الرئيسية | فكر ونقد | الحي الخطير بين فضح المركز وشرح الهامش، قراءة في رواية الحي الخطير (محمد بنميلود) | جمال الدين حريفي

الحي الخطير بين فضح المركز وشرح الهامش، قراءة في رواية الحي الخطير (محمد بنميلود) | جمال الدين حريفي

جمال الدين حريفي

 

    1) سجن بصيغة الجمع:

أن يمر شريط حياتك البائسة بكل فجائعه ومواجعه أمام عينيك وأنت قابع في زاوية معتمة من علبة الدماغ لا تحلم بغير الهروب من سجنك بما تبقى لك من قدرة على الحياة. أن تكون علبة الدماغ أوسع شكلٍ  يمكن تصوره  لسجن الحياة العظيم، أن تكون” حياتك” داخل علبة دماغ متقد مشتعل وهاج، أو تكون داخل علبة كارتون تختار فيها اللغة أن ترسو في دفاتر الأشعار وتحار فيها الأفكار بين رسائل العشاق الرومانسية وأحلام الثوار.
أن تكون” حياتك” على  خط التماس بين ماركس وجبران، وبين النبي وما العمل، أن تكون موزعا بين شراسة رجل العصابة ورهافة قلب الأم، يعني ذلك أنك  عشت  داخل حي من أحياء مدينة تنكر أحياءها، حي  كل داخل إليه مفقود لأن الحياة فيه جحيم وكل خارج منه مفقود لأن الخروج منه لا يكو ن إلا إلى السجن أو إلى المقبرة، إن وسعتك المقبرة ولم تتحلل جثتك في أعماق النهر.
ويعني ذلك أيضا أن الحياة  كلها “بلد” أو “عالم” من ضفتين بينهما  سور باطنه عذاب، وحوله حرب تطحن بين فكي رحاها من لا يستطيع غرس النصل في ظهر خصمه، ومن لا يستطيع إلى النجاة سبيلا، وظاهره من قبله النعيم  المجنح كطائر والمعرش المورق كالدوالي. ضفة عليا ” للتنابلة ” الأعلون على حد غناء الشيخ وضفة سفلى للحثالة وللمغلوبين وأهل القعر والقهر والهاوية. ضفة أولى لا تعمل سوى على تأبيد وضعها بقوة القانون والمساطر والتدابير، وضفة ثانية  ليست تسعى سوى إلى  الخروج من أوضاعها بقوة السكين والساطور والدعارة والمخدر، ويعني ذلك أن يكون القانون سكينَ وساطورَ المرفهين والمحظوظين  ويكون السكين والساطور قانونا عند المهزومين والمأزومين، وأن تكون في النهاية حياتك ـــــــ  ومصيرك  أيضا ــــــــ مجرد زنزانة انفرادية في حي من أحياء السجن الصغير. فتلك كلها حيوات  أشبه ما تكون بحياة واحدة داخل سجن واحد هو أيضا مجرد سجن داخل سجن آخر حتى هو سجن داخل سجن أكبر من كل السجون، اسمه نفسك  واسمه العالم.
لا أمل هاهنا سوى في أمل أن  تستطيع الهروب من نفسك.
تلك هي حياةُ وذلك هو مصيرُ مراد ولد السلاخ بطل “الحي الخطير” ورفاقه في السلاح الأبيض وفي خيبات الأمل.

2) ورطة الوجود:

داخل  زنزانة انفرادية  يسترجع مراد ولد السلاخ سيرة حياته. سيرة رفاقه وأهل حيه، سيرة  حي/مدينة، سيرة مدينة/ بلد، سيرة بلد/ عالم  يعود ليتكور على نفسه ويتقلص إلى حده الأدنى ليصير عصابة صغيرة تشق طريقها إلى الخلاص الفردي بحد السكين واليأس المطلق العظيم من أي غوث أو عون يأتي من العالمين. المهم هو الخروج من قعر الجحيم. ومن شرط اجتماعي أقرب ما يكون وأشبه ما يكون بورطة الوجود من قربه أو شبهه بشرط الوجود.
العالم سجن، البلد سجن، المدينة سجن، الحي سجن، والزنزانة الانفرادية سجن، وحدها علبة الدماغ قادرة على أن تجعل من كل هذه السجون مساحة لخيال جامح يعيد تركيب الحياة وإجراء الدماء في أوصال الموتى والقتلى والمنبوذين والمشوهين والسكارى والحشاشين، فدماغ مراد ولد السلاخ سجن أكبر من كل السجون، هذه حيلته وهذه وسيلته لكي يتخطى شرطه الاجتماعي القاهر. كل سجون الواقع ليست في الخارج، إنها في الداخل ، إنها في العقول، إنها في عقل  مراد ولد السلاخ. القَلِق والمتوتر والمتحفز والمتسائل على الدوام.
عقله الفوار بالأفكار هو سجنه الوحيد، لأنه يعيش كل ما مر به ويفكر في كل ما سيأتي داخل علبة الدماغ… العالم كله سجين عقله، وهو قادر داخل كل واحدة من هذه الزنازين أن ينظر إلى الحقيقة الساطعة دون أن ترمش جفناه، لأنه صار يمتلك أداة النظر، لقد أصبح يمتلك الفكر القادر على التحليل والتشريح، ذلك الفكر الذي كان  بعضه سجين كارتونة الخال ولم ينفع حامليه في تغيير الحال. ولم يرفع أحدا من القاع إلى القمة ولم يجعل الحثالة نبلاء، وإنما استفاد منه فقط من كانوا ولا شك يشدون برأس الخيط ويتحكمون في انسيابه من الكبة، وكانت الكبة بين أيديهم.
الخال عاش في البيضاء ودرس ما يكفي لكي يصبح  مشروع مهندس، وفكر في الواقع كطالب جامعي وكمثقف يدرك الواقع من خلال الكتب، ويبحث عن الخلاص الجماعي من خلال الأفكار والنضال والتنظيم والشعب.
أما هو، مراد، فقد استوعب هذا الفكر وتمثله كما لا يستطيع أحد غيره أن يفعل ذلك، لقد استوعبه وتمثله مباشرة من خلال الواقع، ويحق له أن تكون له رؤيته ورأيه، وأن تكون له ثقافته التي تمثل واقعه منظورا إليه من الداخل.
لا فرق بين أحلام الخال الثوري المودعة في علبة كارتون ــــ  فقد كان الخال يبحث عن الخلاص الجماعي ــــ  وبين الأحلام الفردية لابن الأخت المودع في زنزانة انفرادية ولأقرانه الذين منهم من قضى نحبه  بحد السكين ومنهم من ينتظر. ما أشبه الكارتونة بالزنزانة، لكن مراد لا يشبه الخال.
الأمل فقط هو ما يترك الحلم بالخلاص متقدا. وهل الخلاص الجماعي ممكن؟ أم أن الخلاص لا يكون إلا فرديا؟ وهل يكون بقوة التنظيم والشعب أم بقوة الساعد والسكين؟  الخال غاب إلى غير رجعة وغابت معه أحلامه، وابن الأخت يقبع في الزنزانة على شفى حفرة من الأمل. أو من خيبة الأمل، لا أحد يدري. متى وكيف يكون الهروب.

