الرئيسية | أدب وفن | الحرب والسلم والأسئلة الفلسفية التي أثارها تولستوي | فواد الكنجي – العراق

الحرب والسلم والأسئلة الفلسفية التي أثارها تولستوي | فواد الكنجي – العراق

فواد الكنجي

سلط (ليو تولستوي 1828 – 1910 م) الضوء على أوضاع الإنسان وانفعالاته؛ و بكل ما يدور في خلده من مشاعر وأشواق وأمال وإخفاقات أثناء اجتياح القوات الفرنسية بلاده (روسيا) في مطلع القرن التاسع عشر بقيادة (نابليون بونابرت) ودخوله (موسكو) وانسحابه؛ بعد إن تلقى الطرفين خسائر فادحة بآلاف الأرواح؛ وما خلفته الحرب من دمار وخراب واسع النطاق في البلاد؛ فاضطر (نابليون) بعد إن عجز احتلال (روسيا)، الانسحاب؛ وهو يجر أذيال الخيبة والخذلان والفشل في مواجهة الروس وشتائها القارص ورفض (القيصر الكسندر الأول) الاستسلام. فجسد (تولستوي) تلك الواقعة المدمرة على بلاده في عمل روائي عظيم نالت شهرة واسعة لتصنف كواحدة من أفضل روايات الأدب العالمي ألا وهي روايته الخالدة (الحرب والسلم) وهي بأجزائها الأربعة الكاملة المطولة والتي صدرت بالنص الكامل عام 1869؛ حيث تناولت هذا الرواية مراحل الإحداث السياسية والعسكرية التي حدثت في أوربا لفترة ما بين عام 1805 و 1812 ؛ واصفا أحداث التاريخ لتلك المرحلة بأسلوب فني رائع؛ جسد فيه مواقفه الفكرية عبر رؤية فلسفية طرح من خلالها جملة من القضايا الفلسفية والاجتماعية والسياسية كانت حاضرة في واقع تاريخ المجتمع الروسي في حقبة وهي تعتبر من اخطر حقبات التاريخ الروسي خطورة، ليعطي (تولستوي) صورة واقعية بما حدث في (روسيا) في تلك الفترة من تاريخها، حيث تتمحور أحداث الرواية عبر ثلاث مراحل مهمة حدثت في تاريخ البلاد لتلك الفترة وهي:

 مرحلة التي سبقت اجتياح (نابليون) الأراضي الروسية عام 1812 م.

ومرحلة دخوله (موسكو) عبر نهر (نيمان) إلى قلب روسيا.

ومرحلة انسحاب المهين للجيش الفرنسي بقيادة نابليون.

 فجاءت رؤية (تولستوي) مكثفة بأسئلة فلسفية معبرة عن إرادة الإنسانية وهي تواجه تبعات الحرب في نفوس المجتمع؛ وبوصف الحياة القائمة في ظلالها؛ لتكون وصف الإحداث؛ تاريخا لمجتمع (الروسي) آنذاك؛ وان كان الوصف مشخصا انطلاقته من ذات الكاتب الذي سلط رؤاه بعمق أفكاره ومخيلته؛ فتنفس تنفسا عميقا من خلال البيئة المحيطة بالجو الاجتماعي الخاص والعام وعبر مقارنة بين هواجسه ونبضات المجتمع، وهذا الإسقاط في المشاعر على النص كان (تولستوي) سباقا في تجاوز السردي لنص الروائي الذي كان متعارفا روائيا آنذاك، ليأتي النص معبرا بما يشعر و يعبر عنه بعيدا عن السردية ومحاكاة التاريخ، وبإمكانياته الفنية العالية؛ استطاع تحويل أحداث التاريخ عبر موهبته وقدرته على التخيل وتشخيص الإحداث والوقائع إلى عمل أدبي فني جمالي رائع؛ وكما تمكن عبر مخيلته تصوير شخصيات الرواية لتتوغل في الحوار والتعبير عن مكنوناتها وبكل ما يجوب في خواطرها من مشاعر وأفكار؛ ليس كتعبير لشخصيات ماطرة ضمن إبطال الرواية؛ بل كشخصيات تعيش في بيئية اجتماعية تحتك مع من حولها من أبناء المجتمع؛ لأنها شخصيات تعيش في وسط المجتمع وتستنطق مشاعرها ومشاعرهم؛ وردود أفعالها وأفعالهم؛ وتفكيرها وتفكيرهم؛ وبما يحسون ويشعرون وبما تحس وتشعر هذه الشخصيات معهم، ليتعمد (تولستوي) تعميق البناء النفسي لشخصيات الرواية؛ وجلها عاشت أحداث وقعت؛ ولكن صورت وفق ما كانت مشاعره النفسية وسلوكه تشعر وكأنها تعيش أجواء الحرب بضراوتها وشراستها و وحشيتها؛ ولتي لم تميز بين البشر والحجر؛ لتتلاشى الصورة الإنسانة وقيمها في ظلالها؛ لتصبح مجرد ركام وحطام متروك هنا وهناك؛ يرتفع منها الدخان الرمادي والأسود بعد إن يكون قد نال منها.

