الرئيسية | فكر ونقد | جدلية التاريخي والخيالي | عبدالرحيم التدلاوي

جدلية التاريخي والخيالي | عبدالرحيم التدلاوي

عبدالرحيم التدلاوي

 قراءة في رواية “ثورة المريدين”، للمبدع، سعيد بن سعيد العلوي

هل يمكن اعتبار ابن قسي مثقفا حالما سعى إلى قلب نظام الحكم ففشل في ذلك رغم أنه اعتمد القاعدة نفسها التي قادت إلى سقوط أسر وبناء أخرى؛ أقصد: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وهو الرجل الورع الذي عاصر المهدي بن تومرت مؤسس الدولة الموحدية؟
لم نجح ابن تومرة في ما فشل فيه صاحب “خلع النعلين؟ قد يكون ذلك لكون الأول ميكيافيلي، يستطيع تحريك الدمى وفق رغباته، ويصنع له الأتباع بناء على ذكائه وحربائيته.

رواية “ثورة المريدين” لسعيد بن سعيد العلوي الصادرة سنة 2015، تنقسم إلى ثلاثة أقطاب متداخلة فيما بينها، وما عزلها إلا من أجل القراءة، وهذه الأقطاب هي: الربيع العربي وتأمله، والميتارواية، أي حديث الرواية عن نفسها وهي تتشكل في علاقتها بالحدث التاريخي الذي تبغي الكتابة عنه، وما يشتمل عليه ذلك من معاناة وبحث مضن، وأخيرا، الحدث التاريخي والمتمثل في متابعة مؤسس الدولة الموحدية، ألا وهو المهدي بن تومرت في رحبته من الشرق إلى المغرب حيث تم تأسيس الدولة الموحدية على أنقاض الدولة المرابطية.
في «بين المدينة»، المدينة الشاطئية الجميلة في أقصى الجنوب الإسباني، انزوى عبد المولى اليموري ليكتب رواية تاريخية بطلها المهدي بن تومرت الموحدي. وفي تلك الفترة اندلعت انتفاضات «الربيع العربي» وكان قد مرحلة جد متقدمة في كتابة روايته التي استعان فيها بعدد غير قليل من المراجع التاريخية التي تتصل بالمهدي وعصره وسيرته. تابع الأحداث من خلال التلفزيون، ثم قرر بعدها الذهاب إلى مصر والنزول إلى ميدان التحرير؛ وفيه سيبصر المهدي خطيبا محرضا يظهر ويختفي.. الأمر الذي سيولد فيه حيرة ستزداد عندما سيكتشف أن هنالك مخطوطا ضائعا دون فيه البيدق سيرة المهدي الحقيقية لا تلك التي ينسج فيها البيدق بمؤسس الدولة الموحدية صورة «المعصوم». ستبدأ رحلة البحث عن المهدي، وعن المخطوط المفقود، في جوف أحداث الربيع العربي. سرعان ما سيترك أمر البحث مفسحا المجال للربيع يسير وفق دفة ما يعتمل في الساحة من صراع. وفي هذه المسألة، يتأكد أن الهدف ليس المهدي في حد ذاته بل ما تعرفه مصر من أحداث استثنائية.
ويظل اليموري محبا للحياة،مقبلا على مباهجها ، كما بقي متطلعا إلى الانعتاق من القيود التي تكبل مجتمعاتنا مترصدا قيام المهدي المنتظر،والمخلص من هذه القيود.
لعل الرهان الأساس الذي بنيت عليه الرواية هو كالتالي: هل نكتب رواية تاريخية تروم الحقيقة، أم نكتب رواية تخييلية هدفها الإمتاع؟ ظل هذا السؤال مطروحا طوال النص الروائي، يؤرق الروائي، ليجد خلاصه؛ أقصد جوابه، من طرف مانولو الرجل البسيط لكنه الصادق حين قال للسارد: لا يعني الناس أمر الرجل أو الرجال الذين تقول إن الرواية تتحدث عنهم. لا تعنيهم الكتب التي قرأت. يعنيهم فقط أن الرواية جيدة لأنها ممتعة أو رديئة لأنه لا إمتاع فيها ولا مذاق لها. لا تحدثني عن الحقيقة يا أبدو، رجاء، لا تحدثني عنها. ص 276
