الرئيسية | ترجمة | من أجل نظرية للتغير | إدغار موران، ترجمة: مصطفى ناجي

من أجل نظرية للتغير | إدغار موران، ترجمة: مصطفى ناجي

إدغار موران

ترجمة:  مصطفى ناجي

 

تقديم :

يعبر موران في هذا النص عن رؤية عميقة تغوص بالقارئ في العوالم المعقدة للمجتمعات الحديثة،  وما تستلزمه مقاربتها من عمق سوسيولوجي يحتم على الدارس تجاوز المقاربة الكلاسيكية القائمة على وضوح الظواهر ووضوح تصنيفاتها. لقد أصبح السوسيولوجي ملزما بإعادة النظر في مقدماته وأدواته لكي تتأقلم مع مجتمعات أصبحت مركبة أو مفرطة التركيب إلى درجة يصعب معها على العقل البشري أن يستوعبها في شموليتها باستخدام أدوات التحليل المألوفة. وككل فيلسوف، فإن موران يرتاد هنا عالما نظريا بكرا، ولا يتهيب ما تستلزمه جدته من غرابة وغموض. إنه دعوة إلى مغامرة فكرية رائدة لا تستكين إلى تقاليد البحث المتداولة. وقد قال موران في سياق آخر: إن الإقرار بتعقيد الواقع الحديث والوقوف عند هذا الحد يعتبر تهربا من مسؤولية التفكير والبحث. وبشجاعة المفكر وجرأته، يضع موران المفكرين أمام مسؤوليتهم في المواكبة المعرفية  لواقع  أضحى معقدا  سريع التطور. (المترجم)

نص إدغار موران:

رأينا أن مفهوم النسق المركب لا يعني فقط أن هذا النسق يشغل عددا كبيرا من الوحدات (فالجسم الحي يمكن أن يتضمن ملايير الخلايا المترابطة والمتفاعلة فيما بينها). إنه يعني :

أ – أن هذا الخليط من التفاعلات يصل درجة يستحيل على العقل البشري، حتى في حالات مثالية، أن يدركها بواسطة التحليل. ومن ثمة لا معنى لأن نقوم بعزل المتغيرات من أجل إدراك نسق أو حتى نسق أعلى ، في مجموعه؛

ب – أن الأنساق المتعددة الحالات تخلق تارة وتزيح تارة أخرى مجموعة من الإكراهات والحالات الجديدة، أي أنها تنجز قفزات نوعية داخلية تتحدى التحليلات الكلاسيكية؛

ج – أن الأنساق المركبة تشتغل بقدر من عدم اليقين ( بقدر من الضجيج)، والحال أن “الضجيج” يشوش على الآلات.

لقد بين فون نيومان Von Neumann أن صلاحية آلة ما تكون أدنى من صلاحية كل قطعة على حدة من قطعها، في حين أن صلاحية الجسم الحي تتزايد باستمرار. ذلك أن الجسم الحي، وبفضل قدرة كل أعضائه على الوصول إلى نفس الغاية انطلاقا من نقط انطلاق مختلفة، وبفضل قدرة الأعضاء على نقل وظائفها إلى أعضاء أخرى، وقدرتها على إصلاح أعطابها ذاتيا …الخ، ينمي من تلقاء نفسه حتميته البيولوجية، بل ينمي حتمية مركبة من عناصر متعددة ومتصلة ببعضها؛ لكنه يستخدم الشك، الصدفة، والتناقض لتحقيق ذلك، ومن ثمة يصبح أكثر عجزا عن التحكم في هذه الحتمية المركبة.

وهكذا فإن تزايد الطابع المركب للنسق يمكن أن يفهم كنمو لحتميته الداخلية ، ولحالات الفوضى والشك واللايقين المرتبطة بتزايد قدراته التنظيمية.

التركيب المفرط l’hypercomplexité

مهما بلغت درجة الدهشة التي يثيرها فينا التركيب، ومهما كان حجم إعادة البناء المعرفي التي يفرضها، فإنه مع ذلك مفهوم متجاوز بمفهوم آخر هو التركيب المفرط الذي يمثل إعادة تنظيم كيفي جديد.

