الرئيسية | فكر ونقد | النبش في المتهدم الذاتي قراءة في ديوان “أشياء تراودها” للشاعرة مليكة العاصمي

النبش في المتهدم الذاتي قراءة في ديوان “أشياء تراودها” للشاعرة مليكة العاصمي

حميد ركاطة

يحتوي ديوان الشاعرة مليكة العاصمي ” أشياء تراودها ” على أربعة عشر قصيدة، وقد تم تقسيمه إلى جزأين: الأول بعنوان: أشياء تراودها كعنوان رئيسي تندرج ضمنه ثمان قصائد. في حين يضم الجزء الثاني الموسوم بعنوان “مدن من سراديبها” ست قصائد. وقد تميزت قصائد الجزء الأول من الديوان ” أشياء تراودها”، بنفسها القصير، وإيقاعها السريع، ولغتها الباذخة.

وللإشارة فالديوان صدر عن بيت الشعر بالمغرب، بدعم من وزارة الثقافة المغربية سنة 2015

تتوزع تيمات الديوان بين وصف تحولات المكان، وعنفه، وقسوته، بالإضافة الى تضمين الحكاية، والإرتكاز على جماليتي الاستعارة، والتكرار. في حين لمسنا لجوء مثيرا نحو الشخصنة لرصد صراع الذات، وإبراز جنون الحب، مع إشارة خاطفة الى سنوات الرصاص والجمر.

 وهو ما يجعل من ديوان أشياء تراودها ( كتاب العصف)، فسيفساء شعري كتب بأنفاس مختلفة، لنتساءل عن خلقيته الإبداعية والجمالية، وعن أبعاده الفنية.

أولا: تحولات المكان

 تبرز تحولات المكان، والأشياء، عبر تطويع اللغة الشعرية،لإنشاء صور تنساب في تداع آسر، قصائد تضم بين حناياها نتفا من اللغة العامية الحاملة لحكم، وعبر كبيرة. تقول الشاعرة في قصيدة ” مستنقع” [1]“باش قتلتي باش تموت أملك الموت”

عبارة مسكوكة تختزل نهايات موجعة، وإعلانا أخيرا لنهاية الكون، وحلول الفناء. وقد تمكنت الشاعرة مليكة العاصمي، من السير بتدرج بمتلقي القصيدة عبر مراحل تجسدت في: اللعنة، ثم المسخ:

“لم يكمل قوله حتى استحال ضفدعا

ينق في مستنقعات”[2]

من خلال الكشف عن عالم يعج بالفظاعة، والعنف كذلك:

“وخسروا” وجهه

هشموا عظامه

وفتشوا حرابه ومخبأه”

(…) ثم بالوا عاشرا عليه”[3]

إنها اللعنة التي تحل بالمخلوق اللعين الذي لا عاصم له في يوم حالك من أمر كان مفعولا. فهل يكشف المستنقع عن المآل النهائي للبشرية وهو يصورها بهذه القسوة الكبيرة؟ أليس المستنقع مجرد صورة مصغرة لوطن القمع، والعنف؟ أليس مجرد صورة مصغرة للديكتاتوريات المعاصرة؟

فإذا كان المستنقع، صورة مبهمة عن مكان في الذاكرة،  فإن تجليات أمكنة أخرى ستبدو جلية كما في قصيدة “مراكش”، عبر شخصنة مكوناتها، إلى طيف عجيب تقول الشاعرة:

“تخرجين من الليل مثل اليواقيت والجنيات”[4]، وتضفي عليها العديد من الصفات من قبيل:

” أنت مثل الصبايا الخرائد

(.. ) أعطافك المثقلات

بنضج التسابيح”[5]

هكذا تضحى مراكش، رمزا للسكينة، والإطمئنان والصفاء الروحي بما تضفيه عليها الشاعرة من قداسة وطهر.

وحين تراودها همهمات المريدين، والمولعين

أو يرتلها الواقفون ببابك

وردا

أو الرابضون على عتباتك مبتهلون”[6]

بالإضافة الى الهالة الروحية، نلمس مقامات أخرى من التبجيل والتقدير التي تبرز ميسم النعمة التي تفيض من مراكش أو كما يتخيلها الواقفون ببابها:

” أيا ثمرة المزن”[7]

“يا برعم النفس والزمن الابدي الندي”[8]

“تستخرجين الجواهر من دحرجات الفقاعات”[9]

” وأنت شروق الصباح

وبهرجة الارض والزرع والضرع”[10]

إنها مراكش جنة الشاعرة الطافحة بالأغاريد الضاحكات، الرقراقة والوارفة .