3) من قعر الجحيم:

    أحداث رواية الحي الخطير تجري في الدماغ كاسترجاع للحياة وكمحاولة استئناف للأمل  بعد أن جرت في الواقع كأحداث ومقادير.
مراد ولد السلاخ البطل السجين يسترجع أطوار حياته بعين ناقدة متفحصة، وبنظرة ثاقبة، وبقدرة غريبة على النفاذ إلى جوهر العلاقات وروحها بعيدا عن التصورات الجاهزة التي عبأت بها الكتب النظرية والأشعار والأدلوجات عقل الخال وعقول أقرانه وغير أقرانه من المستكينين المسالمين أو من المتطلعين إلى استبدال حال بحال… من المستلبين ومن المتنطعين على حد سواء.
الأمر كله يتعلق بالصراع الوحشي بين المركز والهامش وبين القمة والقاع.  بين “جحيم الحثالة وجنة النبلاء”.
في القاع يعيش المنبوذون والمهمشون والمكسورون  والمعصورون ومعطوبو النفوس. في القاع الحثالة من كل الأصناف، زوجات باغيات أمهات بلا أزواج، أولاد لقطاء، عصابات تتربص الواحدة منها بالأخرى، حشاشون وبائعو بودرة وبائعات هوى، منحرفون ومعتوهون. ولا صوت يعلو فوق ضربة السكين الغادرة أو الوشاية المودية إلى الهلاك أو هتك العرض على مرأى من العيون التي لا يملك أصحابها غير التصفيق للمنتصر والتضييق على المهزوم. لا صوت يعلو على القتل عمدا أو القتل غدرا أو القتل عبثا أو جنونا. قتل ضروري وموت مجاني، وتلك قمة المفارقات.
إنها الحرب في أقوى معانيها وفي أجلى صورها. حرب من أجل العيش، حرب من أجل الحياة، حرب من أجل البقاء. دفاع شرعي عن النفس، عصابة ضد عصابة، إما أن تَقتل أو تُقتل، ولا حلا وسطا إلا لمن أراد أن يعيش حياة المهانة والذل.
اضرب بلا رحمة، ولا تشفق على عدوك. لا مكان هنا للعاطفة والشفقة. على أمل وحيد، أن يجد كل واحد مخرجا من بين فكي هذا الوحش ذي العشرات من الرؤوس والأنياب والأضراس، هذا الوحش المسمى بين أهله وعند الأغراب، حي أبي رقراق “دوار الدوم”  أو أكواخا، أو قصديرا .
إنه القاع فعلا، إنه الهامش الذي لا يعرفه غير أهله، الهامش المجهول والمسكون بالأشباح وبالأهوال، الهامش الذي لم يسبق في عمل أدبي مغربي أن جابه طولا وعرضا وسكن سطوحه ومشى بين مزاريبه ودروبه  أديب بالمقدرة نفسها التي استطاع بها محمد بنميلود أن يفعل، إنه تعريف بالهامش وقراءة لأوضاعه وتشريح لمآسيه يجمع بين جموح الخيال ودقة الوصف وسحر التشويق وانسياب اللغة مع التوثيق الدقيق للحقائق التاريخية والتوصيف الموضوعي للبناء الاجتماعي وللعلائق والناس. إنه شرح للهامش وفضح للمركز سواء كان ثقافيا أو اجتماعيا أو سياسيا، إنه دفاع عن الهامش وإدانة للمركز الأناني والذي لا يرى غير صورته في كل المرايا التي يريد أن يرى عليها وجه الحقيقة.