1 – انخفاض الإكراهات

ما المقصود بنسق مفرط التركيب؟ إنه نسق يخفض إكراهاته وينمي قدراته التنظيمية، وخاصة قدرته على التغير.

إن الدماغ البشري، وكذا المجتمعات الحديثة من خلال بعض سماتها، تشكل أنساقا مفرطة التركيب جزئيا.

إن التركيب لا يمكن أن يتحقق دون برمجة قوية (وراثية بالنسبة للأجسام الحية، وسوسيوثقافية بالنسبة للمجتمعات القديمة والتقليدية)، ودون تراتبية قوية، أو درجة عالية وصارمة من التخصص لدى العناصر التي تكونه.

أما التركيب المفرط  فيعني من جهته ضعف أو زوال المبادئ الصارمة للبرمجة وزوال التراتبية والتخصص، وذلك لصالح استراتيجيات للخلق والإبداع، ولصالح تعدد الوظائف (لدى الوحدات الأساسية أو الأنساق الفرعية)، ولصالح تعدد مراكز المراقبة ومراكز القرار. ندرك ذلك حينما نعاين الدماغ البشري، حيث نلاحظ ضعفا في درجة تخصص الوحدات التي تكونه (الخلايا العصبية)، ونلاحظ أن العلاقة بين المخ والمخيخ وجذع المخ علاقة تفاعل وليست علاقة هرمية متصلبة، كما نلاحظ غياب مركز حقيقي للسلطة،  وبدلا منه نجد مراكز متعددة نشيطة ومتفاعلة فيما بينها. إن التركيب المفرط خاصية توجد بالقوة في المجتمعات البشرية، بمعنى أن كل فرد داخل المجتمع يمتلك المؤهلات النبيلة، المؤهلات المفرطة التركيب (دماغا يفكر)، وبمعنى أن تقسيم العمل ليس خاصية مادية ملازمة للأفراد أو الطبقات أو النخب الاجتماعية (خلافا لمجتمعات الحشرات). هذه المجتمعات البشرية تنزع نحو التركيب المفرط بمعنى أن التراتبيات تسير نحو الانحلال، ومراكز القرار تسير نحو اللامركزية والتعدد، كما تبدأ سلسلة عمليات اللاتخصص (تعدد الأنشطة، تنوع الأدوار الاجتماعية). ولكن من الواضح أن المجتمعات، وحتى الأكثر تطورا منها لازالت في طور التركيب من خلال سمات لم تصل بعد طور التركيب المفرط.

2 – انعدام الدقة l’imprécision:

إذا كان التركيب يفرض درجة قوية من الانتقاء على “الضجيج” والصدفة والحدث الخارجي ( وهي عناصر يتم اختزالها، حبسها وإقصاؤها بواسطة الأجوبة المبرمجة والإكراهات والتوازنات والإجراءات الغائية)، فإن التركيب المفرط يستخدم الضجيج بقوة، كما الصدفة والحدث. إن التركيب يرتوي بالضجيج، أما التركيب المفرط فينغمس فيه. إن التركيب المفرط يستخدم الضجيج لكي يغني معلوماته باستمرار، أي لكي يتعلم، ينمو ويتطور.

بناء على هذا فإن الظواهر غير الدقيقة تشكل سمة خاصة من سمات التركيب المفرط. وبالكاد بدأنا نتعرف عليها ونفكر فيها (خاصة عن طريق رياضيات المجموعات الضبابية fuzzy sets). وسيكون من غير المجدي أن نطبق عليها مفاهيم بالغة الدقة، وقياسا كميا يقينيا: إن الصرامة الحقيقية لا تكمن في المنهج الصارم، ولكن في المرونة والاعتراف بغياب الدقة: إن التفكير الشمولي والمشاريع النظرية الجديدة وحدها القادرة على فهم انعدام الدقة.