 فالحرب بكل صورها وماساتها أخذت مأخذها من واقع الحياة لعموم أبناء الشعب؛ فكيف الحال بالنسبة إلى (تولستوي) الذي أحب بلاده حبا كبيرا……!

لذلك كانت قريحته فياضة لتعبير ولتسليط الضوء على كثير من مفاصلها من ناحيتين:

 الأولى من الناحية (ألأدبية) فهو ارتقى بأسلوب واقعي معبر ضمن تحليل النفسي والصياغة الإبداعية.

وثانيا، من الناحية (وقائع الحرب) وما تركته في النفوس أبناء شعبه؛ فجسد رؤيته من خلال ما قرئ وما سمع عن صور الحرب ومشاهد القتل والدمار وحالة الإحباط النفسي والبؤس والانكسار الذي كان الشعب يشعر به اثر فقدانه الملاين من الأحبة بدون مبرر سواء من أفراد الشعب أو من المقاتلين.

لذ كانت أفعال الحرب تلك؛ قبل إن تكون أداة مدمرة للبنى الفوقية والتحية للبلاد؛ وما صاحبتها من أعمال وأفعال العنف والقوة والعشوائية، فإنها في الكثير من صورها كانت أفعال سادية و موغلة بالوحشية و بكل ما يخالف الطبيعة البشرية من الهدوء وتقبل الأخر والحب. وهذا ما جعل (تولستوي) يبلور شخصيات الرواية ليجعلها تتمرد من واقعها وتطالب بإعادة التفكير في طبيعة البشرية وتاريخها بما يميز الإنسان عن باقي المخلوقات، وهذه الرؤية ما كانت تستفز (تولستوي) لولا صور الحرب القذرة التي ألهبت مشاعره ببشاعة ما تركته في النفوس من الم.. وعذاب.. وجراح.. وتحطيم لمن عاش تحت نيران الحرب أو لمن عاش ما بعد الحرب، ليكون ما يطرح من الإعمال الأدبية والفنية للحرب مختبر حقيقي للمشاعر النفسية للإنسانية؛ تقدم صورة واضحة بلا رتوش؛ بما تحمله الحرب من متناقضات الحياة بين بؤس و نعيم.. وسعادة وشقاء.. وغنى وآلام.. وشر وخير، فكل هذه البواعث النفسية والاجتماعية بلورها (تولستوي ) في شخصيات روايته؛ وقد استنبطها من خلال صور المجتمع الروسي وهو يعايش الحرب؛ وغزو بلادة من قبل المحتل الفرنسي بقيادة (نابليون)، وهو واقع (مّر) ترك أثاره العميقة في نفسية (تولستوي)؛ بل في نفسية أبناء شعبه وهو أحس بما كانوا يذوقونه؛ فبين حبهم للحياة ومأساة الحرب؛ كواقع فرض على بلادهم، في وقت الذي لم يكن لأبناء الشعب أي خيار سوى مواجهة أحداث التاريخ وما يحدث لهم بكل سبل المتاحة؛ نعم، لم يكن أمام الشعب سوى المواجهة والنضال وبكل ما أتى لهم من قوة.. وصمود.. وتحدي؛ ليؤرخ واقع الحال لبلده وأمته وخيارهم في الحرية وطرد المحتلين والغزاة، وهو ما عبر عنه (تولستوي) بكل صدق و وفاء، فطرح رؤيته الوجودية عبر أسئلة متدفقة بحالة القلق والارتباك التي كان يعاني منها الشعب، وبعد إن وجدهم في حالة الاحتراب مدمرة وآلاف تقتل بدون أي ذنب؛ وهو الأمر الذي شكل نقطة حوار بارزه في عمله هذا؛ لان (تولستوي) ظل يطرح مع نفسه سؤال خطيرا إربك حياته وأرقها؛ ليعيش حالة القلق المستمر؛ سؤال لم يغب عن ذهنه طوال عمره ولم يستطع الإجابة عنه، وهو سؤال طرحه حتى على لسان شخصيات الرواية، وهو لماذا نعيش…….؟

لماذا نعيش………..!