ينبغي أن تكون الرواية كالديك الرومي، شهية وممتعة.
كان قوله الصادق بمثابة تحرير له من ثقل مواصلة البحث عن الصورة الأخرى للمهدي؛ لقد تخلص من هذا الحمل الثقيل، وأقبل على الحياة، من جديد، بكل همة ونشاط، يكرع من نعيمها، ويستمتع بأطاييبها.
مسألة أخرى ذات ارتباط بالموضوع، هل كتب سعيد بن سعيد العلوي رواية تاريخية؟ أظن أن الجواب لا، للاعتبارين التاليين: أولهما، حجم النص التخييلي، إذ جاء أكبر من حجم السرد التاريخي. ثانيهما، أن كتابة بعض من سيرة المهدي لم تكن إلا بغاية جعله يعود ثانية، وقد أبصر السارد بأم عينيه خطابه يتكرر على يد رجل يشبهه. إن عودته كانت بغاية محاربة الفساد، ومعاقبة الخارجين عن الملة، وهي نفسها الحاضرة في الزمنيين. وبناء عليه، أستنتج أن المبدع كان حاذقا في اختيار المرحلة التاريخية التي يستلهمها للتعبير عن اللحظة الراهنة، فالتماثل بين بينهما، خاصة على مستوى الخطاب؛ فالمهدي يعلن محاربته للظلم والفساد وغير ذلك من الموبقات، وهو نفس الخطاب الذي ترفعه الجماعة الإسلامية. المبدع بعد أن تابع الثورة المصرية، سماعيا وعينيا، ورأى التحولات تجري أمامه، عاد إلى التاريخ لربط الحاضر بالماضي، دون أن يعني ذلك تبنيه لهذا الخطاب في حرفيته؛ إنه ينشد التغيير، ويرى أنه من الضروري تحطيم الأصنام، وفتح تاريخنا على الحياة، بعد انسداد دام لقرون.
ومما يزيد تأكيدا على أن الرواية ذات منحى تخييلي لا تاريخي، كون فصول البعد الثاني لم نكن لا مبتدأ ولا منتهى، بل جاءت في الوسط، وكأنها جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب، دورها استحضار المهدي كمنقذ للناس من الفساد والظلم السائدين في المرحلة التاريخية الراهنة. وتجدر الإشارة تأكيدا إلى أن الكاتب في عمله هذا لا يتبنى خطاب الإسلام السياسي، فقذ، يرى في الحزب الذي يتبنى هذا الخطاب تنظيما محكما وقويا، ورغم أنه آخر من التحق بالثورة، إلا أنه يمتلك القدرة على إحداث التغيير، بيد أنه، في نظر المبدع، فيما نرى، تغيير مشروط بالديمقراطية وحقوق الإنسان، والإيمان بالاختلاف، والتداول السلمي على السلطة، بالنسبة للمبدع، ونستدل على ذلك بعنصرين نستشفهما من الإشارات التالية:
أن الكاتب اختار جنوب الأندلس لتحرير روايته، ولهذا المكان قوته المعنوية، فهي الفردوس المفقود، وهي التاريخ العربي الذي بدأت أصالته الإسلامية تسلم الروح بفعل الحداثة، وما كان للحداثة في إسبانيا أن تتحقق لولا تبني الإسبان للديمقراطية. كما أن الكاتب يمتلك هوية متعددة المشارب، وفي هذا تلميح إلى ضرورة احترام هذا التعدد الهوياتي بدل الهوية الواحدة المتوهمة، والتي قد تسقطنا في الاستبداد من جديد.
