الرئيسية | فكر ونقد | ماذا يعني أن تكون صوفيا ؟ | رشيد العالم

ماذا يعني أن تكون صوفيا ؟ | رشيد العالم

رشيد العالم

المخيَال الثقـَافي المُشترَك بَين كثير مِن المُجتمَعَات الإسلامية، رَسَّخ مفهومًا شـَاذا فِي الذاكِرَة الجَمعيَّة بخُصُوص الإنسَان الصُّوفِـي، وهو مفهومٌ يختزلُ حُمولـَة تراثيَّة وتأويلات دينيّـَة وقوَاسِم ثقـَافيَّة ومَعرفيَّة رَسخت في الأذهَان أن الصُّوفي إنسَانٌ غريبُ الأطوَار، خفـيُّ السَّريرَة، عَمِيقُ الفكر، بعيدٌ عن المَظهَر، دائم التعلق بالبعد (التـرَانسِندنتـَالِي) للوجود وفي أحيان أخرَى صَوَّرته باعتباره مُفارقـًا للجمَاعة ومترهبًا غنوصيًا وزاهدًا عَن القضَايا السِّياسية والاجتماعية والإنسانيَّـة، ناسِكـًا في مِحْرَابه متيَّمًا بسبحتهِ خاضِعًا لشـَيْخِهِ، لا تهنأ رُوحُه من مُفارقته حتى يَعُود إليه، وإذا لقيَهُ ودَّ لو اتحَدَ بشيخهِ وامتزج به امتزاج الرَّاح بالمَاء، لمَا يُمثله الشيخ عند المُريد مِن كمال  الصِّفات، وجَلال رُوحيٍّ، وإشرَاق أخـَلاقي. وجمال نورَاني.

فكل الثقافات تعتبرُ الصُّوفي إنسانـًا غَير طـَبيعِي لأنه يَخفي حَقيقة وُجُوده ولأنه ينظر إلى الحَيَاة والكون انطلاقـًا من فلسَفةٍ روحيّةٍ عَميقة، قد لا يُطيقهَا فهْمُ العَوَام لعَدم خَوضهم تجربَته الصُّوفية، وهَذا الاعتقاد جَعل من الصُّوفيَّة والرُّوحَانِيِّين حُكمَاء يَتهَافتُ الناس عَليهم، ليقبلـُوا أيديَهُم وأرجُلهُم ليُسَلكوهُم من مُعَاناتهم، ويُوجِّهوهم ويَلتمسُون برَكاتهم، بل يتقرَّبُون إليهم بأموَالهم وأنفـُسِهم، كنوع من الجهَاد المَادّي والمَعنوي الذِي يقدِّمُه المُريد كقربَان للشيْخ الذي يَرَى فيه نورَ الله فِي الأرض.

فالمُجتمعُ الهندِي والفارسيُّ والصِّيني وغيرهم من المُجتمعَات الآسيويّة ما زالت تنظرُ إلى الرُّوحَانِيِّين نفسَ النظرة التي ينظر بهَا المُسلمُون إلى شيُوخ التصَوُّف باعتبار أنَّ لهُم ذاتَ (خـَواص الخوَاص) التِي يُنزلها بعض العارفين مَنزلة (النبوة الخـَّاصة) وعلى رأسهم (ابن عربي) كما أشار إلى ذلك في  (الفتوحات المكية)، وتلك الذات عند الصوفية تعد أقدسُ وأطهَرُ وأرفـَعُ وأتقـَى من ذوَاتِ الآخرين، لأنهَا حَاملة لسِرِّ الله أو للنور (المحمدي) عند المسلمين و لنفحَة (المسيح) عِند المَسيحيين و لحكمَة (بُوذا) عن الصينيين والهنود..

 فالمُقدَّسُ في كلُّ الثقافاتِ مرتبط ٌ بذاتِ الرُّوحَاني الصُّوفي، وغالبا ما يُنظر إلى الصُّوفي أيضًا عَلى أنهُ يُقـَاسِمُ شيخهُ سِرَّه وبَركته وأنوارَهُ مَا يجعَلُ عَلاقة المُريد بالشيخ أجَلَّّّ عَلاقة اجتماعيّة وأرفع صِلة رُوحيَّة، بحَيث تكون علاقته بالشيخ أفضلَ حتى مِن علاقته بأبيهِ وأمُّهِ وعَائلته وأبناءِه..

فهَل يَا ترَى الصُّوفي الحقيقي هو الذي يقدسُّ شيخَـهُ ؟ ومَاذا يَعنِي أن تكـُـون صُوفيـًّا ؟

إنَّ مَفهُوم أنَّ الصُّوفِي بشكل عَام إنسانٌ مُجَانبٌ للجَماعة مَفهُوم خـَاطِئٌ، ومُشـَّوه، فكما شهدَ التاريخُ متصوِّفة أثــَارُوا سُبحَاتهم وخلواتهم وخمُورَهُم الرُّوحية عَن قضَايَا الناس وهمُومهم، شهدَ التـَّاريخ أيضًا متصُوفة جَاهدُوا ودافعُوا واقتحمُوا الحَياة العَامة بغيـَة الإصلاح والتـَغيير والاتقاء بالأوضاع الاجتماعيّة والنهي عن المُنكر وتقويم الخَلائق.. لكنَّ الصُّوفِي الحَالي -وهَذا رأيي- يبدُو لي إنسانـًا غيرَ فاعِل، إنسانـًا لاهيًا خامِلا مُنبطحـًا يقضِي في الأورَاد واللهو والعبث.. ضِعفَ مَا يقضِيه في العلم والعَمل والتغيّير والإصلاح، فكلنـَا يعرفُ الحَديث الذي فضَّل فِيه النبي رَجُلا عَاملا على أخيه العَابد.