 فكل محاولة الإجابة كانت منه يائسة، لأنه أيقن بان من يصنع إحداث التاريخ لا يرتبط صنعها من قبل الزعماء ورجال الكبار والساسة؛ بقدر ما يصنعه الأخر؛ حيث تتداخل في صُنعه مجموعة من الأسباب وجزئيات وتفاصيل التي بمجملها تتراكم في صنعها، ومن هنا لا يكون بوسع البشر من فعل شيء؛ لكي يكونوا سعداء إلا بقبول الحياة كما هي؛ لان تعقيدات و مجريات الحياة هي اعقد مما نظن، لان التعقيد الأكبر هو التعقيد القائم بين (تاريخ النخب) و(تاريخ البسطاء)، وهذا التفكير المعقد في تفسير مخرجات الحياة؛ هو ما جعل (تولستوي) يسرد ويشخص ويناظر في إحداث روايته عبر أكثر من (مائة وستون) شخصية ظهرت في روايته (الحرب والسلم)؛ بين ما هي شخصية حقيقية وتاريخية وخيالية، ولكن في مجمل الرواية ترتكز الأحداث حينما حاول (تولستوي) تعميق السرد والبحث حول حياة (خمسة) أسر؛ اختارها من مختلفة طبقات المجتمع الروسي؛ وهي عاشت ضمن إحداث الرواية منذ عام 1805م إلى عام 1813م، ومن خلال شخصيات هذه (الأسر) حبك (تولستوي) أفكاره وكل ما كان يدور في خلده عبر هذه الشخصيات والتي – كما ذكرنا – منها ما هي (واقعية) ومنها ما هي (تاريخية) ومنها ما هي من صنع (خياله)، فيأتي بناء حبكة الرواية عن أحداث تدور حول ما تتعرض هذه (الأسر الخمسة) من مشاكل وكوارث، والأسر الخمسة في الرواية (الحرب والسلم) هي :

الأسرة الأولى هي ( آل كوراجين)

والثانية أسرة (آل روستوف)

و الثالثة أسرة (آل دروبيتسكوي)

والرابعة أسرة (آل بولكونسكي)

والخامسة أسرة (آل بزوخوف)، فهذه الأسر الروسية الخمسة التي طرحها (تولستوي) تختلف كل واحدة منها عن أخرى من حيث ما أفرزته تفاصيل حياتها وطريقة تفاعلها مع أحداث الرواية، فبين (الأسر) ذات الثراء، وبين (الأسر) الإقطاعية، وبين (اسر فقيرة) تعيش بضيق حال؛ ولكن أصولها العائلية تعود من أصول نبيلة.

وضمن هذه الأسر وإفرادها يدور حوار الرواية بشكل مكثف عبر حوارات بين شخصياتها تدور حول الوجود والروابط الاجتماعية ومصير الإنسان، فيقدم (تولستوي) من خلال هذه (الأسر) عيوب الفهم الجديد للإنسان وعدم تشخيصها تشخيصا دقيقا لكثرة مفاهيم الحياة المتعلقة بالإنسان والتي تدور حول حقيقة الحرية.. والسعادة.. والسرور.. والتعاسة.. والقنوط.. والشك.. والانسجام مع العالم وضمن الاختلال والانسجام والتنافر والتجاذب بين هذه المفاهيم يصبح دافع الإنسان أقوى للبحث عن الحقيقة، لان تعاسة ومعانات الإنسان في العالم هو ما يجعل هذا العالم لا يتلاءم مع تصوراته؛ ويصبح الإنسان عدوانيا ولا يعد لخيره؛ ولهذا يصير بلا معنى؛ فصعود الدراما بين هذه الأسر يعرض (تولستوي) شخصياتها وهي في دوامة؛ تعاني من أزمة نفسية حادة فقدت؛ ولم تفقد نظرتها إلى العالم؛ بل فقدت العالم نفسه، وهو الواقع الذي يتجه طريق (بير بيزوخوف) و(اندريه بولكونسكي) لإدراك العالم والنفس؛ وبصورة أكثر دقة إدراك للنفس في العالم، فيتداخل الحوار في بحث عن وجود الله من عدمه؛ وخاصة بين (بير) و الماسوني العجوز (بازدييف ( او مع (اندريه بولكونسكي)، ومن هنا فان كل ما يدور بين هذه الشخصيات من كلام؛ فيه الكثير من عدم المصداقية، وتختفي خلفها الأفكار والمشاعر الحقيقة، وفي لحظات التوتر الحاسمة يفهم بعضهم البعض الآخر عن طريق الإيماءة والنظرة إلى الوجه لمعرفة الحقيقة عبر ملامحها وليس بما تنطق، وهنا لابد من ذكر؛ بان (تولستوي) يلجئ إلى هذه الإيماءات بالتعبير في بعض مقاطع الرواية لتأكيد على عجز الكلمات (التعبير) عن الأفكار والمشاعر الإنسانية، كما ركز عبر الحوار بين الأميرة (ماريا) وهي تنظر إلى وجه (نتاشا) بعد إن أحستا أنهما لن تتمكنا من التعبير بالكلمات ولكن فهمتا الكلام عبر لغة العيون، وباعتبار بان هذا أسلوب من التعبير والحوار؛ يدعم الكاتب بنقل الأحاسيس المخفية والدقيقة، ولهذا يرى (تولستوي) بان كل ما يحيط بالإنسان له معنى ويمكن لنا التعبير عنه، والإنسان لقادر على التعبير بشتى أساليب التعبير؛ وعبر التفكير والتعبير؛ سيولي كل ألأهمية لما يحدث حوله؛ وهو الأمر الذي يجعل الإنسان يطرح أسئلة في كيفية فهم (الحقيقة) و(الوجود)؛ وما (قيمة الحياة)، وهي أكثر الأسئلة المهمة التي يطرحها الإنسان سواء مع نفسه أو مع الآخرين، وعلى نحوها فان (تولستوي) يطرح على لسان (بير) بقوله:

