الرئيسية | فكر ونقد | اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ مِن وَظَائِفِهَا التَّدَاولِيَّةِ إلى شُهُودِهَا الحَضَارِيِّ | د.بليغ حمدي إسماعيل – مصر

اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ مِن وَظَائِفِهَا التَّدَاولِيَّةِ إلى شُهُودِهَا الحَضَارِيِّ | د.بليغ حمدي إسماعيل – مصر

الدُّكْتُور بَلِيْغ حَمْدِي إسْمَاعِيْل

 مدرس المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

للُّغة بصفة عامة وظائف مهمة رصدها العلماء واللغويون والباحثون دون التفرقة بين اللغة المكتوبة، أو المسْمُوعة، أو المنطوقة، حيث إن هذه الاعتبارات الثلاثة تؤدي وظيفة واحدة هي التفاهم بين أفراد المجتمع الواحد. ولا ريب في أن وجود عدة لغات وقت التنزيل بدا لنا فضل العربية، وشرفها على سائر اللغات، وتكريم الله بالاختيار كلغة لكتابه الأخير ] إنَّا أنزلناه قُرْآَناً عَرَبِيَّاً لَعَلَّكُم تَعْقلون[.(يوسف:2).

 وإذا كانت الأدبيات اللغوية أسهبت في الحديث عن أهمية ووظيفة اللغة وتعدد مناحي استخداماتها، فيمكن أن نحدد أهمية ووظيفة اللغة في مظهرين اثنين؛ الفردي والاجتماعي، ولعل هذا التقسيم يتفق مع ما يسمى بالكفاءة اللغوية.

 فأما على المستوى الفردي، فاللغة تسهم في إخراج الفكرة من ذهن صاحبها إلى عالم الإدراك الخارجي، فتترجمها إلى صورة بارزة ذات كيان ومعالم. فالإنسان تجول في خاطره مجموعة من الأفكار والمعاني تظل كامنة إلى أن يقدمها في صورة مكتوبة، أو منطوقة، ويستطيع أن يصور ويجسد بذلك مشاعره واتجاهاته المختلفة. واللغة بذلك تعد أداة للفكر ووسيلة للتعبير عما يدور في خاطر الإنسان من أفكار، وما في وجدانه من مشاعر وأحاسيس.

 ويرى أصحاب النَّظرة الفِكريَّة للُّغة أن اللغة نظام لاكتسابِ العادات، ويكتسب الفرد من خلالها الخبرة عن طريق التجربة، وأن آليّات الذّهن اللُّغوية تعتبر مدخلاً عاماً لفهم طبيعة عمل الآليات الأخرى كالإدراك البصري والحدث. ويرى (فندريس) أن اللغة في بعض الأحيان تستطيع أن تعدل من العقلية وتنظمها، فعادة وضع العقل في مكان بعينه دائماً يمكن أن تؤدي إلى صورة خاصة في التفكير، وأن يكون لها أثر في طرق الاستدلال. ويؤكد فندريس أن اللغة إذا كانت مرنة وخفيفة ومقتصرة على الحد الأدنى من القواعد النحوية سمحت للفكرة بالظهور في وضوح تام وأتاحت لها حرية الحركة.

 وتبرز أهمية اللُّغة في علاقتها بالفكر والتفكير، حيث إن هناك علاقة وطيدة ومباشرة بين اللغة والفكر تتضح لنا ما أن نربط بين تجريدية الفكر وحقيقة أن اللغة نظام يعمل على مستوى المفاهيم والمجردات من مقولات وعلاقات وسمات، كما أن اللغة وسيلة لإدراك ظواهر ثنائية مثل الزمان والمكان ؛حيث إنها تعبر عن الماضي والحاضر والمستقبل، والتوقف والاستئناف والاستمرار. وفي إطار العلاقة التبادلية بين اللغة والفكر تبدو العلاقة التبادلية في أوضح صورها، فكما يسمو الفكر بلغته، يمكن للغة أن تسمو بفكر صاحبها، ويشهد تاريخ الفكر الإنساني أن اللغة كانت أشد الأسلحة الأيديولوجية ضراوة، وهي الوسيلة والأداة القوية في السيطرة على الفكر.