مكان يتحول عبر شخصنته إلى مخاطب عال المقام، بهي الطلعة محفوف بالرهبة، والطهر، والقداسة. ببساطة سحره الذي يسكنها إلى حد كبير. مكان أو أمكنة نحملها معنا أينما رحلنا أو ارتحلنا.

كما تتحول الذات الشاعرة الى مكان، كما في قصيدة “زوابع طنجة”[11] حيث تعلوا الأسئلة الحارقة، لتكشف عن مواجعها، ورؤى سراديبها الهادرة. أسئلة بقدر ما انتشرت في المدى القزحي، تداريها في غياهب الذاكرة الماطرة كغيمة.

لقد أحصينا مجموعة من الأسئلة داخل هذه القصيدة منتهية بعلامات استفهام، خصوصا في اللوحتين الأولى والثانية. في حين سنلاحظ غياب هذه العلامة في الأسئلة الموظفة في اللوحات المتبقية وعددها عشرة.. وقد توزعت بين ما هو ذاتي، وما هو موضوعي.

“كيف أترك هذا المساء/ دمي يتدفق/ مندلقا/ في حوافي المدينة؟

أترك هذا المساء/ تلالي/مواجهة للزوابع؟

كيف أواجه هذا المساء/ نزيف السهول؟

وجرح الأخاديد، في جسدي؟”[12]

فإذا كان التساؤل موجها أساسا هنا إلى ما هو خارجي، فإن أسئلة عميقة وجهت للذات الشاعرة، وللمكان في نفس الوقت:

“كيف أواجه هذا المساء

زوابع عاصفة

في سراديب روحي

وخلجان طنجة؟”[13]

كيف أواجه هذا المساء

اندلاقي

بين المطارات

وحواري طنجة

اكبح شوقي”[14]

لقد شكلت الذات الشاعرة في حوارها الوجودي مع مكونات المكان جزء من طنجة بفعل هياج الروح وهياج الطبيعة، وهو ما يكشف نوعا من إلتحام الأرض بالجسد وتخومه القصية عبر شخصنة بديعة:

“هل ستنام مكامن هذي المدينة

آنا من الليل

حتى أحاور مجرى الجداول

حين تعذبها الريح

أصغي لشكوى السواقي

إذا ما تخطفها لولب الأرض

فانسكب فرقا

تغتذي حيث تترك مهجتها”[15]

فالذات الشاعرة، تتحول بدورها إلى مكان عبر تشييد صور شعرية بلغة بديعة، لتترجم توق الشاعرة، وأمانيها:

” أكبح شوقي

وتوقي

أسحب هذا المساء

خيوط ارتعاشي

من الغيم

كيف يقرر هذا المساء

امتطاء خيولي

وكيف أصد

 اجتياح حقولي

وحرب الطبيعة

فوق تضاريس روحي”[16]

اقتران ذات الشاعرة بالمكان، هو اقتران أبدي لكون رحيل الطبيعة مثل رحيل الروح، حيث يبدأ نزيف الذاكرة، ولا يتبقى مجرد خراب. فالمكانة التي حظيت بها طنجة في هذه القصيدة كشفت عن تماهي والتحام مطلق بين الذات والمكان، وتحوله الى فضاء أرحب للشدو، والدفء، والشجو، والهديل… كما كشفت عن تضارب الأحاسيس والمشاعر، وعرت عن حالات نفسية عصية أحيانا، ولدت شوقا، وخيرة، وحنينا، وإحساسا بالألم.

” كيف أقاوم هذا المساء

حنيني لريم

وغسان

كيف أعالج

شوق عبير

وأنغام

هدي الرياح معذبة

كتباريح روحي”[17]

وهي مشاعر يكشف عن طبيعتها كذلك التشكيل البصري للقصيدة، وطريقة رسم الكلمات بشكل عمودي، للتعبير نفسيا عن السقوط الذي تتم ترجمته على  شكل نزيف قاسي للذاكرة، ولألم الذات البغيض. عن مجزرة في الميان، وفي الروح، وعن احتقان كبير. لتضحى زوابع طنجة، هي زوابع الذات الاكثر وقعا ونزيفا على الاطلاق في هذا الديوان بما خلفته من جرح في أخاديد الجسد. كما غي هذا المقطع