ما هو الجيد…..؟

وما هو السيئ…..؟

ماذا يجب أن نحب.. وماذا نكره…..؟

ولماذا أنا.. هكذا…..؟

ما هي الحياة…..؟

وما هو الموت…..؟

ما هي القوة التي توجهنا…..؟

و لماذا أعيش…..؟

ليطرح (تولستوي) رؤيته وفق هذا النمط المعمق في الأفكار والمفاهيم وهو يدرس و يمعن النظر بأفعال (أفراد) من المجتمع وليس كـ (أبطال) في جميع ظروف الحياة، لان نظرته إليهم كانت باعتبارهم (بشرا) ليس إلا، فبرغم ما نقرا في رواية (الحرب والسلم) شخصيات وهي بدور البطولة ولكن (تولستوي) يسلط الضوء عليهم كبشر وكشخصيات من لحم ودم يفكرون بعواطف ويشعرون ويحسون ولهم كسواهم من إفراد بني البشر حسنات وسيئات، بهذا الحس، حس فنان وفيلسوف؛ قدم (تولستوي) روايته؛ وهو يضع جل اهتماماته بالقيم (الإنسانية) إمام وعيه وتفكيره؛ التي لطالما وصفها بكونها معقدة وشمولية؛ بالإضافة إلى حجم المدارات الفكرية والفلسفية؛ وسعة خياله في تناول وذكر الأحداث بدقة التفاصيل.

 فان كان (تولستوي) يبدأ باستعراض روايته (الحرب والسلم) بحكم (القيصر ألكسندر الأول) وبكل ما كانت تدور في تلك الفترة من الأحداث التاريخية والاجتماعية؛ ومن خلال (الأسر) الخمسة – التي ذكرناها – فمن الملاحظ عند قراءة الرواية – وهو مؤشر يذكر حتى في النص المترجم – وارقي نص مترجم إلى لغتنا العربية لهذه الرواية هو ما ترجم من قبل الدكتور (سامي ألدروبي) – بان لغة كتابة الرواية هي لغة (روسية) ولكن نجد بان (تولستوي) يدخل في نصوص إثناء المحاور بين بعض من شخصيات الرواية، وهو يركز عليها بأهميتها، باللغة (الفرنسية)، إذ كانت الطبقات الارستقراطية في المجتمع الروسي آنذاك؛ تتحدث بهذه اللغة كنوع من (التميز الطبقي)؛ ولهذا فان (تولستوي) تعمد بكتابة كل حوار تكون غايته هو الخداع.. والكذب.. والنفاق يكتبه بـ (الفرنسية)، بينما يكتب الحوار بالغة (الروسية) في كل مقاطع الرواية التي تتناول موضوعات التي تتنعم بقيم الإنسانية.. والحب.. والصدق.. والوفاء، ليبرز من خلال هذا التكتيك بان (الشعب الروسي) باستخدامه (اللغة الروسية) في كل شؤون حياته ومعاملاته اليومية؛ قد تحرر من السيطرة الأجنبية.