وإذا علمنا أن المبدع أستاذ للفلسفة ومتبحر في التاريخ الإسلامي، فسنعلم أنه لا يؤمن بأن ما صلح به حال أجدادنا سيصلح أحوالنا، وكأن الزمان لم يتغير، وأن الحلول نفسها التي حضرت في الماضي ستحضر في اللحظة الراهنة، إنه لا يؤمن بالتكرار، بل يؤمن بالتغيير؛ تغيير ينبغي أن يكون وفق شروط المرحلة الراهنة، يستلهم الأفكار المعاصرة التي حققت نجاح الأمم في معانقة العصر لا نفيه.
من الملاحظ أن الرواية في تقسيمها الثلاثي، عمدت إلى طبع خط الرواية التاريخية بالبنط العريض، والرواية التخييلية والميتارواية بالخط العادي، كما أن الرواية التاريخية جاءت مقسمة إلى عدة فصول مرة متتابعة، ومرة متباعدة، ومسبوقة بعتبة عبارة عن مقتطف من كتاب تاريخي. بخلاف الرواية التخييلية، التي جاءت خلوا من ذلك، باستثناء الفصل الأول، ويمكن عد تلك العتبة إشارة إلى أن المتن سيشتغل على العنصر التاريخي لصالح الرواية التخييلية، خادمة لها؛ علما أن السرد التاريخي في النص سحب البعد التقديسي عن المهدي، وجعله إنسانا تحت أنظار النقد والتمحيص.
وإذا كان السارد عبدالمولى قد أشرف على إنهاء قصة المهدي بن تومرت متكئا على مرويات البيدق وغيره ممن أخذ عنه، فإن ظهور غسان زرع فيه بذرة الشك، إذ أشار إلى وجود كتاب آخر للبيدق كتبه بعيدا عن سيف عبدالمومن، وإكراهات صحبة الإمام. وهو ما دفع بالسارد إلى البحث المحموم عنه.
وفي حضوره لمراكش سيفتح باب السرد لغيره، وأقصد الشيخ الذي ظلت لديه المخطوط لفترة قبل أن يرسل نسخه إلى الكلاوي المتسلط بناء على رغبة الكتاني، وإلى أمريكا وإفريقيا.
وبذا، نحصل على ثلاثة رواة، السارد الأصلي، ورواة سيرة ابن تومرت، وهذا الشيخ الذي عرف كيف يثير انتباه مستمعيه، ونرفزتهم.
لابد من الإشارة إلى توظيف الجانب المسرحي في النص الروائي: إما بوصف مسرح الأحداث، أو تقديمها بشكل مسرحي كما في المناظرة التي جرت بين الإمام وبقية فقهاء السلطان.
وهذه المناظرة كانت تعتمد منطق الغلبة بتوريط الطرف الثاني، كل طرف يسعى للخروج منتصرا، والبين أن المهدي كان يبغي جعل خصومه يدركون أنه على حق، وأن السلطة جائرة.
ولعل أهم عنصر دفع بالكاتب إلى كتابة عمله الروائي هو التماثل بين اللحظة التاريخية واللحظة الراهنة؛ لحظة الربيع العربي من خلال ذلك الخطيب المفوه الذي يشبه المهدي في بعض صفاته الجسدية، ومن خلال منطوقه. أقصد: مفردات خطبته.
كما تجدر الإشارة إلى حضور التماثل حتى في بناء الدعوة، إذ سارت دعوة ابن تومرت على هدي الدعوة المحمدية، سرا، وبقلة عددية، ثم الهجرة وبداية بناء القوة وتحقيق الانتصار.
وكأن التغيير سير على نهج سابق، لا يتحقق إلا بالنموذج الأولي، المشرق والاستثنائي.
في المرحلة الأخيرة من النص، اعتمد السارد البعد الغرائبي، بعد سقطته من فوق الجمل.
ختاما:
الرواية عمل مفتوح على تعدد القراءات، محرض على التأمل، وإبداء وجهة النظر، كتب بلغة تجمع بين العتاقة والمعاصرة في توليفة ذكية. وكان الغرض منه تحويله شريطا سينمائيا يحدث ضجة في الأوساط السينمائية لجرأته، وما يتضمنه من طروحات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*