 وعن طريق اللغة يقوم الإنسان بالعمليات التفكيرية من تفسير وتحليل وموازنة وإدراك للعلاقات، واستخراج للنتائج وتجريد وتعميم، ثم يصب ناتج كل هذه العمليات عندما تمده اللغة بالرموز التي تحدد له المعاني وتحمل له الأفكار. لذا أصبح من الواضح لنا بشكل مطرد أن الحديث عن التفكير مع تجاهل اللغة يفتقد كثيراً إلى التوازن نظراً لأن الألفاظ ليست فقط ذات أهمية قصوى في تعلم المفاهيم ولكنها أيضاً الوسط أو القناة الموصلة لجميع أنواع التفكير.

 وقد قدم عالم النفس فيجوتسكي Vygotsky أفضل تحليل مستنير للتفاعل بين اللغة والتفكير في كتابه (التفكير واللغة ) عام 1962م، حيث يرى أن للغة وظيفتين لهما نفس المستوى من الأهمية، أولهما الاتصال الخارجي، والثانية التحكم الداخلي بأفكاره الداخلية. ولقد بسط العلماء العلاقة بين اللغة والتفكير مثل سابير و هكتر هامرلي و بارلي ماكلافن، حيث إن المعاني غير محددة وغير ثابتة وفي حالة تشكل دائماً تكون مبهمة مختلطة بغيرها حتى إذا جاء اللفظ عمد إلى تحليل المعاني وتصنيفها، ومن ثم تحديدها وتثبيتها. ونقرب لهذا مثلاً من اللغة العربية، فالإيمان معنى كامن في النفس نحس به ونستشعره دون أن نقوى على تحديده، فإذا عبرنا عنه بالألفاظ ميزنا الإيمان عن الإسلام عن التقوى عن الإحسان، وقلنا أن الإيمان ما اعتقده القلب وصدقته الجوارح.

         أما على المستوى الجمعي فإن اللغة هي المستودع التعليمي للمعارف والمعايير الثقافية والتاريخ الاجتماعي المتوارث عن طريق العملية التعليمية، وتعمل اللغة ” كالغراء الاجتماعي الذي يتم بموجبه الشعور بالماضي والحاضر والمستقبل. واللغة بهذا المنظور الاجتماعي يلاشك أبرز ملامح ثقافتنا العربية، وهي أكثر اللغات الإنسانية ارتباطاً بالهوية، وهي اللغة التي مازالت سجلاً أميناً لحضارة أمتها في ازدهارها وانتكاسها، لذا فاللغة اجتماعياً سلاح قوي في مواجهة تفتيت التكتل الإسلامي في ظل العولمة. وتزداد يوماً بعد يوم مساهمة اللغة في تحديد الأداء الكلي للمجتمع الحديث، فهي تساعد في تدعيم العلاقات التي تربط المجتمع، وأهم العوامل التي تحدد ثقله الاستراتيجي.

 وإذا نظرنا للغة باعتبار مهاراتها الأربع، نرى الدور المهم لها في حياة المجتمع، حيث إنها سلاح الفرد في مواجهة كثير من المواقف التي تتطلب الكلام أو الاستماع أو القراءة أو الكتابة، وهذه المهارات أدوات مهمة في إحداث عملية التفاهم في جميع نواحيها، ولاشك أن من أهم الوظائف الاجتماعية للغة ما تبرزه الخطب السياسية والمقالات وأساليب الدعاية.

 واللغة ليست أداة صناعية خارجة عن علاقاتها بالمجتمع الذي تعيش فيه، بل هي صورة له، نابضة بالحياة، فإذا كان المجتمع متخلفاً ظهرت آثار التخلف في لغته، متخلفة معه، وإذا كان مجتمعاً راقياً بدا الرقي في لغته، كذلك فالشعوب البدائية يتكلمون لغة مادية لا تعرف الفكر أو المعاني الكلية، أما الشعوب الراقية ذوات الثقافة والفكر فتحمل لغاتها سمات حياتها العامة والخاصة التي تستطيع أن تعبر في صور متعددة، وعبارات لا تحتاج إلى الإشارات، واللغة العربية تجنح إلى العقلية والخيال والتعبير عن الشئ منظوراً إليه من جهات متعددة.