 ومن خلال سرد الرواية فان (تولستوي) يصور شخصية (القيصر ألكسندر الأول) وهو يحاور ويتحرك بين مستشاريه وحاشيته كرجل عادي بسيط لا يختلف عن أي رجل من عامة الشعب الروسي، وهو من جهة أخرى يسلط الضوء ويدعوننا نتأمل بالنظر إلى (نابليون) بجسمه الصغير؛ لنقف مع أفكارنا بذهول؛ إذ يصعب علينا أمام هذا المشهد إن نصدق بان هذا الرجل – وهو بهذا الجسم – بوصفه القائد الذي غير تاريخ أوروبا والعالم برمته….!

ولهذا فان (تولستوي) خصص فصولا عديدة من الرواية من أجل تفسير الدور التاريخي والعسكري للقائدين، (نابليون بونابرت) و المارشال (ميخائيل إيلاريونوفيتش كوتوزوف)، ومع إن في الرواية عدد من الشخصيات ولكن قل ذكرها داخل الرواية لعدم أهميتها؛ فلم يسلط الضوء عليها كثيرا.

فنقطة البداية لاجتياح (نابليون بونابرت) الأراضي الروسية بدأت في أغسطس من عام 1812 م، حين وضع خططه بالاشتباك السريع مع الجيش الروسي والقضاء عليه، ولهذا أدرك الروس ما ينوي (نابليون) فعله؛ لذلك تهيئ الأمير (باركلي دي تولي) لمواجه الجيوش الفرنسية، وواصلها من بعده المارشال (كوتوزوف) الذي تولي قيادة جيوش الروسية؛ وتمحورت خططه القتالية في تجنب الدخول في اشتباك وصراع مباشر مع الجيوش الفرنسية الغازية؛ مع وضع عراقيل وموانع والانسحاب قبل قدوم جيوش (نابليون) مع تدمير المحاصيل الزراعية والقرى في أثناء انسحاب الجيش الروسي من أماكن التي لا محال سيتوجه منها الجيش الفرنسي لاحتلال روسيا؛ لعدم الاستفادة منها، ولهذا تعرض (باركلي) و(كوتوزوف) لكثير من النقد في ذلك الوقت لعدم مواجهة الجيش الفرنسي والاشتباك معهم بصورة مباشرة؛ ومع ذلك نجحت هذه الخطة العسكرية؛ رغم إن (نابليون) استولى على مدينة (موسكو) في أوائل شهر (سبتمبر) من عام ذاته؛ وهو الأمر الذي كلف (نابليون) ثمن باهظا، لان الروس حاولوا استدراج جيشه إلى عمق (روسيا) دون وجود إمدادات ومعونات عسكرية لجيش الفرنسي؛ مع حلول فصل الشتاء ودخول روسيا في موسم شتوي قارص المعروف في (روسيا) بتساقط كثيف لثلوج وهبوب عواصف ورياح شديدة البرودة، وهذا ما جعل (نابليون) إن يمكث في مدينة (موسكو) لأكثر من شهر، وكل اعتقاده كان يتجه بان (القيادة الروسية) ستستسلم، ولكن (الروس) لم يظهروا أية نية لاستسلام، فبدأ (الجيش الفرنسي) بالانسحاب على شكل أرتلا طويلة خارج (روسيا) تحت أجواء العواصف والثلوج ألعنيفة؛ حيث أجبرهم المارشال (كوتوزوف) على إتباع طريق الهلاك الذي سارت عليه (الجيوش الفرنسية) المنسحبة من (موسكو)، ليثبت في التاريخ بان الغزو الفرنسي لبلاده (روسيا) كان بكل مقاييسه يشكل كارثة إنسانية، فمن أصل نصف (مليون) جندي (فرنسي) محتل، لم يتبقى منهم سوى أقل من (ثلاثين ألف جندي) على قيد الحياة؛ أما الجيش (الروسي) فقد خسر نحو (ربع مليون رجل)، ولحجم الكارثة الإنسانية التي تركتها هذه الحرب في نفوس الشعب (الروسي) وما ذاقه من ويلات ودمار الحرب من جراء أطماع لا يفهم مغزاها إلا في نفس (نابليون)……….!

