بصدق بسقوط الفقر والظلم والحرمان، جابت الثورة كل البلاد، وهتف الكل باسم الثورة، في المساء كانت هي والاصدقاء حيث يكون كل الثائرين، كانت مؤمنة بعدالة قضيتها على الرغم من وقع السياط المؤلم، اما هم فكانوا يلعنون(هي) التي اوصلتهم الى هذا المكان، وفي هدأة الليل وضعوا البنود الرئيسية لجمعية مناهضة(هي)، كما قسموا حقائب الجمعية، وسموا الاعضاء الدائمين فيها)) (8).

تلتزم الكاتبة في قصة (اكاذيب البحر) بذات المنظومة السردية والفكرية التي قامت عليها قصة (سداسية الحرمان) فالقصة تأخذ شكل القصة الاولى (ست قصص فرعية يجمع بينها عنوان واحد وفضاء واحد ومن ثم ثيمة مركزية واحدة تستقطب باقي الثيمات)، الا الحرمان من الحب ومن ثم الوقوع فيه يتواشج ضمن حساسية سردية مع قيم الكذب والصدق والتضحية مما يعطي القصة بعدا رمزيا واسطوريا يعمق من دلالاتها.

وما يميز هذه القصة الفضاء الواحد الموحد لاحداثها وشخصياتها والمرتبط بالحب والخيانة والتضحية والكذب وهو البحر حيث تتضح دلالات الانفتاح و اللاثبات والتغيير((يتجشأ البحر وهو ينسحب في الجزر، فيبتلع نفسه، وتعلوه رائحة الاسماك، فتبرز سارية السفينة الفارقة منذ مئات السنين قبالة قريته الصغيرة، ومن بين اراضي الشاطئ الرطبة المنكشفة التي عراها البحر تبرز هي، تأتيه راكضة بسرعة موجة، وبأسرار غيمة، تكتسي باردية من زرقة البحر، تملك الاردية التي اشتهاها لسنوات ثلاث، يرهف مشاعره وعينه متأملا ورودها الذي يؤنس رجولته.

يفتح ذراعية، ويعدر صدره العري لاستقبالها، ترتمي بكل زرقتها بين يديه، تتمنى ان تجد متسعا من الوقت لتقول له كم تعشقه)) (9).

تكشف ادوات التعبير السردي ولا سيما (اللغة) في المقطع السابق عن تواشج وتقاطع في الوقت نفسه بين الحب والحرمان من جهة والحب الرغبوي الجسدي والحب الطهراني من جهة ثانية، مما يساعد على هدم الحدود بين هذين العالمين، وبذلك ترتفع قيمة الأنثى/المعشوقة وتتماهى تماما مع صفات الفضاء المكاني (البحر) وتغدو إحدى تجلياته وصوره المعبرة عن الحب والخديعة والحرمان والتضحية.

وتبرز ثنائية فرويد في الحياة (ايروس) والعدم (ثاناتوس) وهي تشتغل في النص السردي ضمن رؤية فنية تنتصر للحياة والحب وتختار طريق التضحية لأجل المحبوب ضمن اجواء طقوسية، ويتحول الخوف من الموت والاندثار والعزلة والحرمان الى تأكيد للحياة وللحفاظ عليها(10).

فالحرمان القسري الذي يفرض على الشخصية ويمنعها من اشياء كثيرة من اهمها (الحب) يدفع بالشخصية الى التضحية بإمامة الطائفة التي تتساوى مع العزلة والموت والكذب لأجل البحر والحبيبة، ((وتزوجا لساعات لأيام فقط كانا زوجين، تسكعا في ارجاء مدينة القطط، مارسا العشق في كل أرجائها، اختزلا في ساعات حبهما كل مراحل الحب وقصصه(…) وسافر سليل الاساطير والعمامات السوداء، ولم يعد بعد ان كتب على عجل على بوابة صحرائها: كانت مدينة القطط طيلة سنوات ثلاث مدينة لا تطاق، كنت اتمنى الخلاص منها، وتركها في اسرع وقت، لكن عينيك صيرتا القفر واحة يهوي القلب اليها، ليستريح فيها من عناء الدنيا))(11).

تشكل جدلية الحب والحرمان في قصة (الجدار الزجاجي) على وفق تصورات ورؤى ومرجعيات مخالفة لما موجود في المجموعة القصصية، إذ تبرز الدلالات الاجتماعية للحضارة المادية التي تغيب تماما النزعة الإنسانية القائمة على المودة والمحبة، مما يجعل منها تؤسس لمرجعية اجتماعية قائمة على مبادئ القمع والانتهاك والحرمان. ويربط (هربرت ماركوز) بين التقدم الصناعي وبين الإحساس بزيادة الاستعباد لدى الفرد والجماعة، هذا الاستعباد المتلازم بهمجية الإنسان وبعده عن إنسانيته(12). تبدو شخصيات هذه لقصة وكأنها تنتمي الى عالمين متناقضين تماما ولا يمكن لهما ان يلتقيا، عالم الطفولة والبراءة والمحبة حيث وجود الأم، وعالم القمع والانتهاك والتعذيب ومن ثم الموت المرتبط تماما بغياب الأم القسري عن البيت، وتبدو الجملة الافتتاحية للوحدة السردية الاولى وكأنها شحنت بالدلالات الرئيسة للقصة وهي تعبر عن لوعة الحرمان بسبب فقدان الأم ((جدار زجاجي رقيق كما رقاقة كنافة هو اول من اذاقه الحرمان، وعرفه لوعة التنائي، لا يزال يذكر للآن زجاج نافذة سيارة الأجرة التي أقلت أمه بعيدا، ومنذ ذلك الي