3 –التعديل  la modification :

إن النسق المركب موجه أساسا بعملية الضبط، بالقدرة على الاستمرار الذاتي، وعلى إعادة الإنتاج الذاتي. أكيد أنه كلما ازداد تعقيدا، أصبح قادرا على التغير الذاتي الهائل بواسطة التعلم. ولكن إجراء توالده ( إعادة إنتاجه) لا يمكنه أن يتطور إلا بشكل مفاجئ وبواسطة حادث عرضي ونادر جدا.  أما النسق المفرط التعقيد فإنه يتغير دون توقف: إن الدماغ البشري يتغير بيوكيميائيا عند كل عملية يقوم بها. وإن تصورات المنظومة الذهنية (الرؤية للعالم، الإيديولوجيا) يمكن أن تتغير (في كل لحظة) بحكم التجربة المكتسبة. والمجتمعات الحديثة هي أيضا مجتمعات في تطور مستمر. إن النشاط الكلي داخل النسق المركب لا يعدل إجراء التوالد، أو يعدله في حالات نادرة (كما في الجسم الحي حيث لا يتأثر الحمض النووي بالنشاط الكلي، أو كما في المجتمعات القديمة حيث تكون معايير النشاط الثقافي محمية بقوة بواسطة المقدس، الطابو، المقنن، الطقوس، وتتم معارضة كل جديد). أما في الأنساق المفرطة التركيب، فإن التمييز بين إجراءات التوالد والنشاط الكلي يصبح أقل وضوحا، وتصبح العناصر أكثر تداخلا… وينزع المركز المرجعي إلى التطور.

كل هذه السمات تبرز مجتمعة أن التركيب المفرط يتجه بدرجة أساسية نحو تنظيم أكثر دقة بقدر ما هو أكثر بعدا عن اليقين، وأكثر تنظيما بقدر ما هو أكثر فوضوية، قدرته الأساسية هي القدرة على التطور، بل التطور المستمر. إن التركيب المفرط قادر على الحفاظ على هويته الخاصة في خضم التغيير الذي يتيح له اكتساب خصائص جديدة، ولكنه يعرضه أيضا لمخاطر دائمة. إنه يستعين باستمرار بالقدرة الجديدة على إعادة التنظيم،، وهو ما يجعله في حاجة إلى نوع من الفوضى.

ومن هنا تأتي النتائج البالغة الأهمية المتعلقة بمشكل الوظيفية ومشكل التشخيص.

4 – الوظيفية والتشخيص داخل الأنساق المفرطة التركيب

يكون النسق المركب مبرمجا على ضوء أهدافه المحددة، ويمكن أن تعتبر أنشطته وظيفية أو غير وظيفية بالنظر إلى هذه الأهداف القابلة للجرد. ومع ذلك، فإن كانط قد لاحظ أن الغايات الحقيقية لمنظومة حية غايات غير معروفة، وأن هناك شكا فيما يخص الأهداف والوسائل داخل الجسم الحي. واكتشف السيبرنيطيقيون، من نواح أخرى، أن الغاية في نسق متعدد الأهداف تصبح غير يقينية. ويمكننا أن نتساءل: هل تحلم “الأميبا” بالتوالد؟ (جاكوب)؛ هل تحلم بالأيض؟ وبعبارة أخرى: هل نعيش من أجل الحياة أم من أجل البقاء على قيد الحياة؟ أم هل نأكل كي نعيش أم نعيش كي نأكل، أي كي نستمتع؟  (بغض النظر عن المفارقة).

إن التعلم، التطور والنمو يبطلون بعض الغايات، ويفرزون غايات جديدة. فالإكراهات تتناقص، والشك المتزايد يشمل الغايات نفسها. بل يمكننا أن نزعم أن النسق المفرط التعقيد لا يمكن أن يصل إلى أقصى درجاته. إن طبيعته غير اليقينية وطبيعته التطورية وجهان لحقيقة واحدة.

إن الدرجة القصوى للمجتمع المتطور هي أن يصبح نسقا مفرط التعقيد حقيقة، ولكن لا يمكن القول إن غايته هي النمو الاقتصادي أو سعادة الأفراد. ولا يمكننا القول، بصفة عامة، إن غاية المجتمع هي الفرد، أو إن غاية الفرد هي المجتمع، أو إن غايتهما مع هي النوع البشري، الخ. وإذا كانت غاية الإنسان (منظورا إليه في نفس الوقت كنوع ومجتمع وفرد) فإن هذا يقودنا إلى تناقضات وشكوك، تناقضات وشكوك دينامية حقا، تؤسس التعقيد المفرط البشري دون شك، ولكن لا يمكن أن نستخرج منها أي مقياس لوظيفية واضحة وذات بعد واحد.

