الرئيسية | فكر ونقد | الضحكة التي سقطت عند قبر الشهيد هيفين تمو تنبش في ضوء يلف الروح | طارق فراج

الضحكة التي سقطت عند قبر الشهيد هيفين تمو تنبش في ضوء يلف الروح | طارق فراج

طارق فراج

   هيفين مشعل تمو، شاعرة سورية كُردية، تكتب الشعر منذ ما يقرب من خمسة عشر عاماً، إلا أنها تأخرت كثيراً في إصدار ديوانها الأول، والذي نحن بصدد الحديث عنه: “حين أضاعت الحرب طريقها”، وقد ذكرت في حوار سابق معها أن سبب تأخر خروج مجموعتها الأولى للنور هو تلك الانزياحات المتكررة التي مرت بها بالإضافة إلى أصابع القدر الخفية، بين الحين والاخر، وانعكاس كل ما يحتويه الخارج من وحشة وخراب على روحها.

    تحمل، هيفين تمو، على كاهلها قسوة الأوطان، التي قذفت بها – بلا رحمة- بعيداً، وتركتها مُحَمَّلة  برعب ودمار وقهر، وأشلاء غبار أو كما تقول: “بلاداً حفرت قبراً عذباً لأبي/ لا زالت تطقطق بأصابعها على جرحٍ/ اغتالني قبل أن يهم الموت برعشة البكاء”. تحمل القصائد، بين ضلوعها، عبء المنفى، مجاهدة في احتواء كل ذرة دفء وأمل وحنين إلى تراب الوطن، الذي نبذها. تحتضن ذكرياتها وذاكرتها المخضّبتين بدم الشهداء، أو كما تقول في تصديرها للديوان “ثمة شهيدٌ هنا/ حمل صُرَّة الحرب وصار واضحاً أكثر/ أنا أم وأخت وابنة وقصيدة عاشقة/ تحتفي بأصابعها هنا بحرية دافئة كيد شهيد”.

    إن والدها الشهيد الذي حمل صرة الحرب، ألزمها صرةً أخرى في عنقها، حملتها معها إلى المنفى، مشتتة بين وطن مدمَّى، وحرية تدفع ثمنها غربة وبعداً، غربة  ترغم عليها إرغاماً. شاعرة ثائرة متمردة على أوضاع الوطن العجيبة، متمردة حتى على جسدها، كما تقول: ” إذا لم أكن يوما حباً/ فقد أكون امرأة ترقص كغجرية/ لها وشمٌ على صدرها ينام الله بجواره/ يفضحها حب بعينٍ نصف مفتوحة/ كعين غزالة تفقأ بها مرارة الأصابع/ وهي تتمرد على جسدها”

     هذه المجموعة تحوي نصوصاً قادرة على نبش الضوء المخبوء في القلوب،  تمثل حالة من الصفاء والسلام والفرح الطفولي، والحنين المشبع بذكريات من رحلوا؛ أولئك الشهداء الذين غابوا، بعد أن كانوا ملْ السمع والبصر، في محاولة منها لإخفاء ألمها الدفين ومآسيها، لتصبح تجربتها الشعرية قوة، وضَوءً منبثقاً يمدّها بالحياة، ويدفعها نحو تحقيق ذاتها.. إنها تقرأ وجع المنافى، في ظل وطن أدمن قهر أبنائه المخلصين، تقول:

“ليس سهلاً

حين تقرأ لي بعين واحدة،

وجع المنفى، وأنت تراهن بقلبي،

تحت ظل مدنٍ مصلوبةٍ بالحرب..

حين أرتمي في أقصى جسدي،

أبكي كثيراً.. أبكي

حين يرتبكُ رأسي من حربٍ خاسرةٍ،

حين أتكهن بالحب،

وهو يسقط، فوق جمجمتي، مقتولاُ…”

    إن تجربة هيفين تمو مترعة بالشفافية والنقاء، متوحدة مع الطبيعة، مع الكون بكل ما يحمل من جمال وإنسانية. تراها عين شاعرة، تحلم بالإنسان، وللإنسان.. ذلك “لأن – كما يقول أرشيبالد مكلش في كتابه “الشعر والتجربة”- الشاعر يتوجه نحو “أشياء” العالم، لا ليكوّن “أفكاراً” عنها، بل ليكتشفها، وبذا يكتشف نفسه وهو ينظر إليها”. وبذلك يكون هَم الشاعر الحقيقي هو ترجمة أشياء ومشاعر الكون، تلك التي تمتزج داخله مكونة رؤاه وشاعريته. إن اللجوء القسريّ إلى المنفى، حتماً يخلخل المشاعر، يكسر الروح، ويلزمها بالنكوص إلى بياض الطفولة ومرتع أحلامها وزهور محبتها، إلى دفء النظرة في عيون الأم ونقاء الابتسامة التي يفتر عنها ثغر العشاق.. تقول الشاعرة في ديوانها:

“… نحن العابرونَ على أرصفة التاريخ،

العابثون بذاكرة وطنٍ

قتلتهُ الحربُ بفردة حذاءٍ واحدة

لا زلنا نبتسم…

نقيم صداقاتٍ مع كلامٍ يحمله الهواء لنا/

ابتسم فأنت هنا

نلقي التحية حتى للقطط

والكلاب/ لنباتات الزينة، وساعي البريد، ولماكينة الحظ،

لهذه البلاد وهي تمنحنا حياة..”

هيفين تمو شجرة عربية أصيلة، انتزعت من جذورها انتزاعاً، وعاشت المنفى مرغمة، بوجه لاجئ يضع على عينيه نظارة سميكة، ربما، لكيلا تستطيع البلاد الغريبة أن ترى دمعة الشوق التي تترك على خدها الأسيل دلائل وعلامات تشي بحنينها إلى هواء وطنها الجبليّ، وربما تحاول أن ترى الغربة من وراء ذلك الحاجز السميك حتى لا يصيبها القهر مرة أخرى في مقتل، تقول في قصيدة تحت عنوان “منفى”:

أسكن في مدينة يقشر أردافها المنفى

يئن وجهها صارخاً بلون الحنين

تدعك بأصابعها المعلَّقة على مشجب الوقت

غربة صفراء اللون

تهدينا ألف وجه مسافرٍ في الغياب…”

    حين أضاعت الحرب طريقها؛ مجموعة شعرية تحاكم البربرية التي أضحت لا تنفصل عن حياتنا اليومية. قصائد حية تمشي على قدمين، وتقف شامخة في مواجهة القهر والزيف وأنهار الدم الناتجة عن كل المذابح التي شهدها ويشهدها العالم.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*