 ولم تعد اللغة مجرد أداة اتصال نعبر بواسطتها عن المفاهيم والأفكار والقيم ونحفظ بها التراث الثقافي والعلمي فحسب، وإنما أخذت تلعب دوراً رئيساً في عملية التنمية الروحية والاجتماعية والعلمية والتكنولوجية، وأصبحت وسيلة أساسية لتوحيد الأمة سياسياً، لما في اللغة من قوة تتجاوز أهميتها من التعبير إلى التغيير.

الشهود الحضاري لألفاظ اللغة العربية :

تدل اللغة العربية على الحياة العقلية من ناحية إن لغة كل أمة في كل عصرمظهر من مظاهر عقلها وتفكيرها، ولم تخلق اللغة دفعة واحدة، ولم يأخذها الخلف من السلف الصالح كاملة، إنما تخلق أو يخلق الناس في أول أمرهم ألفاظاً على قدر حاجاتهم، فإذا ظهرت أشياء جديدة خلقوا لها ألفاظاً جديدة، وإذا اندثرت أشياء قد تندثر ألفاظها معها، وهكذا نرى اللغة في حياة وموت مستمرين. وهذا ما أشار إليه ” أوليري ” في كتابه ” العربية قبل محمد ” Arabia before Mohammed من حيث إن الاشتقاقات والتعبيرات اللغوية فهي أيضاً تنمو وترقى تبعاً لرقي الأمة، ويقول أوليري : ” ولما كان هذا أمكننا إذا أحضرنا معجم اللغة الذي تستعمله الأمة في عصر من العصور أن نعرف الأشياء المادية التي كانت تعرفها والتي لا تعرفها “.

ولقد درج النحاة واللغويون القدماء على استعمال كلمة ” لفظ ” استعمالاً غير محدد، وهذا ما أشار إليه المفكر اللغوي الدكتور تمام حسان، حيث إن كلمة ” لفظ ” العربية تشير تارة إلى الكلمة، وتارة أخرى إلى الكلام، رغم الفارق البيِّن بين كليهما في الإفراد والتركيب، ولكن هذا يعكس ما للفظة العربية والواحدة على التعبير عن معانٍ وتعابير طويلة بكلمة واحدة قصيرة.وما يؤكد كلامنا هذا قول ابن مالك : ” كلامنا لفظ مفيد “. وقول الجزولي : ” الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع “، إذا نحا كلاهما باللفظ منحى التركيب في مقابل ما شاع من جعل اللفظ مرادفاً للكلمة على ألسنة الدارسين. وهذا يجعلنا نقر بامتلاك اللفظة الواحدة صورة ذهنية ثابتة نسبياً إذا عالجناها من المنظور المعجمي، وبصور ذهنية متعددة إذا خرجت هذه اللفظة من ضيق المعنى المعجمي إلى آفاق أرحب وأوسع.

وحينما نقترب لرصد المشهد الحضاري لألفاظ اللغة العربية نستبين أن هناك ألفاظاً تغيرت معانيها في الإسلام، حيث كان المعنى لها في الجاهلية عاماً وخصص في الإسلام، مثل الصلاة، والزكاة، والحج، والبيع، والمزارعة، بل إن اللفظ الواحد قد تغير مدلوله في عقل السامع بانتقاله من طور البداوة إلى المشهد الحضاري، مثل لذلك لفظة الكرسي التي كانت تعني لدى البدوي المقعد الخشبي أو الحجري فقط الذي يجلس عليه المرء، ولكن بعد نزول القرآن استطاعت اللغة العربية أن تخلق لها مشهداً حضارياً ليعادل هذه المعجزة اللغوية السماوية، فانتقل مدلول الكرسي من معناه الضيق ليشير مرة إلى العرش، ومرة إلى المنصب، ومرة إلى المنزلة وهكذا. والإمام جلال الدين السيوطي في كتابه المزهر يقول : ” إن لفظ الجاهلية اسم حدث في الإسلام للزمن الذي كان قبل البعثة، والمنافق اسم إسلامي لم يعرف في الجاهلية “.