 ومن هنا فان (تولستوي) تعمق كثيرا في روايته (الحرب والسلم) في هذا الفهم الإنساني لمعاناة الحرب وما خلفتها من ويلات.. ودمار.. وخراب؛ فاسترسل أفكاره بمشاعر وأحاسيس وبعمق معلوماته الفكرية والفلسفية؛ مبلورا تلك المفاهيم في أسئلة قدمها ضمنا في روايته هذه؛ لطرح مواقفه من هذه الحرب. فقدم هذا العمق من الإحساس والأفكار عبر شخصيات روايته، وعبر شخصيات حقيقية لتعبر بكل صدق عن وقائع ليس من السهل نسيانها من ذاكرة الأمة، ولكي يقدم (تولستوي) عملا يوازي هذه الكارثة التي حلت على بلاده؛ فسلط الضوء عن جزء من تلك الإحداث عبر شخصيات حقيقية لتعبر بصدق عما كانت تعصف في البلاد هنا وهناك، فقد جاء بشخصية (ناتاشا) لتعبر عن زوجته وزوجة أخيه كما قدم نفسه من خلال شخصيتي (بيير) والأمير (أندريه) وقدم والديه من خلال شخصيتي (نيكولاي روستوف) و (ماريا بولكونسكايا).

فـ(تولستوي) بالمجمل يقدم محورا وتصويرا واقعيا للإحاطة بالإحداث من كل جوانبها وبأوسع ما يمكن تقديمه عبر شخصيات من أعلى إلى أدنى سلم الترتيب الاجتماعي، فالرواية تسلط الضوء عن مكامن الحياة داخل القصر الملكي لـ(قيصر)؛ كيف يقضي نهاره وكيف يتصرف مع محيطه وما يقوم به وما تفعله حاشيته والخدم والفلاحين، فهو يعرض جميع الطبقات الاجتماعية وما هي الأدوار التي تلعبها كل فئة من هذه الطبقات في مجرى الحياة؛ وكان (تولستوي) في عرضه لهذه الشرائح حريصا في تقديم هؤلاء الإبطال في روايته وكأنهم أناس اعتياديين من عامة الشعب

يخضعون لذات الظروف التي يخضع الآخرين، ولهذا فان (تولستوي) في روايته (الحرب والسلم) حرض إن لا يقدم بطلا واحدا في روايته؛ فكل شخصيات التي قدمها من (نابليون) و الأمير (اندريا) و (كوتوزوف) و(بلاتون)، لم يقدمهم (تولستوي) كأبطال بقدر ما قدمهم باعتبارهم أداة من (أدوات) في يد التاريخ؛ في وقت الذي ليس لهذه (الأدوات) إي معنى لها، كما هي حال حينما يقدم (كوتوزوف) الذي لا يستطع التصرف، وكما يفعل (نابليون) فيتكلم عن الأربعين قرنا وهي تنظر إليكم من أعلى الأهرامات – كما يذكر في الرواية – وفي النهاية يعرف (كوتوزوف) كيف يسكت ويصبر في النهاية، ليكون هو من يدفع (نابليون) إلى إن يخسر و يهزم نفسه بنفسه، هذه الفلسفة الفكرية قدمها وشخصها (تولستوي) بعمق أفكاره ومن تحليلاته الفلسفية لما آلت إليها ظرف بلاد أثناء الحرب وبعدها، فـ(تولستوي) هنا يحلل هزيمة (نابليون) باعتباره من قادة الأوربيين الذين لم يجندوا ولم يحشدوا ولم يرفعوا من عزيمة شعوبهم من أجل قضياهم؛ وما هو خير لأممهم، فقد كانوا سذج ومتغطرسين إلى أقصى حدود؛ ومنهم كان (نابليون) باعتقاده بأنه يتحكم في مصير أوروبا؛ ليكون مصيره في روسيا وجيشه الفرنسي الدمار والهزيمة، وكانت هذه أقسى حقيقة واجهته بحقيقة غطرسته وهو لم يستطع تغير هذا الواقع، بينما في الجانب الأخر يضع (تولستوي) القائد الروسي (كوتوزوف) على العكس من هذا الواقع، حيث كان يدرك سلفا بأن مصير (نابليون) قد تقرر بهزيمته في روسيا بالفعل، لذلك تأنى بوعيه وإدراكه وقراءة لمجريات الإحداث وبكل فعل أراد فعله؛ فتجنب مهاجمة الجيش (الفرنسي) لأنه كان متيقنا بان مهاجمتهم – لا محال – ستتسبب خسارة غير ضرورية للأرواح (الروسي) ولن يحقق هجومه على (الفرنسيين) شيئا بخلاف ما هو مقدر بالفعل، لذا اعتبره (تولستوي) بطلا روسيا قوميا بسبب إدراكه لهزيمة الجيش الفرنسي من ناحية ومن ناحية أخرى تجنب قيادة الجيش الروسي إلى الهلاك.