4) رفقة السلاح:

تحكي رواية الحي الخطير قصة ثلاثة شبان من حي أبي رقراق دوار الدوم سابقا لا يفكرون سوى في الخلاص ولا يبحثون سوى عن الخروج من بين كماشة هذا الحي الذي لا تتوقف الحرب بالسكاكين والسواطير بين عصاباته ولا تتوقف  تجارة المخدرات والدعارة فيه إلا لكي تبدأ من جديد، ومقابل كل قتيل جرفه ماء أبي رقراق أو التهمته نيران الفران أو النيران التي توقدها بالبنزين عمدا أياد آثمة لا تعرف الرحمة، يولد عشرات القتلة المستعدون للموت.
يفكر الشبان الثلاثة ( مراد ولد السلاخ ــ عبد الرحمان الفراكة ــ رشيد ولد الفرناطشي) في الخلاص وتلتهم أحشاءهم نار الرغبة لأن يكونوا هم أيضا من المنعمين والمترفين والمحظوظين في حي بير قاسم أو حي الرياض أو السويسي. يتلهفون على الانتقال إلى الضفة الأخرى، وأن يغادروا إلى الأبد بئر الشقاء هذا وحفرة العدم المسماة دوار الدوم. ولكنهم، هم أيضا من دوم وصبار وشوك، ليست لهم أرصدة إلا من الكيف وليس لهم اعتماد إلا على السواعد والسكاكين والسواطير، هذه هي الطريق الوحيدة السالكة إلى هناك. وهذه هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن يواجهوا بها واقعهم ويغيروه. وليس لهم إلا أن يمشوا فيها بحثا عن الخلاص، فلا مخرج من بين فكي هذه الرحى الوحشية التي تطحن اللحم والعظام إلا السكاكين التي تبعج البطون وتشق الطريق، وإلا الحشيش الذي ينفخ الجيوب  وينفش الريش ويمهد المسالك .
يمضي الشبان الثلاثة في هذا الاختيار إلى حتفهم، لأنه اختيارهم، وكشباب آخرين، يعملون عصابة في مواجهة العصابات الأخرى، يقتلون بلا ندم وينفقون مما كسبوا نصيبا على لهوهم  ويحتفظون بنصيب من أجل أن تزهر شجرة التجارة وتقترب ثمرة الحلم من قبضة اليد، لأنهم أقسموا على أن يقبضوا على جمرة الحلم بأيديهم مجتمعة، حتى تثمر. بعد سجن خاطف لمراد يحاول الثلاثة أن يضربوا على باب الحظ ضربة كبرى، لكنها كانت ضربة الخيبة، يحاول الأصدقاء الثلاثة أن يشتروا بكل ما وفروه من مال مقدارا كبيرا من المخدرات التي ستضمن لهم أرباحها الفوز بتذكرة الانتقال إلى جنة “التنابلة”  ولكنهم لم يضربوا الحساب للأعين المتربصة، أعين الأمن وأعين عصابة الشعبة التي لم تكن تنتظر سوى أن تسنح لها فرصة الانتقام، ستردي رصاصة شرطي مصوبة بدقة عبد الرحمان صريعا، وستغتال العصابة رشيدا ورفيقته نعيمة، ووحده مراد سينجو ويحكم عليه بالسجن 16 سنة.

5)مثقف  من طراز جديد:

لحسن الحظ  سينجو واحد من الثلاثة، سينجو مراد من الموت ليعيد ترميم أحلام صديقيه، ويحتفظ بها حية لمن شاء أن يطلع على مأساته ومأساتهم.
سيقضي فترة  من حبسه في زنزانة انفرادية يسترجع الواقعة ويتجرع مرارة فقدان صديقيه.
يتأمل مساره الخاص، ونشأته، يتأمل وضعه وواقعه. يتذكر أمه، ويتذكر خاله المناضل اليساري الذي اختفى إلى غير رجعة تاركا وراءه كارتونة دفاتر عن الاشتراكية والشيوعية والثورة، ورسائل رومانسية لرفيقة الدرب والنضال، وكتب جبران. كان له حظ التهامها كتابا كتابا ورسالة رسالة.
يفكر في ماضيه ويقارن بين حاله وحال خاله، وبين حيه وأحياء المرفهين، وبين القانون والسكين، ويطرح أسئلته الحارقة على كل من يستطيع أن يجيب. يسأل عن أصل الدولة وأصل القانون وعن فعل الدولة وفعل القانون، ويجعل من السؤال تحديا لكل من فكر أو نَظَّر أو أجاب عن الأسئلة الأولى للنشأة الأولى للمؤسسات وعن توزيع الثروات وقسمة الحظوظ بين الناس. كيف يولد واحد من الناس في القمة بينما يولد الآخر في القعر؟ ما ميزة الأول وما ذنب الثاني حتى يعيش الأول في النعيم ويصطلي الثاني بنار الجحيم.
ثم يتخذ داخل زنزانته الصامتة تلك، قراره الفريد، قراره الصعب، قراره الضروري، قراره  الحاسم. هو الذي ينتمي  إلى القاع، هو الذي ينتمي إلى الحثالة، لا بد أن ” يقول” تاريخها، لا بد أن يكشف أصولها ومصيرها، لا بد أن يعري وجهها الذي شوهته الظروف ورسمت عليه السكاكين والسواطير والفقر والمخدرات والأمية ندوبها الكبيرة وأوشامها الغريبة. هو الناجي الوحيد من طعنات السكين ومن رصاصات المسدس، هو الناجي الوحيد من الحريق، يريد أن يعيد الحياة إلى صديقيه الميتين وفاء للعهد، لقد حاولا، لقد حاولوا جميعا ولم يصل منهم  أحد، مثلما حاول غيرهم، وربما من بينهم بضعة قد وصلوا، فصاروا أطباء أو مهندسين  وصاروا أثرياء، ولكن هؤلاء كأنهم لم يصلوا لأن دماء الحي لم تعد تجري في عروقهم. يريد مراد ولد السلاخ من خلال الإجابة عن السؤال المؤرق: من أين جئت؟ من أين جاء عبد الرحمان؟ من أين جاء رشيد؟ أن يعيد بناء مسار كل واحد منهم،  ومن خلال ذلك إعادة “قول” تاريخ الحي ورسم خريطته الاجتماعية، إنه لعمل لا يستطيعه إلا مصارع نبيل ووفي، إنه لعمل لا يستطيعه إلا مثقف عضوي ومخلص” لطبقته” بحق، ولعل مراد ولد السلاخ كما شاء له الكاتب أن يكون، نموذج “لمثقف عضوي من طراز جديد”، مثقف استوعب وتمثل واستضمر تاريخ الفكر الثوري وتجاربه، دون أن يكون منتسبا لتلك الفئات التي تنظر إلى القاع الاجتماعي من خلال المرايا العاكسة لسياراتها، فلا ترى الهامش إلا بقدر ما تبتعد عنه. مراد ولد السلاخ ابن القاع وابن الحثالة التي لم يتكلم عنها أحد ولم يعرفها أحد ولم يخبر تجربتها أحد ولم يقدر معاناتها أحد. مراد ولد السلاخ الوفي لحيه ولحثالته، يمتلك فكرا وسكينا، وكلاهما على نفس القدر من الحدة والمضاء. مراد ولد السلاخ ليس من أولئك  المثقفين  المترفين المزيفين والانتهازيين الذين لا يعرفون الهامش ولا يصورونه ولا يرسمونه ولا يكتبون عنه إلا إذا كان وراء شريطهم أو روايتهم أو لوحتهم “همزة” يتصيدونها أو “شهرة” ترفع قدرهم.  مراد ولد السلاخ يريد قول الهامش من داخل الهامش، من نبضه ومن جذوره ومن نسغ الدماء التي تجري في عروق أهله.
من أين جئت؟
من أين جاء عبد الرحمان؟
من أين جاء رشيد؟
كيف تكونت الأحياء الهامشية، وكيف يعيش أهلها؟ ما هي أحلامهم وما هي شروط عيشهم؟ وهل لهم من أمل في الخلاص؟
هذه هي أسئلة مراد، بحث عن الهويات المطمورة تحت أتربة النسيان. وإعلان عن وجود الذات المتميزة لأهل الدوار والأكواخ والبراريك والقصدير والكاريانات.  إعلان عن وجود الهوية المتميزة لأهل الهامش. الهامش ليس لا شيء، وليس شيئا زائدا عن كل شيء، إن الهامش هو كل شيء. هو الحقيقة التي تنحني عند أقدامها كل الأسئلة خجلا واستحياء.
ومثلما يعيد مراد ولد السلاخ إلى التداول مفاهيم أُدخلت مرغمة من قبل المثقفين المترهلين إلى ثلاجة “الفكر”  كأصل الدولة والثورة والطبقة والصراع والتشريعات، فكذلك يعطينا من داخل تجربته في الحي الخطير ومن خلال وضع الهويات المأزومة قيد السؤال درسا سوسيولوجيا بليغا في نشأة الأحياء الهامشية وتركيبتها البشرية، ويُشَرِّح النفسيات وأنواع السلوك باقتدار يعز نظيره.
يعيش مراد ولد السلاخ في الحد الجارح بين هويتين:
فهو مثقف مختلف عن كل النماذج السابقة من المثقفين، مثقف مسلح بالنظرة الثاقبة والمعرفة التي لا تشوشها التهويمات النظرية، إنه مثقف دون أن ينتسب إلى الفصيلة التقليدية للمثقفين. ودون أن يعترف له أحد بذلك.
وهو ينتمي إلى عالم القعر. إنه ابن الحثالة، ابن السطوح والبراريك، إنه بائع المخدرات، إنه القاتل، إنه ابن دوار الدوم الذي لا يُعرف له أب مثل كل أبناء الحي الذين ولدوا في أكواخ القوادات. إنه ابن القعر دون أن يشبه أبناء القعر. ودون أن يكون سقف أحلامه وأفكاره محصورا بحدود الحي.
يعرف مراد ولد السلاخ بأنه يختلف عن خاله. ويعرف بأنه يختلف عن أقرانه وعن رفيقيه في السلاح والخيبات التي بلا حل وبلا أمل.
إنه يمتلك وعيا حادا بوضعه وبمصيره وبدوره، وعيا ولا شك تراجيديا، مما يجعله مثقفا من طراز غير مسبوق بالمرة.
وإذا كان كما أسلفت قادرا على تحدي المثقفين والمعلمين والمصلحين بقلب الطاولة وإعادة طرح الأسئلة الحارقة.  فإنه لا يكتفي بطرح الأسئلة وإنما أيضا يقدم الأجوبة، إنه لا يسأل فقط من أين جاء هو أولا، ومن أين جاء عبد الرحمان ورشيد كعينة من كل تلك الحثالة التي عمرت الحي أو نشأت فيه، ولا يسأل من أين  جاءت هذه الأحياء والدواوير  والكاريانات والأكواخ ودور الصفيح، فقط؟ بل  ينبش وينقب ويعيد بناء وتركيب الصور الباهتة والمشوهة التي يمكن أن ترتسم في الأذهان عن نشأة هذا الهامش المنبوذ في الفكر والمنسي من التاريخ والمقصي من المجتمع.