وهكذا فإن المقاربة الوظيفية بقدر ما تستجيب لموضوعات محددة داخل الأنساق الثابتة والمستمرة من تلقاء نفسها بصورة خالصة، فإنها يمكن أن تؤدي بنا إلى الخطأ في ما يخص التطور المفرط التعقيد.

وكذلك الأمر بالنسبة للتشخيص، وهو الوجه الآخر للوظيفية. فيما يخص التركيب، فإن الانزياح عن القاعدة (البرنامج، الوظيفة) يكون تشخيصيا، ويؤدي غالبا إلى التدهور والانحدار إلا في حالات نادرة جدا حيث يتحقق تحول يؤدي إلى اكتساب خاصية جديدة. أما في حالة التركيب المفرط، فإن الانزياح قد يكون تشخيصيا إذا كان فقدا لخاصية من الخصائص التركيبية أو التحليلية؛ ولكنه قد يكون أيضا تجديدا. إن تشخيص التركيب المفرط يصبح مفرط التركيب، حين يصبح الانحراف مرادفا للإبداع، وحين يصبح التغيير عنصرا مكونا لمنظومة يصبح التطور معيارها، وهو ما يعني أن يتحول الانحراف إلى قاعدة،  والقاعدة إلى انحراف.

هكذا يفرض علينا التركيب المفرط إعادة صياغة إبستمولوجية، وإعداد تصور نظري مناسب، واستخدام منهج تشخيصي ملائم للموضوع في شموليته.

هذا أمر ضروري خاصة وأن المجتمع الحديث مجتمع مركب ومفرط التركيب في نفس الوقت ليس فقط على مستوى طبقات معينة، ولكن أيضا حسب عمليات تركيب متغيرة تعدلها الحالات الداخلية والوقائع الخارجية، ففي هذا المجتمع يمتزج الضبط بالتغيير، وتتراكم عمليات ضبط التوازن الذاتي وعملية التغيير مما يزيد الأمر تعقيدا.

ومهما يكن، فإن التركيب المفرط يبين لنا أن انعدام الدقةّ والشك والاستراتيجية والتجديد عمليات مترابطة فيما بينها. وبمعنى أوسع فإن نظرية التركيب المفرط تلتقي مع نظرية التطور.

التغير الاجتماعي

1 التغير

يميل الناس  بشكل مفرط إلى اعتبار التطور ظاهرة ممتدة في الزمن. يمكننا بالتأكيد أن نرسم منحنيات للنمو، ومتجهات للتطور، وخطاطات للتنمية. لكن هذه التمثيلات البيانية أو النظرية يجب ألا تحجب عنا الرؤية الشمولية للواقع: إن التطور حصيلة تغيرات متعددة؛ وهي تغيرات يجب أن ينظر إليها كقفزات أو قطائع ضمن سيرورة قد تكون دورية متكررة؛ إن أي تغيير يمكن اعتباره توقفا (للتوازن أو الضبط الذاتي)، وفي النهاية، فإن كل تطور يمكن اعتباره اختلالا (جزئيا، محليا أو عاما) تتلوه إعادة تنظيم، أي أنه ينتج  إعادة تنظيم تتعرض بدورها لتغيير جديد.

إذا نظرنا إلى النمو من زاوية المتغيرات المحكومة بالتزايد (السكان، الناتج الداخلي الخام، الخ)، فإنه سيبدو ظاهرة ممتدة في الزمن. ولكن إذا نظرنا إليه من زاوية الضبط الذاتي للمنظومة التي يندرج ضمنها، فإنه سيصبح عبارة عن سلسلة من القطائع في التوازن والضبط الذاتي: إن نمو عنصر ديموغرافي مثلا قد يؤدي إلى خلخلة المجموع الذي ينتمي إليه إذا لم يواكبه نمو مناسب للعناصر الأخرى (إذا حدث تزايد سكاني ولم تواكبه زيادة في المواد الغذائية؛ أو إذا لم يتزامن ارتفاع الأسعار مع الزيادة في الأجور ، مثلا). إلا أنه لا وجود للنمو المتزامن والعام داخل النسق المركب أو النسق المفرط التركيب، ما لم يكن هذا النمو المتزامن موضوع تخطيط مسبق (موضوع تخطيط وراثي مثلا (بالنسبة للجسم الحي)). وفي ما يخص المجتمع، فإن النمو ظاهرة غير متكافئة؛ ذلك هو معنى “قانون” مالتوس (حين يتحدث عن اللاتكافؤ بين التزايد السكاني وتزايد المواد الغذائية)، ومعنى “قانون” لينين (لا تكافؤ التنمية). إن النمو، وهو ظاهرة غير منظمة بامتياز ( حيث يتراجع بين الحين و الآخر)، هو أيضا مصدر اختلال متزايد.