الصُّوفِي الحَالي تمَّت تربيتهُ تربيَة خَاطِئـَة، وغالبـًا مَا زاغَتْ به عَن جوهَر الإسلام ومقاصِدِه التِي تجَعل من العَمَل الصَّالح أفضَل فِي أحيان كثيرة حَتى من العبَادَة نفسهَا، فهو مُتعَلقٌ بشيخه أكثر من تعلقه بهُمُوم أمَّـتهِ وقضَايَا وَاقِعِه وتطـَلعَات مُجتمَعِه، ومتعلق بسبحَته أكثر من تعلقِه بمَعنـَى الذكر ومعنى التصوف والحضرة الإلهية التِي تـُقود إلى العَمل، فالعبادة القلبيَّـة والتحلي الرٌّوحِي بنفحَات الذكر، لا مَعنى لهَا إذا لم تنطلق إلى العَالم الخـَارجي، ولا قيمَة للتخلـق الروحي، إذا لم يشمَل الأفراد والأسرة والمُجتمع والبيئة والعمل..

 بَيْن الأزمَات أيضًا التِي يُعَانِي منهَا الصُّوفي الحَالي، (أزمَة العَقـل) فهُو يُفكر ويُنفذ بعَقل شيخِه، دون الحاجة إلى منطق يساءل أفكار الشيخ وأوَامِرَه، وهَذا أمر خطيرٌ في حَد ذاته، لأنه يَجعلُ من الصُّوفي عبدًا، خاضعًا خانعـًا للشيخ ومُنفذا لأوامِر الشـَّيخ وإن كانت خـَاطئـَة و نابعَة عَن هَوى النفـْس أو عَن شطحاتٍ يَغيب فيها الوعي.. ولذلك نرَى أن الكثير من الصُّوفية تعَاطفوا مع أنظمة الاستبدَاد الديكتاتوريَّة في الوَطن العَربي وَهُم كارهُون لتلك الأنظمة ونـَاقمون كغيرهم على الأوضَاع المُزريَّة الاقتصادية و الاجتماعية والسياسية..إلخ، لكن تبَعَيتهُم للشيخ وخضُوعهُم لهُ جَعلهم يَبايعُونَ الظـَّالم والمُستبد بَدل الوُقوف أمَام الضعَفاء وَالمَظلومين من أبناء الشَّـعب،  فهل الصُّوفي الحقيقي هو الذي يقدّسُ الظالم الذي يَقتل ويسفك الدِّمَاء ويسرقُ وينهَبُ؟ (حاشا لله أن يكون كذلك) أم هو الذي يقول كلمة الحَق في وجه الظالمِين والتِي هيَ أعظمُ الجهَاد عندَ الله، وأعظمُ مِن حلـق الذكر والأورَاد؟ فالأول هو سِيَاسي مُسْتصْوف ومنافق، أما الثاني فهو الصُّوفي الحقيقـي الذي لا يَخشى في الله نظامًا ولا عَسْكر ولا جهاز مُخابرَات.

الصُّوفي الحقيقي هو الذي يَتركُ سُبحته إذا اقتضَى الأمر، لينخرط في مُحَاربة الفسَاد والظـَالمين بلسَانِه ويَدِهِ وقلبهِ وعَقلِهِ وفكرهِ وقلمِهِ وعَلاقاته في مُؤسَّستِهِ وفي عمَلِهِ وفي سُوقِـهِ وحتى في فضاءه الالكتروني..

الصُّوفِي الحَقيقي هو الذِي يُسَاهمُ في الإصلاح والتغيير، لا الذي يُدير سُبحتهُ طوَال اليَوم ألف مَرَّة وبُيُوتٌ تهدَّم وأسَرٌ تيتـَّم ونسَاءٌ ترمَّل وخَيْرَاتٌ تنتهَب وسَاسَة يَسرقـُـون، وأطفال تمُوتُ مِن الجُوع والبَرد، وفسَّاقٌ يَحكمُون..

الصُّوفي الحقيقي هو الذي يقولُ كلمة الحَقِّ عند شيخهِ ولا يَخشَى أحدًا كيفما كانَ..

الصوفي الحقيقي هو الذي لا يرضى بالظلم ولا بالفتاوى السياسية التي تجعل من التصوف أدَاة سياسيَّة في خدمَة أحزَاب أو أنظمةٍ أو جهَاتٍ معينة..

الصُّوفِي الحَقيقي هُوَ الذي يَعتمِدُ على عَقله لا عَلى عَقل شيخِه..باعتبار أنَّ الشيخ ليسَ نبيــًّا وليس رَسُولا وأن العِصمَة للأنبيَاء فقط.

الصوفي الحقيقي هو الذي يتفقه في العلوم والمعَارف والكـُتب، ليس الذي يعتمد عَلى ما يقوله الشيخ فالشيخ مثله كمثل كل بني آدم، لأن الله حَسم مَسألة العصمة من الخطأ حِين قال: (كلكـُم خطـَّاءٌ وخيرُ الخـَطاءِينَ التـَّوَابُـون).

فما قيمة السبحة والورْد إذا كان الوَطنُ يَحكمهُ الفـَاسدُون والفـَاسقـُون والفاجرُون والمُستبدُّون والمتاجرُون بالدِّين والكرَامَة الآدميَّة..

سرُّ السبحة يكمُن في الجهَاد والنضَال والوقوفِ أمَام الظـُّلم ومُحَاربة رُمُوز الفساد، وإنصَاف الفقرَاء والمُحتاجين والضعفـَاء، والعَمل على إصلاح الخلائــق وتحْقيق العَدالة والإنصَاف وصَون الكرَامة..

لا الخنوع والرُّكوع للظـَالمين

والناهِبيـنَ لخيرَات الوَطن..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*