“الجو

معتكر

وحنايا الجوانح

مقتلع

والغمام

جريح

وأسئلتي”[18]

في حين تكشف قصيدة” ثلاثية طنجة”[19] وهي قصيدة محفوفة بقصة خاصة، لفتت انتباه الشاعر الكبير محمد السرغيني الذي كتب عنها قصيدة أخرى، وكذلك الشاعر محمد الطريبق الذي أثنى عليها بقصيدة أخرى. وآترت الشاعرة إلا أن توشحها بهذا العنوان المائز، وكان أمل الشاعرة أن تدرج إلى جانبها تلك القصائد الموازية.

ويمكن اعتبار هذه القصيدة التي جاءت في الجزء الثاني من هذا الديوان، “مدن من سراديبها”، أيقونة هذه الباقة الجميلة، بما حوته من صور باذخة وناطقة كشفت عن مشاعر البسطاء من أهل طنجة، وتحدثت بلسانهم من خلال رصد الشاعرة لأحد مكونات الحياة كالنوارس، واليمام، وشخصنة الأوضاع على لسان حالهم:

” ويزيد في كرب اليمام

مواجد الوجدان

يغدو يائسا

حيران

شبحا

يبدد في فضاء النفس

قافية

ويطوي جنحه كمدا

تنفطر قلبه الاشجان”[20]

(..)

” ويزيد في ألم النوارس

غربة الاوطان

او الاوطار

في روع اليمامة”[21]

ثلاثية طنجة قصيدة، عميقة فاتنة بتوغلها العميق والجارف، الكاشف عما يختلج بالأعماق، وفي الحنايا من أحزان، وأشجان.

 سنلمس هذه النبرة الحزينة كذلك في قصيدة، ” رياح الشتاء” وهي قصيدة تعري عن آلام الذات وإحساسها بالموت، والرتابة، والحزن في لحظات تكتسيها الرتابة، والقلق:

” يا رياح الشتاء

أجيبي الحزين إذا انطفأ الضوء

واستلت الروح جؤجؤها

إنني أتآكل

متخذا أمراء المساء شواهد في ساحة الموت”[22]

فالصورة التي تشيدها الشاعرة مليكة العاصمي، عن رياح الشتاء، تمنحها هالة كفيلة بإحداث كارثة. غير أنها ستعمل في الجزء الأخير من القصيدة على إفراغها من ذلك.

وتموتين كالزفرات إذا نفتت في أديم

السماء

هي القتلة السابعة

تفيض بمأساتها للحمام”[23]

لقد تمكنت الشاعرة عبر توظيف الشخصنة من أن تخلق حوارا رهيبا بين مكونات الطبيعة، ضمن سياق تفاعلها مع الذات لتنجلي كعوالم متخيلة، تفيض بالمعاني، والدلالات.

ثانيا جمالية الاستعارة، وجمالية التكرار

تكتسي الاستعارة أهمية بالغة جماليا في بناء الصورة الفنية، بنوع من الدقة لذى الشاعرة مليكة العاصمي، استعارة تتخذ كمدخل للشخصنة، من قبيل ” تنتحب السماء”[24]، “تنتحب عناقيد الدوالي”[25] “كم أعرق الصبح جنونها”[26] وهي استعارة ستبرز المسار الذي تقطعه قطرات الماء( الندى)، كي تحط عل  الخمائل والدوالي، والمروج بنوع من الدقة في الوصف، والتشييد. وهو ما يكشف جمالية الصنعة.

” حين تكتب نفسها سحابة على الرمل

سخية

طري عذقها”[27]

وتشتفي من شظف العيش مروجها الخضر

بهية

وارفة

تحتضن الكون بعشقها الأنيق

ثم تمتص الندى من المساء”[28]

في حين تبرز جمالية التكرار، في قصيدة” فاصلة”، التي يتكرر فيها مصطلح (فاصلة) سبع مرات لتأكيد أهميتها كهاتكة للحجب، والأسرار، ولدورها الحاسم في الفصل بين الذات، “واشتاؤها”.