6) أهل القعر والهاوية

وإذن فمن خلال رسم مسار كل واحد من رفاقه في السلاح وفي البحث عن الخلاص  يجمع الصورة طرفا طرفا ونتفا نتفا حتى يستوي الحي وأهله وأحوالهم كالشاشة أمام أعين من يشاء النظر. إن مسار كل واحد من الشخوص يقدم صورة عن عينة من أهل الحي. كما لو أنه يتخذ من رسم هذه المسارات مبررا لإعادة تشكيل الحي من جديد كوخا كوخا وعصابة عصابة وفردا فردا.

****

الشخوص……………. الصفة………..

****

رحمة………=……..  وسيطة في الدعارة

سليمة………=…….. أم عبد الرحمان/ عاهرة/ تتزوج ابا عبد المجيد

ابا عبد المجيدالفراكة……=….. صياد يفقد الزوجة ويموت أولاده غرقا

العربي الأعور الفرناطشي…. = …… سفاح الحي/ قاتل بالتسلسل/صياد البشر/ مغتصب الجثث

عصابة ابا موح الصحراوي…=….. العمل في الفران نهارا وبيع المخدرات ليلا/ تفرض قانونها على الحي

المقدم العروسي ومن معه:

الأخوان والأم والزوجة والأبناء…….=……..عين السلطة في الحي/ بيع الخمر والمخدرات

حادة…………….=…………… زوجة العربي الفرناطشي

سليمان ــ ميلودة ــ رشيد……….=……….. أبناء حادة من العرببي

المكي ……………….=……………. سلاخ البهائم وأب مراد

مينة ………………=…….. زوجة المكي وأخت مجيد

نوارة………………..=…………. أم المكي

مجيد……=………. يساري يطاله الاختفاء القسري ويترك كارتونة كتب ببيت …………=………. أخته يقرؤها مراد ويتعرف من خلاله على فكر خاله.

حميد/ البتول/ نزهة …………=………. أقارب مراد

دحمان الأعرج……………=………..براح الحي

المحجوب………….=………..صباغ

الفاطمي…………..=………بائع جافيل

العياشي………….=……….إمام الجامع

الحاج مغيث…… = ………… من أعيان الحي

الحاج عمر زوج الحاجة زهرة…….. = …… صاحب محل لبيع مواد البناء

ولد الرباح ـــ الغندور ــ أولاد البولونجي……….=…….. من عصابة الشعبة

الغزواني……………..=…………… زعيم عصابة براريك القرعة

خنفاش…………..=………..ضحية الاغتصاب والقرقوبي والقتل

****

هؤلاء، والعشرات من هؤلاء، يختلفون في الأسماء ويتشابهون في الصفات، هم من ملؤوا الحي بنينا وبناتا، كلهم دون استثناء تقول الرواية، “جاؤوا من البوادي المجاورة والبعيدة إلى هذه المدينة، باعوا أراضيهم ومواشيهم واشتروا بقعا أرضية في هذا الحي أو غيره وبنوا فوقها أكواخهم” … و”استولوا على أراض أخرى أو تقاسموا أكواخهم مع غيرهم” … “جاؤوا إلى هذه المدينة فرارا من القحط والجفاف وطمعا في ثراء سريع”، ساقوا أمامهم عنزاتهم ودجاجاتهم وخرافهم، وحافظوا على عاداتهم وتقاليدهم في مكان غير المكان ووقت غير الوقت وعصر غير العصر،” ضد سياق العالم وخارج أحداثه”، “لا يعرفون قانونا ولا مؤسسات ولا دستورا”، ويتصورون البلد والعالم قبيلة كبيرة، وهم مستعدون على الدوام لشهادة الزور ضد أضعفهم، ولممالأة المقدم، مستعدون لتصديق أن الوحش هو من يأكل الرجال وأن الجنية هي من تتصيدهم، ومستعدون للشهادة ضد بعضهم بأنهم كفرة وملاحدة وخارجون عن القانون، مستعدون لوضع علامات النبذ على الأبواب استجابة لإشارة المقدم المعلومة  أو لإشارة أنفسهم الأمارة بالسوء إذا بدت لهم مصلحة في ذلك، جاؤوا من كل صوب، حطوا رحلهم على عجل، وامتهنوا حرفا سهلة وذات مردود بسيط، ما بين كواي وخراز ونجار وخضار وسفناج وعطار وشواف وحارس سيارات وحمال وحارس مقبرة.
هنا دقوا أوتادهم ونصبوا خيامهم، هنا وضعوا بيضهم وانتظروا أن يفقس. نساء ورجال اجتمعوا على غير موعد وبدون سابق اتفاق، بلا حب ولا عشق ولا رغبة. الرجال قذفوا نطفة الشر في القعر، والنساء رمين بويضة الشؤم من رحم الجحيم وانتظروا جميعا أن تتخلق كائنات هذا اللقاء العجيب وأن تخرج إلى الوجود مسوخات الرعب واللهب. من هنا جاء مراد، ومن هنا جاء عبد الرحمان، من هنا جاء رشيد والعشرات من أمثالهم.

