الرئيسية | منبر الموجة | وهم نظرية المؤامرة

وهم نظرية المؤامرة

مواقف:

 

إذا قرَّرتَ يوماً أن تحيكَ مؤامرةً ضخمةً، تراجع! فقد يذهبُ تعبُكَ هباءً وقد تبوءُ المؤامرةُ بالفشلِ، إنّها نصيحةٌ من باحثٍ في جامعةِ “اوكسفورد” “OXford University” حيثُ أشارت دراسةٌ أجراها الدكتور دايفيد روبرت غريمز ،David Robert Grimes إلى أنَّ مشاركةَ مجموعة من الناس بمؤامرةٍ ما سيقودُهم حتماً إلى إفشاءِ أسرارِ تآمرِهم.

بدأ الأمر عندما لاحظَ غريمز إيمانَ العديدِ من الأشخاصِ بالمؤامراتِ المتعلِّقةِ بالقضايا العلمية، وبحُكمِ عملِهِ كفيزيائيٍّ في مجالِ بحوثِ السَّرطانِ وكونِهِ كاتباً علمياً ومذيعاً تلفزيونيّا،ً فهو يتواصلُ دائماً مع العديدِ من المؤمنين بتلكَ المؤامراتِ، ممَّا دفعهُ إلى البحثِ عن صحَّةِ إدّعاءاتهم.

تحدَّثَ غريمز عن بحثه قائلاً: “تدورُ العديدُ من نظريَّاتِ المؤامرةِ حولَ العلومِ؛ قد لا يضرُّكَ كثيراً الاقتناعُ بأنَّ الهبوطَ على سطحِ القمرِ حادثةٌ ملفَّقةٌ، بينما تصديقُكَ معلوماتٍ مغلوطةٍ عن اللُّقاحاتِ قد يهدِّدُ حياتَك!”

كما أضاف: “بينما يشاعُ في الأوساطِ العلميَّة نبذُ نظريَّاتِ المؤامرةِ وجميعِ أنصارِها، آثرتُ اتّباعَ نهجٍ معاكسٍ في دراسةِ هذا الموضوعِ، حيثُ بحثتُ في إمكانيَّةِ حياكةِ هذهِ المؤامراتِ، واضعاً تحتَ المجهرِ الشَّرطَ الأوَّلَ لأيِّ مؤامرةٍ قابلةٍ للتَّطبيقِ، ألا وهو السِّريَّة !.

سيرُ الدِّراسة:

وضعَ د.غريمز معادلةً تدرسُ احتماليَّة فضحِ المؤامرةِ سواءَ كانت عن قصدٍ بواسطةِ (مُفشٍ للأسرارِ) أو بشكلٍ غيرِ مقصودٍ عبرَ (زلّة لسانٍ من أحدٍ ما)، وترتبطُ هذهِ المعادلةُ بعدَّةِ عواملٍ منها عددُ المتآمرين، ومُدَّةِ المؤامرة الزَّمنيَّةِ، وحتَّى تأثيرِ موتِ أحدِ المتآمرين إمّا بطريقةٍ طبيعيَّةٍ أو بالقتلِ المتعمدِ، كما تتطلَّبُ تخميناً واقعيَّاً لفرصِ كشفِ المؤامرةِ عن طريقِ شخصٍ ما، وهذا يشملُ أيضاً المؤامراتِ الّتي لا تتطلَّبُ التزاماً دائماً مدى الحياةِ من المتآمرين.


وبعد ذلكَ، تفحَّصَ غريمز أربعَ مؤامراتٍ معروفةٍ لكي يفهمَ مدى إمكانيَّة حبكِها؛ حيثُ قَدَّرَ العددَ الأقصى من الأشخاصِ المطلوبين لكي يشاركوا في حبكِ تلكَ المؤامراتِ، والتي شَمَلتِ الإدِّعاءَ بأنَّ الهبوط على سطحِ القمرِ هو مجرَّدُ خدعةٍ من قبل الولاياتِ المتَّحدة (وتتطلَّبُ 411000 شخصاً مشاركاً في حبك هذه المؤامرة)، والنَّظريَّةُ الَّتي تعتقدُ بأنَّ التغيُّراتِ المناخيَّة أمرٌ وهميٌّ (وتتطلَّبُ 405000 شخصاً)، كما يعتقدُ الكثيرون ومن بينهم بعضُ شركاتِ الأدويةِ أنَّ علاجَ السَّرطان قد أُخفي من قبلِ شركاتِ الأدويةِ العالميَّةِ الرَّائدةِ (وتحتاج هذه النظريةُ 714000 شخصا). نظريَّةٌ أخرى تفترضُ أنَّ اللُّقاحاتِ العالميَّةِ غير آمنةٍ؛ حيث يعتقد 22000 شخصاً أنَّ منظَّمةِ الصِّحة العالميَّة والمراكز الأمريكيَّة لمكافحة الأمراضِ هم من المتآمرين، ويصبح العدد 736000 شخصاً إذا ما شملنا الشركات الأدويةِ الأخرى. مع الإشارةِ إلى أنَّ في كلِّ حالةٍ، كانَ كلٌّ من عددِ المتآمرين والوقتَ المنقضيَ حتَّى كشفِ المؤامرةِ يُحدَّد من قبلِ الباحثِ بأرقامٍ زائدةٍ عمَّا هي عليهِ حقيقةً، وهذا لكي يضعَ مسافةَ أمانٍ لبحثِه (بأنَّ احتمالَ فضحِ المؤامرةِ سيكونُ ضعيفاً وذلكَ لصالحِ المتآمرين).