ولكن الاختلال يفرز طبعا مشاكل وصراعات وإعادة توزيع، ومن خلال ذلك يفرز عمليات إعادة تنظيم جديدة؛ إن المجتمع يقوم بعملية تعديل كي يتأقلم مع نمو عنصر جديد، أي أنه سيعرف عملية اختلال واستعادة التوازن، (مع احتمال تعرضه للفشل)، بمعنى أنه سيتطور. ولكننا نرى أن النمو يشكل مصدرا لعدة أحداث (قطائع، صراعات، محاولات أو نجاح في استعادة التوازن)، أي أن النمو، وهو العنصر الأكثر انتظاما، والأقل اضطرابا، والأقل تشويشا على الظواهر، يحمل في ذاته اللانتظام، الاضطراب والتشويش.

يصعب أحيانا أن نميز بين النمو والتنمية، ليس لأن المفهومين يشملان مجالين مختلفين، ولكن لأنهما يتعلقان بنفس الظواهر. إن نموا معينا يحمل بالقوة إمكانيات غنية للتنمية، أي إمكانيات التحول التي يتيحها الاختلال واستعادة التوازن. إن النمو هو المصطلح المناسب لمتغير معزول؛ أما التنمية فهي المظهر الشامل للتعديلات المتسلسلة المتجهة نحو التركيب والتي ستؤدي إلى بروز التحولات.

إذا نظرنا الآن إلى التطور، ليس فقط من خلال تجليات نزوعه ( نحو النمو، التنمية وأيضا نحو تناقص  وتراجع عناصره التي أفرزها نمو وتطور عناصر أخرى)، وإنما كذلك من خلال مصدره، فإننا سنجد ما يمكن أن نسميه تجديدا. والتجديد قد يأتي من الخارج أو من الداخل، ويمكن أن يشكل تهديدا للنسق أو يشكل على العكس من ذلك حلا له، قد يكون تفكيكا للنظام أو أملا في استعادة النظام؛ إن التجديد كقوة مستعيدة للنظام، يخلق بالضرورة مسلسلا من الإخلال بالنظام . وهكذا، فإن النمو والتنمية والتجديد يقولون لنا نفس الشيء، ولكن على مستويات ووفق سجلات مختلفة: يقولون إن التطور ينحل إلى مجموعة من ظواهر تفكك النظام واستعادة النظام.؛ ويقولون إن العناصر المخلخلة للنظام يمكن (في بعض الشروط) أن تكون عوامل نمو وتطور وتغيير؛ ويقولون إن القابلية لاستعادة النظام يمكن أن تسير في اتجاه التركيب.

2 – التجديدla nouveauté  :

في أصل كل تغيير، توجد شروط ظهور التجديد. إن التجديد يشكل دائما حدثا، أي تشويشا وخللا وشيئا غير متوقع بالنسبة للقاعدة أو للمعدل الإحصائي. يبدو الجديد إذن دائما كانزياح يقع في المنطقة الهامشية أو المنحرفة عن الظواهر العادية. إن الجديد الذي يمثل تحولا لدى الكائنات الحية انزياح أو انحراف نادر جدا. ومع ذلك فإنه يشكل أساس كل تطور بيولوجي. إن ما يميز النسق المفرط التعقيد هو مضاعفة إمكانيات التجديد، لكن هذه الإمكانيات تشكل دائما انزياحا، وتبدو في بدايتها دائما كانحراف، وكحالة شاذة وغريبة.