7) فرسان الجحيم:

1) عبد الرحمان ولد الفراكة:

    سليمة ستأتي إلى حي أبي رقراق هاربة من حي بعيد، وفي بطنها عبد الرحمان، ستتلقفها الأيدي الطويلة لصيادي اللحم البشري من محطات الركاب ومن الدواوير القريبة وباحات الاستراحة وتقودها إلى كوخ الوسيطة، هناك ستفتح فخذيها لكل قادم من أجل لذة عابرة، لم يكن لسليمة ملاذ غير ذلك هي ولا العشرات من ممتهنات الدعارة بالحي، سينتهي بها المطاف في بيت أبا عبد المجيد الفراكة، وفي كوخه ستلد عبد الرحمان، وبنتين توأمين، ما ذنبها هي حين سيسمع عبد الرحمان بأن عبد المجيد ليس أباه، وما ذنبها حين سيسمع بأنها هي نفسها ليست أمه وما ذنبه هو حين سينبت في هذا الحي كشوكة في قدم الحياة.

2) رشيد ولد العربي الأعور:

 رشيد سيولد دون أن يكون مقررا له أن يخرج للحياة، فقد غاب أبا العربي الأعور عن دوار الحاجة تاركا سليمان وميلودة لحادة زوجته، تأكل من أجلهما الجمر والأشواك لكي يحظيا بفرصة في العيش، وجاء إلى فران صحراوة  بحي أبي رقراق يتصيد البشر  ويغتصب الجثث ويطعمها للنار. الصدفة وحدها ستجعله يلتقي بحادة من جديد ويقذف في رحمها بذرة الشر. هل ولد رشيد من قذارة أبا العربي الأعور. نعم ولد من قذارته وبقيت حادة تحمل إثمه حتى أفضت بسرها لسليمان فأحرق سليمان الفران وأحرق العربي وأحرق الجوار وفر إلى أرض ميساوة من حكم بالمؤبد.

3) مراد ولد السلاخ:

 المكي السلاخ سيلتقط مينة من البويتات بحي يعقوب المنصور ويأتي بها  حاملا إلى كوخه بحي أبي رقراق، ويستمر في تجواله حاملا سكاكينه وسواطيره، حتى تنغرس سكين بين ضلوعه بعد زيجتين أخريين. وهو بعد في السابعة سيعرف مراد بأن المكي ليس والده، وبأن أمه أيضا “عاهرة” مثل باقي أمهات الحي وأن أباه  مثل باقي الآباء في الحي والذين ليسوا آباء لأحد، الجميع يتزوجون في أكواخ وسيطات الدعارة من عاهرات، والجميع يسمي الواحد منهم الآخر ابن العاهرة، ولا أحد منهم يعرف من يكون أبوه، وأحيانا فلا أحد  منهم يعرف من تكون أمه، فكم من مرة وضعت الأم مولودها في كوخ الوسيطة وهربت إلى حي آخر.
هنا سيكبر الثلاثة بين مزاريب الأكواخ وأقدام العصابات، سيرون الموت ويمشون بين القتلى، سيشربون ما تبقى من ماء الحياة في القناني الفارغة ويدخنون ما تبقى من أعقاب السجائر ويسرقون ما تستطيع أيديهم أن تطاله من حشيش، وسيحلمون بالخروج من قعر هذا الجحيم، بلا أمل في الوصول إلى قمته بغير  السكاكين والسواطير، وهم بعد صغار ستكون السكاكين لعبهم، وستكون المبارزات امتحاناتهم وسيكون كسر الخصم وعصره أو بعج بطنه شهادة نجاحهم في الحياة. وتكون علامات تفوقهم بعدد السنوات التي قضوها في السجن. أو بعدد الندوب والأوشام على الذراع.
لم تكن بالحي مدرسة ولا مكتبة ولا ملعب، كان الحي قطعة من جحيم ملتهب. لا تستطيع الأقدام أن تمشي فوقه فبالأحرى أن تسكنه.
مراد ولد السلاخ، وعبد الرحمان الفراكة، ورشيد ولد العربي الأعور، والعشرات من أمثالهم الذين يفترقون عنهم في الاسم ويلتقون معهم في المصير نفسه الذي لا اسم له سوى ورطة الوجود، هؤلاء وأولئك  جميعا ولدوا من رحم الجحيم وصهرتهم نار القعر في حممها ونسبوا لأكثر من أب وعاشوا بين أكواخ القوادات وأقدام رجال العصابات، عاشوا بين فرن يطهو الخبز بالنهار على نار من حطب الجثث التي يتصيد أصحابها الفرناطشي الأعور، ولعبوا بين السانية والكاليتوسة لعبة الكبار، أعدوا سكاكينهم وسواطيرهم ولم يكن لهم من أفق غير أن يصبحوا قتلة وحشاشين وسكارى كعصابة صحراوة وعصابة الشعبة… لم يكن لهم من أفق غير الولجة وعكراش ودوار الحاجة وأرض ميساوة وجبل الرايسي… ولما أرادوا تغيير الأفق والانتقال إلى جنة النبلاء، لما أرادوا الخروج من القعر مهما كلفهم ذلك من ثمن، مات أولهم برصاصة شرطي، ومات الثاني ورفيقته بسكين رجال عصابة الشعبة، وحكم على الثالث بستة عشر سنة من السجن… مرت الآن منها خمس سنوات وبضعة أشهر  كلما خرج من زنزانة انفرادية تلقفته أخرى وكلما حاول الهروب فشل، وما يزال يعيش على أمل الخروج من قعر الجحيم، ياه لهذا العالم يقول لنفسه متذكرا رشيد وعبد الرحمان، لا وجود لحثالة ونبلاء، كلنا حثالة وأبناء عاهرات، وحدها الفلوس هي الشريفة العفيفة التي تستحق الاحترام.

