الرئيسية | فكر ونقد | معالم النقد القديم في “أثر البيئة في الشعر” | عبيد لبروزيين

معالم النقد القديم في “أثر البيئة في الشعر” | عبيد لبروزيين

عبيد لبروزيين

 

عرف النقد الأدبيّ، قديما وحديثا، تحولات كبرى، لعل أبرزها ظهورُ خطاب نقديّ يجعل من القراءة والنقد موضوعا للمساءلة والتمحيص، باعتباره كيانا معرفيا ضمن العلوم الإنسانية. وفي هذا الإطار، تأتي هذه المقالة، لتقديم ومساءلة مؤلف “أثر البيئة في الشعر” للدكتور جلال المرابط، الصادر عن مؤسسة الموجة الثقافية. بل، ربما يمكن إدراجها في نقد نقد النقد، لأن ما قام به الكاتب، يندرج بدوره في نقد النقد، بتتبع أثر البيئة في الشعر عند الناقدين العربيين القديمين، ابن سلام الجمحي في كتابه الأثير “طبقات فحول الشعراء”، وابن قتيبة في “الشعر والشعراء”.

          البيئة هي المعطى الذي تتبعه الكاتب في المصنفين النقديين السالفين، ولكن، قبل ذلك، قام بتحديد المفاهيم في الفصل الأول، ليؤطر دراسته، محاولا أن يستحضر السياقين، القديم والحديث، فتوقف عند مفهوم الأثر والبيئة، اللذين يتضمنهُما العنوان، غير أنه لم يقتصر على ذلك، بل انتقل للحديث عن عوامل تفسير إنتاج النص الشعري، فتطرق لفكرة الإلهام في التراث الإغريقي والعربي، حيث يعزى التفسير القديم للميثولوجيا المرتبطة بربّات وشياطين الشعر. وهكذا كان وادي عبقر، لدى النقاد والشعراء، معقل الإلهام، ومصفاة تجويد الشعر في المخيال الجمعي العربي القديم، غير أن الجانب النفسي، أيضا، حظيَ بدوره بأهمية كبيرة في تفسير إنتاج الشعر لدى الإغريق، خصوصا في الفلسفة الأفلاطونية والأرسطية من خلال مفهوم التطهير، وهو بهذا يركز على التماهي بين التفسيرات في الحضارتين معا.

          يخلص الباحث إلى مركزية مفهوم البيئة في نقد الشعر، قديما وحديثا، نظرا لما تضطلع به كمرجع مشترك بين المبدع والمتلقي، إنها عنصر مابيني جوهري في تحقيق الانزاح بمفهومه عند جون كوهين، ومكون من مكونات بلاغة الإمتاع في البلاغة القديمة، لذلك قيل قديما الشاعر ابن بيئته. ويحضر هذا المرجع من خلال “تعدد تفسيرات النقاد والدارسين، قدامى ومحدثين، لعوامل وأسباب إنتاج النص الشعري العربي القديم، التي تراوحت بين تقديم تفسيرات وفرضيات عديدة. منها ما يرتبط بالرجوع إلى قوى خارجة عن عالم البشر. ومنها ما نحى منحى نفسيا في تأويل قضية إنتاج النص. فضلا عن التفسير الذي يربط الإبداع بالطبيعة. وضمن هذا التفسير الأخير تقع إشكالية موضوع هذه الدراسة”[1].

وبعد أن استعرض الكاتب العوامل السوسيو-ثقافية والنفسية لقرض الشعر، حاول استحضار مفهوم البيئة في نقد الشعر من خلال ناقدين بارزين في النقد القديم، وهما:

ابن سلام الجمحي: قسم الكاتب حديثه عن ابن سلام إلى مباحث، جعل الأول تتبعا للفظ البيئة في تصور ابن سلام الجمحي في كتاب “طبقات فحول الشعراء”. في حين ركَّز المبحث الثاني على قضية البيئة باعتبارها مكونا إنتاجيا للشعر، بينما سَلَّط المبحث الثالث الضوء على جانب من جوانب الموضوع، ممثلا في قضية البيئة بوصفها مقياسا ومعيارا لنقد الشعر، وتمييز الجيد والرديء منه.