أنت اشتهاء الفواصل

مذ جادك الفصل

الوصل

لم تستقم شذرات القوافي

على جملة فاصلة

نسمة واصلة”[29]

إنها فاصلة مجنونة مليئة بالألم والانين، منذ الأزل، إنها نهاية لهب يتراقص كقداس مريم أو تفاحة أدم، أو غمام يحوم حول المرايا، وأطياف حالمة، تمتص حرائق مالحة.. إنها فاصلة الأقاصي والجراح، مناحة ليلى المريضة العراق، ونحيب خرائب ذات أمير يبكي الأخيلية. لقد استطاعت الشاعرة مليكة العاصمي أن ترصد كونية وهوية الفاصلة، المعربدة بين طيات المعنى، لتكشف عن هالة قسوتها الضارية في الحنايا.

وسنلمس جمالية التكرار كذلك في قصيدة” مدن من سراديبها”[30] من خلال ما تعلنه العتبة من توغل في أعماق الذات الشاعرة، وأسرارها وهي تصدح بما فاتها أن تفعله، أو كان عليها القيام به، وكأنها تكشف عن أحلام مؤجلة، أو رغبات موءودة، أبرزها اللجوء الى تمرير مجموعة من المصطلحات التي شكلت بدورها مفاتيح أساسية لتفكيك شفرات النص المنتقد للواقع الاجتماعي، من قبيل:

” فاتني،

أن أعاجل هذا المقام

أن أعاجل ذاك المقام

وذلك المقام”[31]

“فاتني

أن أسيج أسواره”[32]

فاتني

(..)

أن أتدلى”

” فاتني

أن أبادر”

“أن أحلق”[33]

تكرار على امتداد الصفحات(46 ، 47، 48،4 9، 51..52).

وتكشف مقاطع القصيدة عبر خمسة عشر  لوحة أو مشهدا، ما فات الشاعرة أن تقوم به، وهي توجه اللوم لنفسها، تنتقدها بقسوة في ظاهر الأمر، لكن في الواقع كانت انتقادات موجهة بسخرية لهنات المجتمع، وللنظام ككل. وهي تقلب الطاولة في نهاية  القصيدة:

” فاتني

أن أعالج مستخلصات

أبادلها في فضا المخبرين

وأبحث عن خطواتي

ومكاسب من خدمتي

فاتني

أن أجيد مهمة كلب الحراسة

أجيد النباح

اجيد التمسح

أو أن أجيد التداعي

لملحمة النهش”[34]

فالسوداوية التي كتبت بها القصيدة تكشف عن مقت ورفض للواقع كذلك:

” أذن

فاتني

دونما أسف

كل شيء” [35]

وهي صيغة إقرار تحمل في طياتها بوادر إنكار ورفض، وهو ما أعلن عنه التشييد المفارق للقصيدة، وقفلة للنهاية بنوع من التكرار الذي يفيد التأكيد:

” وإذن

لم يفت

أي شيء

                    أبدا

                   لم يفتني

                 شيء”[36]

ثالثاصراع الروح والجسد / سنوات الرصاص

إنها قصائد ذات طابع تأملي، تشيد عوالمها وفق صور مفارقة في الغالب كما هو الأمر في نص ” مقصلة” حيث يتميز البناء بالتوازي عبر مسارين ومكون من صورتين: الصورة الأولى العناكب التي أسدلت خيوطها على أريكة ثم سرعان ما مجت خيوطها فتخسف الأرض، وبالتالي اختفاء الأريكة. والمتجسدة في قفلة القصيدة حيث ستبرزها تناصها مع العتبة ” مقصلة” ، لنستنتج أنها نفس المقصلة التي ستطرزها العناكب. في حين تنجلي الصورة الثانية بشكل مجازي تعبيرا عن الزمن

” يقلقنا الوقت المقيت ساعة.

 نقتله للحظة”[37]

في إشارة لصراع غير متكافئ، وهو صراع خفي  وأبدي، بين الذات والزمن. يكشف عن انتقال نحو بعد ثالث ما فوق العجائبي، وهو زمن ناتج عن مخلفات الصراع”

ويرتدي قبعة الجنون

فيفتح الشعر له بابا

ليدخل القصيدة”[38]

فبين تربص العناكب، وصراع الذات والزمن تنجلي أبعاد العوالم الجديدة المشيدة على حافة الجنون، حيث تفتح القصيدة أبوابها ويتوارى الواقع في زواياه المعتمة تعبيرا عن العبور نحو مقصلة زمن بغيض. زمن الوجع، والجحيم الذي تفر منه ساكنة مدينة مصادرة أحلامهم وهم غارقون في أناتهم وصياحهم كما في قصيدة “وجع”.