 8)  بلاغة التعبير: في رسم المكان ووصف الإنسان:

اعتمد الروائي وباقتدار كبير اقتصادا تعبيريا مذهلا في تشكيل عالمه الروائي وتدبير ثرائه اللغوي والفكري ” بناء وتركيبا وتصويرا وتخييلا” ، موزعا اهتمامه الصريح والمضمر على أربعة أقطاب مزاوجا ما بين السخاء اللامتناهي أو التقتير الدال على النبذ والإقصاء أو المفضي إليهما:

1) قطب السلطة:

تحضر السلطة في الرواية باقتضاب في العبارة وجفاء في الوصف من خلال ممثليها الأقربين لواقع الحي، فيحضر الأمن وتحضر الشرطة عند الاعتقال أو عند الاستنطاق أو عند التربص وإطلاق الرصاص، ويحضر المخازنية والقوات المساعدة عند هدم البناء ويحضر القايد بمناسبة قبضه مقابل غض الطرف عن البناء العشوائي وبمناسبة إشرافه على عملية هدم أبنية من لم يفهموا رؤوسهم، وحين يحضر اسم الوزير فإنما فقط كمظلة لعصابة الصحراوي التي أثرت من بيع الكيف والحشيش وصارت لها أذرع في السلطة.
وهؤلاء جميعا لا ينتسبون إلى الحي، إنهم يأتونه من الخارج لفرض القانون أو لإعادة ترتيب الأوراق وتوزيع الأدوار وتأديب من يحتاج إلى تأديب. وحده المقدم وشركاؤه يحظون باهتمام خاص وبوفرة في الوصف وإحاطة تامة بالأدوار التي يلعبها بمعية  شبكته داخل الحي، ذلك أنه جزء من تركيبته البشرية، المقدم وعائلته، إخوة وزوجة وأبناء وأما.
إن حضوره القوي في ذاكرة مراد ولد السلاخ، يعبر فعلا عن مدى تأثيره في الوسط ذاك الذي عاش فيه وانتسابه الفعلي إليه. المقدم عين السلطة التي لا تنام ومهمازها.

2) قطب “التنابلة”:

المقصود بهؤلاء المحظوظون من ساكني جنات الدنيا، المترفون أصحاب القصور والفيلات والثروات، ويبدو أن ذاكرة ولد السلاخ لا تحتفظ لهم باسم أو صورة أو حضور ما،  حتى وإن  كان عابرا أو شكليا، إنهم كما يقال بالفرنسية يلمعون بغيابهم،  باستثناء حديثي العهد بالنعمة من أهل الحي فهؤلاء جزء من حياة مراد، ولا يمكن فعلا للحي أن يتشكل فقط من السكارى والحشاشين والقتلة والشماكرية، لا بد ممن يمسك بخيوط اللعبة عن قرب ويدير الحروب عن قرب ويوزع الأعطيات عن قرب، وهؤلاء غالبا يعيشون بقدمين واحدة في الحي والأخرى بعيدا عنه، وهم مرشحون لمغادرته ولمجاورة التنابلة، وإن لم يحصل ذلك لهم هم بالذات فلا شك سيحصل لواحد أو أكثر من ذرياتهم بينما سيهوي واحد آخر أو أكثر من هذه الذريات إلى قعر الجحيم.
أما التنابلة الذين توارثوا الجاه والمكانة والثروات أبا عن جد أو تلقفوها بضربة حظ، فهؤلاء لا يحضرون بالمرة ولا حتى كخلفية للحكاية، كل ما يرشح عن عالمهم هو أسماء الأحياء أو الممتلكات، الفيلات والقصور، و أحياء الرياض والسويسي وبير قاسم التي صارت عند أبناء الهامش عنوانا للخلاص وللنجاة من القهر.
لذلك، فهذا الغياب الساطع لهؤلاء لا يفتأ يؤكد حضورهم في كل همسة وفي كل كلمة وفي كل حلم وكل حركة ترشح من بين أنفاس أبناء الحي.