         أبرز الكاتب البعد المكاني لمفهوم البيئة في التفكير النقدي لابن سلام الجمحي من خلال بعض الألفاظ الدالة عليه، مثل القبيلة، والبادية، والقرية، والحي، وكان الهدف إظهار دورها في المفاضلة بين الشعراء، وتقسيمهم إلي طبقات، وبيان أسباب كثرة الشعر عند قوم دون آخرين. وهو ما يعتقد الكاتب أنه ينبني على مفهومين جوهريين، الأول يريد به الفحولة، وهو مصطلح مركزي في تصيف طبقات الشعراء، وقد أُخذ من الطبيعة/البيئة ليستخدم في الشعر بعد العودة إلى جذوره المعجمية، ودلالاته الاصطلاحية. وكذلك كان مصطلح الطبقات، حيث ارتبط استخدامه بالدلالة المكانية والبيئية، مثل: شعراء مكة والمدينة، أو شعراء المدر والوبر. وهو ما جعل “ابن سلام الجمحي هنا يَرُدُّ الإنتاجَ الشعريَّ إلى البيئة الطبيعية للشاعر. بل لَكَأنَّه يفرق بين بيئة وأخرى على هذا الصعيد، حين خصَّص الحديث هاهنا عن أثر الريف بصفة خاصة في شعر عدي بن زيد.

ومن جانب آخر ذكر ابن سلام الجمحي لشعراء القرى العربية -كما سمَّاها في طبقاته- أشعاراً يعكسون فيها بيئاتهم. من ذلك ما قاله عن كعب: “وكعب بن مالك شاعر مُجيد قال يوم أُحُد في كلمة:

فجئنا إلى موج من البحر وسطه*** أحابيش منهم حاسر ومقنَّع

فراحوا سراعا مُرْجَعينَ كأنهم*** جَهامٌ هَرَاقَتْ ماءَه الرّيحُ مُقْلَعُ”[2].

كما كانت القلاقل بين القبائل العربية سببا في كثرة الشعر من عدمه، وهو أثر بيئي في أطروحة الكاتب، ذلك أن قريش، مثلا، كانوا مقلين بسبب السلم الذي عم القبائل في تلك الأطراف، وكثر عند الأوس والخزرج بسبب الحرب بينهما. ولهذا، “كان من الفطنة أن يلتفت الناقد ابن سلام الجمحي في “طبقات فحول الشعراء”، إلى المؤثرات التي تسربت إلى الشعر من الحروب التي نشبت بين قبائل العرب. والتي أدت إلى كثرة الشعر في حيّ وقلته في حي آخر حسب تصوره”[3].

غير أن البيئة لم تقتصر على المكان، بل شملت الكون والحيوان، وهو ما يتجلى في شعر أبي زبيد الطائي من ذكره للأسد في أشعاره، وحكايته مع عثمان بن عفان أبرز ملامح حضور البيئة في أشعار القدماء. وبهذه المماحكة النقدية يبين الكاتب أثر البيئة باعتبارها مقياسا لنقد الشعر، لاسيما فيما يتعلق بتصنيف الشعر حسب الأمكنة، وعن ذلك يقول ابن سلام عن شعراء القرى: “وهن خمس المدينة ومكة والطائف واليمامة والبحرين. وأشعرهن قرية المدينة، شعراؤها الفحول خمسة من الخزرج واثنان من الأوس فمن الخزرج من بني النجار حسان بن ثابت ومن بني سلمة كعب بن مالك ومن بَلْحَارث بن الخزرج عبد الله بن رواحة ومن الأوس قيس بن الخطيم متن بني ظفر وأبو قيس بن الأسلت من بني عوف”[4].