” تصيح المدينة

يا وجعي

وتغوص بخاصرة الليل

صرختها”[39]

إنها مدينة تصعد لوعتها حارقة، من جحيم الظلام، وقد ” سال نداها/على جنبات الوسائد”

مدينة تتوسد فجائعها، وتشرع حلمها للنسيان، كلما داهمت قلبها نوبة،

فالإحالة في هذه للقصيدة، تفتح كوة في سديم الأقبية، وتكشف أسرار سنوات الرصاص والجمر، بأنينها، وبكائها، وفظاعاتها، واستبدادها.

رابعا ملامح التجريب في الكتابة الشعرية

في قصيدة “المساء الأخير” نلمس توظيف لغة تمتح من التجريب أهم معالمه، لغة ترتكز على الاستبدال اللغوي، دون الاخلال بالمعنى الأصلي. وهو أمر يتم كذلك عبر الاستعارة لبناء الصورة الفنية.

هكذا تتحول الذات العاشقة، إلى ذات طيعة قابلة للتشكل، كبلها الحب حد الجنون:

” كوني لهاجرتي الظل

كوني لجهلي النبي

ودونك قلبي

اطعنيه كما شئت”[40]

حب مقترن إلى حد بعيد بجنون آسر  تتحول فيه الروح والجسد والعواطف قرابين للحبيبة في مساء أخير، مقدما على طبق الرضا.

” هاك تلابيب روحي

امسكيها بأوتاد

قلبي

أحرقيه بنار الجحيم”[41]

إن نبذ الذات العاشقة لنفسها، هو نبذ ناتج عن الإحساس بعدم طهر ذاته وتلوثها،  لانها مصابة برجس”جيفة”، وبالتالي يصبح تحمله لكل الأذى هو هدف في سبيل تطهيرها ولو بشكل سادي:

”  إني أموت عليك

في ناظري

وامسحي الدمعة المتكلسة الواقفة

كقذى الجفن” [42]

 وسيلاحظ المتلقي، مدى السخاء الذي يتمتع به المحب وهو يضع ذاته على سرير التعذيب السادي فرطا من الوجد، إحساسا بالدنس. وهي صور تداعت وفق تشييد تقابلي فريد:

” إني أموت عليك ص16

أشق قميصي

  لكي تنظري كيف تضطرم النار

  في كبدي كاللظى

(..)

إني سخيف.”[43]

وهي صور ستكشف عن نوايا مغرضة جدا، وخطيرة:

سأرتكب اليوم الجرائم

أقتل كل الرجال الذين أصادفهم

 والنساء

أدمر فلك السماوات

 والنيزكان العظيمان.[44]

 وهي فظاعات من اجل إرضاء محبوبته:

” فهل تستطيعين أوبي ذبيحا

لأمي الحزينة

في كل يوم مع الفجر”[45]

فالجنون تحرر وانطلاق خارج التعاليم، قفز على الحدود، وخرق للوصايا. تحرير الذات من أجل إنطلاقة جديدة. هكذا تطلع علينا قصيدة “جنون”  لتكشف عن بناء عالم متخيل نبق فجأة في رأس الشاعرة، وهي تشيد عالمها على خط رفيع بين العجائبي والغرائبي، وتحولها لكائن يمتلك قوى فوق إنسانية.

“أقفز فوق الشهب مع الجني المتقافز

في رأسي

وأطير مع الطير

وأفتن خلق الله”[46]

وتبرز عدوانية هذا المخلوق الجديد الذي يتمادى في تصريف عنفه وعدوانيته، وهو يفتن، ويصفع، وينتف، ويقمش، ويدس أصابع كفه في أعين الأعداء، يسطح رؤوس العابرين، يرجم، يحرق، يصنع كارثة في الكون. بعدوانية صارخة يصدح:

“ايييه”

“غادي ندير فضيحة”[47]

ليبقى السؤال مطروحا ماذا سيحدث بعد الذي أحدثه هذا المجنون في رأسه؟

إنها محاولة لتفجير مكبوت الذات عبر تحريرها المطلق، وانفلات كل ضوابطها المعهودة، لنهمس ضاحكين من جنون فاق كل التطلعات.