3 – من الانحراف إلى الاتجاه الجديد tendance

لا يحمل كل انزياح في ذاته تجديدا أو تغييرا أو تطورا؛ إنه لا يحمل إكراها مزدوجا schismogenèse إلا إذا أتيحت له شروط الامتداد والتطور؛ يجب عليه أن يتسم بالتوالد، وبمقاومة الارتدادات السلبية، وبتجاوز العتبات، وبخلق أصداء وحوافز (تراجعات إيجابية)، وباختصار، يجب أن تولد نزعة جديدة انطلاقا من أوساط ضيقة جدا، وظواهر محدودة جدا ( بل وحتى انطلاقا من الفرد أو من الحادث العرضي). إن نمو اتجاه جديد ظاهرة بالغة الأهمية، ولكنها أيضا بالغة التعقيد: إن النزعة الجديدة رد فعل إيجابي، وانحراف ينمو من تلقاء ذاته؛ ولكنه ممتد (في الزمن) ، معرض للعوائق، تكبحه ردود الفعل السلبية، وإلا تحول إلى وباء واندفاع مجنون.

إذا نظرنا إلى النزعات الجديدة في المجتمعات الحديثة (المفرطة التعقيد)، سنلاحظ أن مفاهيم رد الفعل الإيجابي ورد الفعل السلبي لم تعد كافية، والسبب هو أن هذه النزعة تصبح، ابتداء من لحظة ما، محكومة بجدلية غير يقينية بين الإيجابي والسلبي. حينما تصبح هذه النزعة قوية، مهيمنة، هنا تتشكل نزعة مضادة تبدو من جهة أولى كاستعادة توازن خلقه رد فعل سلبي عميق، أي كعودة إلى القديم، ومن جهة أخرى تبدو كجديد وكقطيعة بالنسبة للنزعة المعيارية المهيمنة. ففي المجتمعات الحديثة التي تعرف تطورا مستمرا، يتشكل المعيار من النزعات المهيمنة –النزوع إلى التصنيع، النزوع إلى التمدن- وهو ما ستعترض عليه نزعات مضادة غير النزعات “الرجعية” الكلاسيكية؛ وإنما نزعات غامضة متجهة نحو المستقبل ونحو الماضي (في نفس الوقت) (نزعات طبيعية جديدة –مدافعة عن الطبيعة-، ماضوية جديدة، قبلية جديدة). إن ما يمكن أن نسميه ضبطا في مجتمعاتنا، هو في الواقع تفاعل معقد بين نزعات ونزعات مضادة، بين تشويشاتها المتبادلة التي تصبح بمعنى ما تصحيحات متبادلة.

وهكذا، فإن ما كان تكونا جنينيا بالأمس يصبح اليوم تقليديا، وهو ما يتولد عنه إكراه مزدوج، وهكذا دواليك.

حينما تصبح نزعة ما مهيمنة، فإنها تصبح متجانسة مع النسق. إن التطور الصناعي الذي شكل نزعة في المجتمع القروي سابقا يصبح، بواسطة التنمية والدعم والتجذر سمة مكونة  “للمجتمعات الصناعية”. إن النزعة تصبح سمة عضوية حين يصبح طابعها الشامل جزءا من العملية التوليدية. حينئذ تكون عملية التشكل الجنيني قد تحققت.

4 – التركيب المفرط والتطور

إذا كان التركيب المفرط والتطور عنصرين متداخلين، فلأن المجتمع المفرط التركيب تربة مناسبة جدا لظهور الانزياحات والانحرافات، لظهور الإكراهات المزدوجة والتشكلات الجنينية، لظهور النزعات والنزعات المضادة، إن المجتمع المفرط التركيب هو باختصار مجتمع يعج بالأحداث، أي بظواهر جديدة ممكنة.