ابن قتيبة: كان استحضار البيئة في النقد عند ابن قتيبة، حاضرا في مساءلة الشعر، ربما كما كان مع ابن سلام الجمحي، فهاهو الكاتب يحدد تصوره في قوله: “إذ لم يفت هذا الناقد العربي القديم الإشارة إلى أن البيئة، بما هي ظرف زماني ومكاني، أثرا في الشعر والشعراء”. وقد كان حضور هذا المفهوم من خلال إبراز دوافع التأليف، وزمن الشعراء والقبائل التي ينتمون إليها. فاحتكم لمفهوم البيئة من خلال تجلياته المتعددة، وإن كان بنظرة مغايرة لما كان سائدا في تلك الفترة، وأول عنصر تتبعه الكاتب وهو يقتفي أثر البيئة في الشعر عند ابن قتيبة كان:

  • معيار الزمان: لم يكن الزمان يحظى بأهمية في نقد ابن قتيبة، فليس للمتقدم فضل على المتأخر، لأن ذلك قد يسقط الناقد في التناقض وفساد الرأي النقدي، ولعل هذه الفكرة المميزة لابن قتيبة، كانت ضرورية لإنصاف الشعراء المحدثين، وهو ما حاول جلال المرابط أن يبينه، ويبين أيضا، فضل الناقد على الرقي بالنقد العربي القديم.

  • فكرة المكان: يعتقد الباحث أن ابن قتيبة رفض أن يكون المكان عنصرا في تقديم الشعراء وأشعارهم أو تأخيرها، ويستدل على ذلك بقوله “ولا أخص به قوما دون قوم”. وهكذا أصبح المكان مؤثرا في الشعر، فالشاعر لا يمكن أن ينسلخ عن بيئته، ولكنه غير مؤثر في العملية النقدية، أو لا يجب أن يؤثر حسب ابن قتيبة.

  • قوى متعالية عن البشر: كان البعد الميتافيزيقي حاضرا في نقد الشعر القديم، كما كان الدين حاضرا بعد ذلك، فيما يمكن أن ندرجه في النقد الأخلاقي، إذ استمر الإيمان بأن الشاعر يتواصل مع قوى متعالية، تبوئه مراتب الفحول، لذلك كانت البيئة مؤثرة في نقد الشعر.

  • المدح والشوق والغضب: غرض المدح، من خلاله يعكس الشاعر البيئة بشكل كبير جدا، من خلال ما عرف بالمدح التكسبي، حيث ينظم الشعر من أجل طلب المال، فضلا عن بعض المشاعر مثل الشوق والغضب، وهو شكل من أشكال تأثير البيئة في الشعر في نقد ابن قتيبة حسب الكاتب.

  • الطبيعة: لقد أشار ابن قتيبة إلى أثر البيئة في الشعر، حيث ذكر من الشعراء من أجاد في التشبيهات، والوصف، بالعودة إلي عوالم الطبيعة، فتم استحضار المها، وسهيل والشمس، والأطلال، وكلها عناصر مؤثرة في شعر الشاعر.

ومن خلال تتبع أثر البيئة في الشعر، عند ابن سلام الجمحي وابن قتيبة، خلص الكاتب إلى مقارنة هذا الحضور النقدي لمفهوم البيئة قائلا “إذا كان ابن قتيبة وابن سلام الجمحي يلتقيان معا في فكرة تأثير البيئة في الشعر والشعراء، فإنهما يختلفان في النظر إلي حجم هذا التأثير من خلال إيلائها اهتماما كبيرا لدى ابن سلام، في مقابل جعلها واحدة من ضمن مؤثرات أخرى نفسية واجتماعية وغيرها عند ابن قتيبة”. وبهذا ينتهي الكاتب إلى “جِدَّة تصور ابن قتيبة مقارنة مع ابن سلام الجمحي الذي يعطي للزمان والمكان مكانة بارزة في النظر إلى الشعر والشعراء، في مقابل ابن قتيبة الذي نفى فكرة المكان والزمان من قاموسه النقدي في النظر إلى ذلك”.

 

 

[1] – جلال المرابط، أثر البيئة في الشعر، الموجة الثقافية، ص 41.

[2] – نفسه، ص: 53

[3] – نفسه، ص: 55

[4] – عن ابن سلام وردت في المؤلف ص 59

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*