إننا ازاء كتابة يمتزج فيها الشعر بالسرد بالحكاية، وهذه الاخيرة تتحول الى مكون أساسي في بناء القصيدة. كما في نص “الغول”، الذي يبرز طرحنا، بنزوح الشاعرة نحو تضمين مكون الحكاية ضمن قالب شعري مثير، اعتمادا عل  التطويع، والتجريب بلغة واصفة ترتكز على المبالغة والوصف، لإضفاء هالة على شخص الغول. كما توظف مجموعة من الاصوات لتنفح النص بمزيد  من الواقعية من قبيل:

“هوهوهوووووو……هممممممممم”[48]

“الهززززززززززز”[49]

  تضمين الحكاية داخل القصيدة الشعرية يمنحنا تأشيرة للعبور نحو العجيب والغريب، تقول الشاعرة:

“يخرج غول أشقر

ترمي أعينه المائة الشرر الأحمر

ذو أسنان تقلب صلب الأرض

وتخرج جوف الهضاب

وقلب الكرة الساكن”[50]

وهي قدرات رهيبة تحول الغول قاهرا لجميع المخلوقات من إنس، وجان، وطبيعة:

“ويرهن سبعة عفاريت

سوالفه السبعة

 ورؤوسا سبعا

يقبضن شياطينا سبعة

من قلب الغيم”[51]

على سبيل الختم

لقد انتصر هذا الديوان للقصيدة الشعرية بما نفحها من إضافات وجماليات، وكشف عن تحول بعض الأمكنة، وعن عنف الواقع وقسوته، وعن آلام الذات الشاعرة. “أشياء تراودها” نبش في المتهدم الذاتي، وفي الذاكرة التي عمل على تحريرها عبر الإرتكاز على الاستعارة، والوصف، والمجاز، والتكرار، ليضح فسيفساء شعريا مكتوبا بأنفاس مختلفة بإشاراته الواخزة والمنتقدة للواقع وقسوته وإحباطاته.إنها كتابة تجريبية بامتياز نزعت احيانا نحو الشخصنة لإبلاغ رسائلها المشفرة على لسان مكونات الطبيعة، ولتبرز أحاسيسها الداخلية، وجنونها، ولتمرير العديد من المواقف الخاصة.

[1]  قصيدة مستنقع ص 58

[2]  قصيدة مستنقع  60

[3]  قصيدة مستنقع صص 61/62

[4]  قصيدة مراكش ص 67

[5]  نفسه ص 67

[6]  نفسه صص 67و68

[7]  نفس القصيدة ص 69

[8]  نفس القصيدة ص 70

[9]  نفس القصيدة ص 71

[10]  نفس القصيدة ص 72

[11]  قصيدة زوابع طنجة ص 74

[12]  نفسه صص 74و75

[13]  نفس القصيدة ص 80

[14]  نفسه ص 85

[15] نفس القصيدة ص 84

[16]  نفس القصيدة صصص 85و86و87

[17] نفس القصيدة صص 80و81

[18]  نغس القصيدة ص 89

[19]  ثلاثية طنجة ص 92

[20]  قصيدة ثلاثية طنجة صص 95و96

[21] نفس القصيدة السابقة ص 97

[22]  قصيدة رياح الشتاء ص 21

[23]  نفس القصيدة السابقة ص 23

[24]  قصيدة عصف ص 28

[25]  نفس القصيدة السابقة ص 29

[26]  نفس القصيدة السابقة ص 29

[27]  نفس القصيدة السابقة ص 31

[28]  نفس القصيدة السابقة ص 33

[29]  نفس القصيدة  صص 34و35

[30]  قصيدة مدن من سراديبها ص 43

[31][31] قصيدة مدن من سراديبها ص 43

[32]  نفس القصيدة صص 45 44

[33] نفس القصيدة ص 45

[34]  قصيدة مدن من سراديبها صص52و53

[35] نفس القيدة ص 56

[36]  نفس القصيدة السابقة ص 57

[37]  قصيدة مقصلة ص 5

[38]  نفس القصيدة الابقة ص 5

[39]  قثصيدة وجع ص 9

[40]  قصيدة المساء الاخير ص 12

[41]  نفس القصيدة السابقة ص 14

[42] نفس القصيدة السابقة ص 15

[43]  نفس القصيدة السابقة ص 16

[44][44]  نفس القصيدة السابقة صص 16و17

[45] نفسه ص 18

[46] فصيدة جنون ص 39

[47]  نفس القصيدة ص41

[48]  قصيدة الغول ص 64

[49] قصيدة الغول ص 65

[50]  قصيدة الغول ص 65

[51]  قصيدة الغول ص 66

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*