3) قطب المكان:

أقصد بالمكان الفضاء الذي شهد جريان الوقائع والأحداث، ويبدو قاسيا جافا موحشا وموغلا في العداء، يبدو المكان ضد الإنسان في أكثر من صورة، ويحضر باقتضاب شديد: الأكواخ ــ السطوح ــ البراريك ــ القصدير ــ الكاليتوسة ــ دكان  المهيدي أخ المقدم ــ الغابة ــ الفران ــ عكراش ــ باحة الجامع ــ  السانية ــ هضبة جبل الرايسي ـ أرض ميساوة ـــــــــ الولجة.
يبدو مكانا للرعب ولانتظار الموت فقط، إنه مكان مختصر إلى حده الأقصى. لا مكان فيه للربيع ولا للأزهار ولا للأطيار ولا للحياة، ولا مكان فيه للتراحم أو التزاور أو الترفيه أو التسلية أو التأمل والاسترخاء.  هو مكان فقط للاختباء والتخفي وللتربص والترقب، مكان لم يكن جديرا بالحياة أن تبحث عن أنفاسها في صدره، ولكنها فعلت، فماتت مخنوقة. رغم ذلك فإنه كلما تعلق الأمر بالحي كان السخاء ميزة التعبير الذي يُظهر البراعة  الخاصة  للكاتب في تحويل أبشع الأماكن  والمشاهد كساحة سياج الفران مثلا أو كوخ ابا مجيد الفراكة  إلى أجمل اللوحات.

4) قطب الحثالة:

الحثالة هنا ليست وصفا قدحيا بقدر ما هي وصف موضوعي لانتماء هذه الفئة إلى القعر الاجتماعي كرشيد وعبد الرحمان ومراد وسليمة وخنفاش والعربي الأعور أو على الأقل عيشها في محيطه كالعروسي وأبا موحا الصحراوي وعمار زوج زهرة. وهؤلاء الأخيرين يعيشون في المحيط نفسه ولكن دون أن يعيشوا الظروف نفسها، وإن كانوا يساهمون في خلقها، لأنهم هم من يدبر تجارة المخدرات ويسيطر على مصائر أبناء الحي ويحمي أكواخ القوادات والنساء الهاربات..
وبسخاء لا يضاهى يرسم مراد بقلم الكاتب صورا جديرة بأن تكون لوحات تشكيلية تتخذ كشاهد على  النبوغ الفائق في الوصف والتصوير. بل وشاهد على أن الرسم بالكتابة قد يتفوق على الرسم بالألوان والتصوير بالكاميرا، إنها لوحات فنية خالصة أبدع فيها الكاتب أيما إبداع، وأجرى الخيال واللغة لتلوين الكلمات  بألوان الواقع والحقيقة بل وجعل النفسيات تنعكس على الملامح بدون ما حاجة لأن تبصرها العين. ( أضف إلى ذلك أن الحوارات كلها جديرة بالتشخيص المسرحي مثلما  أن كل وصف جدير بالتصوير  السينمائي، إنها بالفعل مشاهد ولوحات ولقطات يمكن أن تتخذ كنموذج لهذا الفن الذي نسميه رواية).
يصف الكاتب ابا مجيد ويصف سليمة ويصف عبد الرحمان ورشيد ويصف ابا العربي الأعور ويصف ابا موح الصحراوي ويصف المقدم العروسي والمهيدي وموسى والغزواني، بل وفي تحد فني جميل ومشوق يرسم الكلبة لايكة في تحولاتها ومسوخاتها العجيبة ليجعل منها كائنا مرعبا وخالدا لا يموت.
إنه بالفعل يفي بالتحدي الذي رفعه مراد ولد السلاخ الذي جعل رهانه أن يكشف عن الهويات المقصية وأن يجيب عن الأسئلة الحارقة:
من أين جئت أنا؟ من أين جاء عبد الرحمان؟ من أين جاء رشيد؟
نعم يكاد هذا السخاء يصرخ  لقد جئنا من هنا؟
جئنا من الأكواخ والبراريك والقصدير والسطوح. جئنا من المزاريب ومن الخواء المرعب، خرجنا من بين الدكاكين السوداء ومن بين سكاكين العصابات. لا نعرف أباء وقليلا ما نعرف الأمهات. لكننا نحلم بالخلاص مثلما قد يحلم كل إنسان بالخلاص. من قعر هذا اليأس العظيم خرجنا إلى الحياة لكننا لم نجد الحياة في انتظارنا فحملنا السكاكين وشققنا صدر الحياة لكي تصل صرختنا إلى الآذان الصماء ولكي تصل صورتنا إلى الأعين المطفأة.

9)  بقية قول:

إنها  واحدة من المرات القليلة بالنسبة لي على الأقل التي أقرأ فيها عملا روائيا مغربيا استطاع  صاحبه وباقتدار  كبير أن يضع الهامش تحت الضوء وأن يفتح أبوابه أمام من كانوا يمرون بمحاذاته دون أن يعرفوه أو الذين كانوا سببا في نشأته أو الذين يحملون عنه صورة مزيفة أو الذين يتخذونه خلفية عجائبية لأشرطتهم  أو قصائدهم أو قصصهم.
إنه الهامش الفعلي، وليس الهامش المتخيل أو المتوهم.
وقليلة هي الأعمال القادرة  على بسط ثقافة المهمشين وشرح تأثير الإقصاء والنبذ على النفسيات وفضح كل مركز سواء كان ثقافيا أو سياسيا أو اجتماعيا بالبراعة الأدبية والفنية والفكرية نفسها التي نجدها في الحي الخطير. وإن حصل، فلن يتعدى  ذلك الاسم أو الاسمين ليبقى الحي الخطير من الأعمال الرائدة وغير المسبوقة في الكشف عن واحدة من أعتم قارات الهامش. .
……………………………………………………………….// القنيطرة : 14/10/2017

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*