توصَّل غريمز بالحساب مستخدماً المعادلةِ إلى أنَّ خدعةَ الهبوطِ على سطحِ القمرِ من المفترضِ أن تُكشفَ خلال ثلاثِ سنواتٍ وثمانيةَ أشهرٍ، وخدعةَ التَّغيُّرِ المناخيِّ خلالَ ثلاثِ سنواتٍ وتسعةِ أشهرٍ، وأنَّ مؤامرةَ اللُّقاحاتِ ستفضحُ في حوالي ثلاثِ سنواتٍ وشهرَين، أما علاجُ السَّرطانِ الخفيِّ فقَدْ يُكشفُ في غضونِ ثلاثِ سنواتٍ وثلاثةَ أشهرٍ، أي ببساطةٍ أيٌّ من هذهِ المؤامراتِ -في حالِ وجودها- كان من المفترضِ أن تُكشفَ قبل وقتٍ طويلٍ، ولا يمكنُ أن تبقى سِريَّة حتى يومنا هذا !

كما أنّه لاحظَ الرَّابط بين العددِ الأعظميِّ للمتآمرين وزمنِ استمراريَّة المؤامرةِ قبلَ كشفها، فلمؤامرةٍ تستمرُّ خمسَ سنواتٍ، لا يمكنُ أن يشتركَ بها أكثرُ من 2521 شخصٍ، ولكي تحافظَ على مشروعٍ ما بسريَّةٍ لأكثرِ من عقدٍ، يجبُ ألَّا يتجاوزَ العددَ العارفين بالسِّرِّ 1000 شخص، كما أنَّهُ لتستمرَّ خدعةً ما لقرنٍ من الزَّمنِ يلزمُ ألَّا تضمَّ أكثرُ من 125 متآمراً، حتَّى أنَّ التَّستُّرَ البسيطَ حولَ حدثٍ ما، الَّذي لا يحتاجُ إلَّا إلى التَّكتُّمِ عن الحديثِ عن الموضوعِ سيُكشفُ إذا زاد العددُ عن 650 عارفٍ بالأمرِ.

وقد وضّحَ غريمز بقوله: ” ليسَ بالضَّرورةِ أن يكونَ كلُّ مؤمنٍ بنظريَّة المؤامرة شخصاً غيرَ عقلانيٍّ أو غافل، لكنَّني آملُ أنَّ إظهاري كم أنَّ هذهِ المؤامراتِ غيرُ ممكنة التَّطبيقِ، ربَّما يدفعُ بعضَ النَّاسِ إلى إعادةِ تفكيرِهم ببعضِ قناعاتِهم اللّاعلميَّةِ.”

لن يُقنع هذا الجميعَ بالطَّبع، لكن لدينا الآنَ أبحاثاً تمنحُنا إثباتاتٍ مُسهبةً أنَّ الاعتقادَ بنظريَّةِ المؤامرةِ هو في أغلبِ الحالاتِ أمرٌ تصوريٌّ أكثر كونه عقلانيٌّ. كما نلاحظُ أنَّ هذهِ النَّظريَّاتِ تزدهرُ عندما تكونُ بمثابة صدى لموضوعٍ شائكٍ ما، ممَّا يجعلُ تحدِّي المشكلاتِ الصَّعبةِ أمراً أكثرَ تعقيداً بسببِ إيمانِنا بهذه النَّظريَّات الَّتي تُشتِّتنا عن حلِّ مشكلاتِنا الحقيقيَّةِ، فإذا أردنا أن نعالجَ الصُّعوباتِ الكثيرةِ الَّتي تُهدُّدُ وجودَنا البشريَّ على سطحِ هذا الكوكبِ، بِدءاً من التَّغيُّرِ المناخيِّ وصولاً إلى المشاكلِ السِّياسيَّة، سنحتاجُ حتماً إلى أن نكونَ أكثرَ واقعيَّةٍ وأن نبتعدَ عن تلكَ الأفكارِ التَّصوريَّةِ المُبهمَةِ.

 

المصدر: هنا

الكاريكاتير المرافق عن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*