وأوضح علماء اللغة المتقدمون أن أهل التحقيق أشاروا إلى أن الألفاظ العربية تابعة للمعاني، كون المعاني أصلاً للألفاظ، حيث إن المعاني منها ما يكون معنى واحداً، ثم توضع له ألفاظ كثيرة تدل عليه وتشعر به، ولو كانت المعاني تابعة للألفاظ لكان يلزم إذا كانت الألفاظ مختلفة أن تكون المعاني مختلفة أيضاً. ويؤكد قولنا هذا ما أشار إليه البلاغي العربي يحيى العلوي في كتابه الطراز، حيث يقول إن المعاني لو كانت تابعة للألفاظ للزم في في كل معنى أن يكون له لفظ يدل عليه، فإن المعاني لا نهاية لها، والألفاظ متناهية، وما يكون بغير نهاية لا يكون تابعاً لما له نهاية، ويقول البلاغي يحيى العلوي ما نصه : ” وإنما كانت الألفاظ متناهية، لأنها داخلة في الوجود، وكل ما دخله الوجود من المكونات فله نهاية لاستحالة وجود ما لانهاية له، وموضعه الكتب العقلية “.

وثمة عوامل جعلت اللغة وألفاظها تخرج من كونها مجرد وسيلة اتصال ووسيط للتواصل الإنساني إلى اعتبارها مشهد من مشاهد الحضارة الإنسانية، منها عوامل تطور الوظيفة اللغوية، وتنوع الخطاب اللغوي من خطاب لا يخرج عن المراسلات الإخوانية أو الرسمية إلى خطاب إبداعي مثل الشعر والقصة والرواية، وخطاب سياسي، وعوامل وافدة مثل نظريات علوم اللغة التي أطلقت على اللفظ اللغوي مفهوم الدال وعلى ما يتضمنه اللفظ من معنى ومضمون مفهوم المدلول.

واللغة العربية التي نحرص أن يلتزم بها متحدثو الضاد نطقاً وكتابةً بصورة وظيفية أو إبداعية، هي لغة كتب لها الشهود الحضاري منذ أن نزل القرآن الكريم بها، فأعطى لها حق الحياة، ومنحها تجدداً مستداماً لا ينقطع. ولا ينكر جاحد أن القرآن الكريم دستور المسلمين في شتى بقاع الأرض قد حَقَنَ اللفظة العربية بعقار منحه النشاط الزائد، وخير دليل على نشاط المفردة العربية أن حركة التقدم العلمي المستمرة كل يوم قد صحبها تجديد البحث في النشاط اللغوي ومن خلال تقعيد مفردات لغوية جديدة تناسب هذا التقدم العلمي.

بل إن اللغة العربية ذاتها أصبحت في السنوات الأخيرة من إحدى وسائل الشحذ الحضاري، عن طريق دور الترجمة اللغوية الصائبة لكل المؤلفات العلمية، وهذا ما أشرنا إليه ونحن نتحدث عن تغير وظيفة اللغة من كونها وسيلة اتصال ووسيط تواصل إلى وسيلة ضرورية لتنمية الفكر البشري عن طريق الترجمة.

ولاشك أن اللغة استطاعت أن تلعب دوراً سياسياً بالغ الخطورة والأهمية على السواء في المشهد السياسي في الدول التي شهدت ربيع الثورات في العام الماضي، فاللغة الإشارية التي كان الشباب يصر على إقحامها في تواصلهم الاجتماعي اختفت واندثرت بفعل التماس الثائرين للغة ومفرداتها النشطة للتعبير عن مطالبهم ومطامحهم، وهذا ملمح آخر جديد على الشهود الحضاري المعاصر لألفاظ اللغة العربية التي لم تكن غائبة عن الحراك السياسي.