إن المجتمعات الحديثة ليست فقط شديدة الحساسية للأحداث الخارجية التي تصدر عن المحيط البيئي أو عن المجتمعات الأخرى؛ إنها مؤهلة لامتصاص وتطوير الظواهر الأجنبية الجديدة. كما أنها تفرز من تلقاء نفسها الأحداث والانزياحات بسبب التراخي الذي يسم اندماج عناصرها. إنها تحافظ على لا استقرار دائم يحول في نفس الوقت التكامل الاجتماعي إلى صراع، والاختلاف إلى تعارض، ويجعل تذبذب إيقاعاتها، خاصة حالات الركود الاقتصادي، قادرة على أن تخلق من تلقاء ذاتها انزياحات سوسيولوجية حقيقية (أزمات)، في ظل ظرفية غير مناسبة. إنها مجتمعات ضعيفة الاندماج ثقافيا، ضعفت فيها سطوة المعايير والطابوهات؛ وهي مجتمعات يتم فيها التسامح نسبيا مع الشذوذ والهامشية والخصوصية التي تشكل بذاتها مناطق انزياح سوسيولوجي مناسبة للإكراه المزدوج والتشكل الجنيني. إن الانزياح لا يتموضع فقط في الأوساط الاجتماعية الضيقة الهامشية، بل يمكن أن يوجد في مراكز القرار، بل في دوائر السلطة نفسها حيث يمكن لصناع القرار في بعض الظروف أن يتبنوا تصورات جديدة، فيسمحون لأنفسهم بإحداث انزياحات، أي إحداث انحرافات محركة تمثل تشكلا جنينيا.

ويجب ألا ننسى أن كل فرد يمثل انزياحا بفضل سماته الخاصة. من المؤكد أن أغلب هذه الانزياحات يمكن رصدها إحصائيا واحتواؤها وتذويبها ضمن الأدوار الاجتماعية والمهنية بحيث لا يبقى لها إلا تأثير ضيق. ولكن المجتمع الحديث، بتسامحه مع الانحرافات والخصوصيات، بما فيها الانحرافات الفنية والفكرية والعلمية، فإنه ينفتح على “الضجيج”، على الصدفة، على الأحداث والانزياحات. إن التصرفات والأفكار والاختراعات الجديدة تنطلق دائما من فرد أو مجموعة أفراد. إن استقلالية الفرد شرط ، ليس فقط للتجديد والابتكار، ولكن لبدايات التشكل الجنيني والإكراه المزدوج والنزعات الجديدة والنزعات المضادة، التي سوف يساهم التجديد والمحافظة في تطويرها(1).

كل هذا يبين أن مؤهلات التجديد لدى الفرد قابلة للإدماج ضمن نظرية التغير الاجتماعي. إن خصوصية الفرد وانزياحاته ليست مجرد متغيرات اعتباطية يجب تذويبها داخل الجماعة؛ إنها مواطن ومنابع للتجديد. إنها الموطن الذي يتحقق فيه مبدأ نظام الضجيج l’ordre du bruit الذي تحدث عنه Von Foerster ، وهو مبدأ يمكن بموجبه لحادث عارض أن يساهم في تشكيل نظام جديد، شكل جديد، وتركيب جديد، لأنه يحرك قوى نسقية للاختلال وإعادة التنظيم.

 

( Edgar Morin, pour une théorie du changement, in Sociologie, Fayard, 1984, pp. 191-202)

(1) كيف يمكن أن يتحقق التنبؤ في هذه الحالات؟ لقد سبق لبرونوفسكي Bronovski  أن قال : “إن العملية الإحصائية، رغم أن لها اتجاها، فإنها تتجه دائما نحو المعدل، وذلك بالضبط أمر بعيد عن التطور”. ومن جهتنا، سبق أن دعمنا فكرة مفادها أن المهمة التنبؤية للسوسيولوجيا لا تتمثل في الإصرار على إسقاط التوجهات التقنية الاقتصادية الحالية على المستقبل، وذلك بمنحها نسبة نمو افتراضية، ولكن مهمتها هي التنبيه إلى حالات الركود الدورية، إلى الرمال المتحركة، إلى تجذر (ظواهر معينة)، بما فيها تجذر الظواهر الأسطورية، ومصادر المشاكل الجديدة، الاضطرابات والصراعات الممكنة (إشاعات أورليان، les Rumeurs d’Orléans ص 109). وبعبارة أخرى، إن الأحداث والأزمات هي التي يمكن أن تساهم في التنبؤ، شريطة أن تفهم ضمن شروطها الاجتماعية النسقية، وخاصة ضمن إطار التركيب والتركيب المفرط.  

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*