ومن هنا فان (تولستوي) يسأل مؤرخي حروب (نابليون) الذين وضعوا الدوق (أولدنبرج) موضع اللوم بخرقه الحصار البري، وتعند (ألكسندر) وأطماع (نابليون) والى أخره من أخطاء هنا وهناك، فان كان الأمور تقاس بهذا النحو – كما يذكره (تولستوي ) في الرواية – لكان بإمكان تفادي الحرب، بان يذهب (تاليران) ويناقش ويبحث بأسلوب دبلوماسي وسياسي؛ وأن (نابليون) يرسل رسالة إلى (ألكسندر) بأنه يوافق بإعادة الدوقية للدوق (أولدنبرج)، وبمثل هكذا دبلوماسية لكانت جميع مسببات الحرب تنتفي وتصبح منذ البداية غير ممكنة الوقوع، فهل باتخاذ مثل هذه الإجراءات الشكلية البسيطة كان يمكن تفادي الحرب التي حصدت ملايين البشر….!……..؟

ولكن (تولستوي) يرفض جملة وتفصيلا هذه الأسباب؛ بل وحتى المنطق الذي يحاول التشبث بعقلانية البحث عن الأحداث التاريخي، لأنه ينظر بكون إن (العقل) لا يستوعب إقناعه بمثل هكذا مبررات وتفسيرات؛ ومن هنا فهو يعلن بان مثل هكذا المنطق في التحليل والتفسير خاطئ، بكون كما يقوله (تولستوي) بان (( مجموع الإرادات البشرية هو الذي يخلق الحدث))، وهذا المنطق الذي يذهب (تولستوي) في تفسير إحداث التاريخ؛ يسقطه على غيرها من الإحداث وفق ما تدور بين شخصيات أخرى في الرواية؛ ولهذا فإننا من خلال شخصيات الرواية نجد بان (ناتاشا) و (بيزوكوف)، كل منهما يبحث سواء بفعل الخير أو في بفعل الحب عن خلاصه وفق إرادة الذاتية المحضة فيخلقون الحدث، فـ(ناتاشا) كما يظهرها (تولستوي) في روايته هي تمثل رمز الحيوية التي تصبح خير شخصيات الرواية، أما (بلاتون) هذا الأمي الريفي يحمل في أعماقه أفكارا عظيمة، فان (تولستوي) اعتبره ناطقا باسمه. ولكن (تولستوي) بعقله ونقاء أفكاره استطاع توزيع أفكاره ورغباته على مختلف شخصيات الأخرى المقدمة في الرواية، فنجد في شخصية الأمير (اندريا) عالما متوترا ويتصرف بلئام ويتطلع إلى المجد العسكري، لكنه بعد حين يجد نفسه بأنه على خطا و يفيق على حبه للأرض وللمرأة، ليخطو بخطى جديدة بعد إن أدرك عبث خطواته السابقة فيوجه نفسه وفق إرادته نحو المحبة.. والصدق.. والوفاء.

 ولهذا فان (تولستوي) في هذه الرواية افرغ كل مكنونات ذاته وكل ما حمل من أفكار ورؤى فلسفية وتأملات في الحياة.. والحرية.. والقوة.. والإرادة؛ متأثرا بما كان في عصره سائدا من تسابق الأفكار الفلسفية والتحليل النفسي والجدال القائم في حتمية التاريخ، لذلك فان (تولستوي) منذ وعيه بهذه الأفكار؛ غير نمط حياته وابتعد عن طبقته التي كانت من الأثرياء لأنه كان ابنا لأسرة ارستقراطية ومن ملاكي الأراضي في روسيا؛ فابتعد عنا ليعيش وسط أناس بسطاء، ودعا أبناء البشر بان تكون المحبة هي وسيلة لتعاون مع كل أبناء البشرية دون تميز ودون عنف؛ وان يتوجه الناس بإيمانه بعيدا عن (الكنيسة)، والتي اتخذت قرارها بمنع كتبه حتى وفاته عام 1910، فـ(تولستوي) لم يرفض وصايا (الكنيسة) وتطبيقاتها فحسب، بل رفض الحضارة وصناعتها الحديثة، بل تمادى برفضه سلطة الدولة، لذلك نجد بان (تولستوي) في كثير من مواقع الرواية يقف عن سرد أحداثها ويمضي في طرح رؤيته ومواقفه الفلسفية اتجاه كثير من أمور الحياة.. والطبيعة.. والتاريخ.. و الحرية.. والقوة.. والإرادة، ولهذه الأسباب يكون تلخيص الرواية بأجزائها الأربعة الطويلة؛ أمر مستحيل، لان فيها جملة من الأفكار وأطروحات فلسفية لا يمكن تجاوزها خارج أيطار ما جاءت بها رواية (الحرب والسلم)، لان (تولستوي) ضمن روايته وجه انتقادات كثيرة على (المؤرخين) و محاولاتهم في تفسير (تاريخ الإحداث)، الأمر الذي قاده إلى الاعتقاد بان (المؤرخين) لم يستطيعوا تناول (التاريخ) بشكل سليم؛ بقدر ما أساءوا إليه؛ بكونهم كانوا يختارون (أحداث) معينه ويركزون على عدد قليل من الأفراد؛ وهذا هو خطئهم الكبير؛ لأنه يسلطون الضوء على بقعة معينه من (التاريخ) ويتجاهلون عمدا أو بقصد جوانب أخرى منه؛ وقد تكون تلك الجوانب هي أهم ما في التاريخ، بالإضافة إلى ذلك، فهم (لا) يركزون على معرف الأسباب بقدر ما يركزون على الأسباب التاريخية فيقول (تولستوي):

