الرئيسية | أدب وفن | الرواية السورية تستعيدُ ألقَها مع انشطارات (ميرفت أحمد علي) | ثناء عليان – سورية

الرواية السورية تستعيدُ ألقَها مع انشطارات (ميرفت أحمد علي) | ثناء عليان – سورية

ثناء عليان

عوَّدَتنا الأديبة السورية الشابة (ميرفت أحمد علي)، على تمثيل الأدب السوري المُعاصر في المنابر الإبداعية العربية، عبرَ مسيرتها الحافلة بالجوائز الأدبية العربية، وكان آخرُها جائزة دار (مها) في القاهرة لأفضل رواية عربية عن روايتِها الاجتماعية الناقدة (مريومة)، وجائزة سيخارا إيخيّتو/إسبانيا لأفضل نص مسرحي طفلي غنائي وتفاعُلي حملَ عنوان: (هلمُّوا نُكنس البيت)، وهونصٌّ وطنيٌّ سوريٌّ بامتياز، أشادت به لجنة التحكيم السُّباعية التي تنتمي إلى جنسيات أوروبية متنوعة. وأثارت دهشة اللجنة مقدرةُ الكاتبة على التعبير عن الهمّ الوطني بمسرود تحَاوُري تشارُكي غير مباشر في أدائهِ التعبيري. وينسجم مع تفكير الفئة العمرية الطفليَّة المتوسطة من سن 10 ـــ 15 عاماً.

و(انشطاراتُ دودة القزّ) للكاتبة القديرة (ميرفت أحمد علي)، روايةٌ سورية جديدة موجودة حالياً في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وهيَ من إصدار دار (الوليد) فرع القاهرة، الجناح A38 .

ويمكن وصف الرواية بإيجاز بأنها رواية الحرب النفسية المستعرة بين الأنا والآخر، والتَّناحرية والتَّصادمية في العلائق الاجتماعية والعاطفية الموتورة المتشنجة، والحضور الطاغي للخيانة، ولانزلاق السلوك الفردي والمجتمعي إلى قاع الهاوية، مما يفسح مجالاً لتشريع الرذيلة بكل ما لها من قتامة وظلال بائسة …رذيلة العلاقات المحرَّمة بين الرجال والنساء، ورذيلة الغدر بالأوطان المؤسَّسة على منظور شخصي ونَفعي ضيقيْن، يُطيحان بالأولويات المصيرية الكبرى بلا هوادة.

وانشطارات (ميرفت) لا تعوزُها جرأة المساءلة والمواجهة…مواجهة المجتمع برُكامه الهائل من الفساد والإفساد في المُعطى السياسي القائم، كما في المُعطيين الاجتماعي والأخلاقي. ونساء (ميرفت) مُنشطرات متشظِّيات لائبات بين الشك واليقين، وهنَّ في بحث مُضنٍ عن برّ الأمان العاطفي دون جدوى. فالمرأة العربية حاضرة ككبش فداء، وكأُضحية جاهزة تلبّي الحاجات والضرورات التي تُبيحها وتُشرّعها النرجسية الذكورية. ومحاولة إزاحتها عن الخطوط الأمامية لصناعة الحدث والفعل وإثبات الذات، ما تزال حية تُرزق منذ العصور القديمة حتى القرن الحادي والعشرين. فكأننا بالزمن الاجتماعي والعُرفي العربي قد توقفَ عند عتبات القرن التاسع عشر، ولم يتقدم بعد قيد أنمُلة. فالمرأة العربية هيَ هيَ …منقَّبة بالنقاب العُرفي الثقيل، ومحجّبة بحجاب التقاليد البالية، ومتَّشحة بوشاح الدونيَّة والانتقاص من الكرامة الشخصية والحقوق الإنسانية في أخذ المبادرة في الفن والإبداع وإبداء الحب والشَّغف. بالرغم من تقدم الحضارة البشرية، علمياً وفكرياً وتكنولوجياً وسلوكيّاً في أمم الغرب وشعوبه.

(انشطارات دودة القزّ) لـ (ميرفت أحمد علي)، رواية تفاجئُك بأكثر من إدهاش بين فقرة وأخرى…وفصل وفصل تالٍ، بحيث لا تملك إلا أن تُبحرَ في متن الرواية، وتغوصَ في طيَّاتها وثناياها، فلا تتوقف لأخذِ نفَس من فرط الإثارة والثقل النوعي للأفكار وللآراء المتلاقحة في الحياة بعامة . مما يطرح أكثر من سؤال عن خلفية المؤلِّفة الثقافية، ومواردِها المعرفية الغنية المتنوعة، عن البوح الساخر المرير، ومرثيَّة الإنسان والوطن والحرب. لكن ليست الحرب في ميادين النزاع العسكري، بل الحرب الأخطر.. حرب استنزاف الإنسان، ومراودته عن أحلامه ومصيره، وإقصائه عن دائرة التأثير، بإغراقه في فوضى تردّي القيم والأخلاق، وبتقزيمهِ وبمسخهِ ذكراً كان أم أنثى، فرداً كان أم مجتمعاً أم وطناً، بحيث يجرَّد من كل قدرة على البناء والانطلاق نحوأفق أفضل. وذلك في سياق أُسلوبي متفرّد ساخر حزين، كأنه معزوفة ناي في الهزيع الأخير من ليلٍ لا انبلاجَ لفجرٍ بعدهُ.

روايةٌ تستحق ملاحقة نقدية جادة، ومتابعة في أكثر من منصَّة إعلامية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*