ورغم أن اللغة العربية وبلاغتها المميزة لطبيعتها تتعرض لمحاولات تشويه مقصودة ومستمرة من قبل بعض الأشخاص الذي يطلقون على أنفسهم لفظ مبدعين وكذلك بعض المنظمات الأجنبية التي تعمل جاهدة ليل نهار على تقويض دعائم اللغة عن طريق المناداة بدعاوى مشبوهة لغوياً مثل التخلي التدريجي عن الخاصية الإعرابية للغة، وعن طريق تهميش دور القواعد العروضية التي تمثل طقس الشعر وشرائطه الضابطة، وأخيراً ضرورة الدمج بين اللغة الفصيحة واللهجات العامية تحت ظن أن الأخيرة أقرب في التواصل بين المتحدثين باللغة ذاتها.

وهذا لغط شديد وخطأ بيِّن، لأن الألفاظ العربية الفصيحة تمتلك قدرة هائلة بفضل اللفظ القرآني على الثراء والامتلاء اللغوي بمعنى القدرة على التعبير التام عن جميع المشاعر والمظان والحقائق، بالإضافة إلى تمتع اللفظة العربية بالحضور عن طريق تنوع المعنى ودقة التوصيف.وتتميز اللغة العربية بمزية فريدة لا تشترك معها فيها لغات أخرى وهي مزية الانفراد اللغوي، أي أن هناك كلمات تعد نشيطة أي قابليتها للاشتقاق والنحت اللغوي من مفردة واحدة مع الحفاظ على قدر مقبول من التمايز، مثل مشتقات كلمة عَلِمَ، والتي يمكن اشتقاق ونحت عدة كلمات منها مثل : عِلم ( بكسر العين وتسكين اللام) ومعلم ومعْلم ( بفتح العين وتسكين العين) وعليم، وعلاَّم، وإعلام، وتعليم، واستعلام.وهذه الزوائد والسوابق واللواحق والدواخل التي تضاف إلى الكلمة تعد مورفيمات (أصغر وحدة لغوية ذات معنى ) لأن هذه الزوائد مورفيمات لها معانيها ولأنها وحدات يكثر تواجدها في كلمات اللغة.

وعملية النحت اللغوي تلك تمنح اللفظ العربي القدرة على الشهود الحضاري، والقدرة على التكيف المقبول والمناسب لكافة المتغيرات المعاصرة، والتعبير عن حالات اجتماعية متباينة. ثمة ظاهرة أخرى تتمتع بها الألفاظ العربية لتحقق الشهود الحضاري للغة ذاتها، وهي ظاهرة الحوار بين الكلمات، وهو ما اتفق على تسميته بين المنظرين اللغويين بالسياق اللغوي، حيث إن المفردة اللغوية لا تتمتع بنوع من التمايز المستقل أو الاستعلاء اللغوي عن بقية الكلمات الواردة بنص لغوي معين، ومفاد هذا أن اللفظة الواحدة تمثل الشكل الظاهري المجرد لنص معين، وبتراص الألفاظ بصورة متناسبة ومترابطة تحت موضوع محدد تمنح للنص نفسه شكلاً باطنياً آخر بغير خلل.

ملمح آخر يؤكد على الشهود الحضاري لألفاظ اللغة العربية، وهو تقسيم الكلمات العربية إلى كلمات نشيطة، وكلمات خاملة، ويقصد بالكلمات النشيطة تلك الكلمات التي تعلم ليستخدمها المرء في كلامه وكتابته، أما الكلمات الخاملة فيقصد بها تلك الكلمات التي يتوقع من الإنسان أن يفهمها إذا سمعها أو قرأها، ولكن لا يتوقع منه أن يستخدمها إذا تكلم أو كتب. ورغم هذا التقسيم إلا أنه ليس ثابتاً، فالحدود بين هذين النوعين حدود مرنة متحركة، فالكلمات الخاملة في نشاط لغوي ( خطاب لغوي ) معين قد تكون نشطة في خطاب لغوي آخر، أي أن الكلمات والألفاظ العربية في انتقال مستدام من دائرة الخمول إلى دائرة النشاط، ذلك لأن لكل حقل وميدان لغوي من ميادين المعرفة مفرداته ومواضعاته اللغوية المحددة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*