 (( لا يوجد، ولا يمكن أن يوجد، سبب لحدث تاريخي؛ عدا السبب وراء كل الأسباب…))، فـ(تولستوي) يشبه التركيز على الأسباب بقوله:

 (( بأن الأرض ثابتة وأن الشمس والكواكب الأخرى تدور حولها، ولهذا فإن مثل هذه الرؤية لا تصلح كتفسير لقوانين حركة الكواكب، لأن تركيز المؤرخين – كما يقول تولستوي – على الأسباب يعميهم عن رؤية قوانين التاريخ، لان اكتشاف هذه القوانين تصبح ممكنا فحسب عندما نتجاهل محاولة العثور على السبب وراء إرادة رجل واحد، وسواها كسواء اكتشاف قوانين حركة الكواكب لتكون ممكنة فحسب حينما لا تؤمن الناس عن فكرة ثبات الأرض…))، ليمضي بهذه الأفكار في تجسيدها عبر شخصيات الرواية وعن إمكانية أبطال الرواية في صناعتها، وبذلك حاول (تولستوي) تسلسل الأحداث وفق حبكة متوازنة بين الفعل وتطبيق رؤيته الفكرية عبر مواقف فكرية بحته تتحاورا شخصياته ضمن أطرها الفكرية والفلسفية، ومن خلال هذا الأفكار والأطروحات أراد (تولستوي) من خلال روايته تحليل هذه الأفكار عبر شخصيات الرواية فجاءت روايته مفعمة بأفكار فلسفية التي طرحت الكثير من ألأسئلة الشائكة؛ سواء من كان من إبطال روايته كـ(نابليون بونابرت) و(القيصر الروسي ألكسندر الأول)، بقوله:

 ((..هل لهؤلاء لهم قوة الإرادة في صنع الحدث أم أنهم كانوا جزءا من حتمية التاريخ والتحكم بمساره بالعبثية……؟))، لذلك كان (تولستوي) لا يصنع الحدث عبر أبطال الرواية، بل كان (ناقدا) للمواقف التي يسير عليها هؤلاء الأبطال، بل يسخر من اندفاعهم الحميم وراء الثقة العالية بأنفسهم؛ لدرجة التي ضنوا هؤلاء ومنهم (نابليون) بان (التاريخ) هو تاريخ الذي يصنعه هو بنفسه وليس الأخر. في وقت الذي اعتبره (تولستوي) أداة مسيره في التاريخ لا معنى لها، لان اعتقاده – كما نوهنا إليه سابقا – كان يتجه بكون (التاريخ) ليس هو من يصنعه الرجال الكبار أمثال (نابليون) بل الذي يصنعه؛ هو (الآخر)، الذي تحتم صناعته جملة من تفاصيل وأسباب كثيرة في تراكمها، مناقضا كل أطروحات (المؤرخين) القائلة: بان (التاريخ) هو من يصنعه ومن يتحكم بصيرورة تاريخ الشخصيات السياسية الكبرى.

لتكون رواية (الحرب والسلم) بما طرحته من أفكار وأسئلة؛ نقطة تحول في قيمة الرواية في طرح الأفكار ومناقشتها بشكل مثير بما يعمق ويطور عقل المتلقي ومدركاته في تحليل كل ما يحيط بوجوده وكيانه النفسي والسلوكي وفق اطر فلسفية ومعرفية تنمي قدرات العقل والإدراك في ذهن الفرد بهذا الشكل أو ذاك.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*