الرئيسية | سرديات | كاكا*… عبد الحليم حافظ | علي السباعي – العراق

كاكا*… عبد الحليم حافظ | علي السباعي – العراق

علي السباعي

أراقب بشغف طفولي لهو الأرانب البيض والسود، الرمادية والبنية، الكبيرة والصغيرة، السمينة والضعيفة، النشيطة والكسولة، الذكور والإناث فوق عشب السهل الممتد بلون الحبر الأسود المخفف بالماء  من على جانب الرصيف الأيمن لشارع سالم، أحث خطاي ماشياً، ترتفع الجادة بتقاطعاتها سابحة داخل بحيرات ضوئية تتدفق متلألئة فوق زجاج واجهات المباني الحديثة العالية،تابعت صعودي فرحاً نقياً فوق رصيف شارع سالم في مدينة السليمانية، مدينة السليمانية الحديثة التي تأسست يوم 14 تشرين الثاني / نوفمبر 1784 م، على يد الأمير الكردي ( إبراهيم باشا بابان )، والذي سمى المدينة بالسليمانية نسبة إلى أسم والده ( سليمان باشا ) أحد أمراء سلالة بابان، كان الوقت ليلاً، الجو بارد برودة منعشة لأننا كنا في كانون الأول، مناخ المدينة حار ومعتدل صيفاً وبارد جداً شتاءً، لحظات جميلة مرت، لحظات ناصعة عشتها أثناء سيري أتابع الأرانب الجبلية في بحثها عن شيء تأكله، كنت وحيداً في زحامي النفسي، أواصل بحثي عن حياة تتسع لأحلامي  مزدحماً بوحدتي، لحظات فضية باردة من ليل كانون الأول، نجوم ليل كانون أنكدرت، انتشرت الظلمة في السماء، والوحشة تغطي الجبال السود المحيطة بالمدينة، لولا مرور الغيوم المبحرة في الفضاء الأزرق الداكن لتضيف ترقباً عجيباً، أسمع موسيقى حزينة أشد حزناً من حزني، الليل خال من النجوم، هذه الليلة كانت السماء ترقد بسحر غامض في بحرها الأزرق الداكن السيال، موسيقى أيقظت قلبي من فرحه، أضواء إنارة أعمدة  شارع سالم العريض ذهاباً وإياباً صعوداً ونزولاً تضيف هي الأخرى عمقاً مضيئاً، أضواء مصابيح السيارات السريعة تضيء بشدة أثناء مرورها مسرعة في غدوها ورواحها بقوة تضيء الطريق والسفح والبنايات والأشجار والمارة والعلامات المرورية ولوحات الإعلانات المعدنية ولوحات إعلانات كبيرة تضم صور المطرب التركي إبراهيم طاطلس مستثمراً، تضيؤها، وبشدة تخفت، وتغيب هذه الأضواء مثلما تتوارى الأرانب في جحورها، كانت عيون الأرانب تضيء لامعة نتيجة انعكاس أضواء مصابيح السيارات على عيونها وهي تلهو في أعلى الوادي أمامي، تكشف نيونات الشارع كنوز أجساد الأرانب البيض الناعمة كالحليب، والأرانب السود الطرية كالليل، والرمادية وافرة كحزن حياتي، والأرانب البنية المكتنزة كهباءات أيامنا، ثمة نجم يضيء في المدى القريب، أظنه قمراً صناعياً، كان ضوؤه مكملاً لهرمونيا اللون أمامي، داخل عيني، رمادياً، وأزرق داكناً، وأزرق بتدريجات مختلفة تراقص تارة بين غامق وفاتح حسب مرور حركة أضواء مصابيح السيارات الآتية التي تسلط ضوءها على وجهي، تشيع البهجة في النفوس مع تساقط قطرات المطر التي تتراشق متلامعة أمام عيني الجنوبيتين  بفعل انعكاس ضوء مصابيح السيارات أثناء نزولها السريع، تتراص الأبنية الحكومية من على جانبيه، وتملؤني الموسيقى الحديثة الصافية كتميمة آسرة تشبه السحر، من بعيد التقطت أذناي الموسيقى الساحرة العذبة والخفيفة لأغنية العندليب الأسمر :(( زي الهوى ))، أنها السحر الذي استولى على روحي وقلبي وعقلي، سحرتني الموسيقى، وسحرني حزن الأسمر عبد الحليم حافظ رغم حبوري الكبير حتى امتلأت بالحزن إلى أقصاي، وفضت بالحزن حزناً. كان صوت عبد الحليم حافظ يملأ شارع سالم كله، ويضيء أرواح المارة المتبضعين بحزن ابيض منسي، كأن صوته يتدفق من ينابيع أرواحهم المعذبة عشقاً، رحت أردد ما كتبه صديقي النبيل الشاعر العراقي المبدع ( أديب كمال الدين ) بحق العبقري عبد الحليم حافظ :-  عبد الحليم
1.
حين انكسرَ فنجانُ القهوةِ المرّة
ما بين أصابع العندليبِ المرتبكة،
سالتْ روحُه العاشقة
وسطَ حنين الناي وأنين الكمان.
2.
كانَ مطربُ قارئة الفنجان
عبقريّاً بما يكفي
ليركبَ درّاجةَ النجومِ الهوائيّة
ويغنّي عن القمر،
قريباً جدّاً من القمر،
ويفتنَ ألفَ سندريلا وسندريلا
بألفِ أغنيةٍ وأغنية.
كانَ عبقرياً، إذن، ليكونَ نجم النجوم.
3.
لكنَّ قارئ الفنجان الذكيّ
ومطرب قارئة الفنجان العبقريّ
الذي روّضَ الفقرَ والجوعَ والحرمان
وروّضَ الحظَّ المُمَزَّق
مثل ثياب المُهرّج
وروّضَ ألفَ سندريلا وسندريلا،
روّضتْه جرثومةُ البلهارسيا التي لا تَرى
ولا تُرى!
كانتْ أذكى من عبقريّته اللامعة
وأعظم حظّاً من نجوميّته الساطعة.
فانكسرَ فنجانُ القهوةِ المرّة
ما بين أصابعه العاشقة
حتّى سالتْ روحُه العذبة،
وهي في قمّةِ الحبِّ والشوق،
وسطَ دموع الناي وأنين الكمان.
صرت أقترب، وشدو العندليب يهزني بألم. كنت ألتاع، ولوعة صوت العندليب صارت تبكيني، تمطرني بكاءً كلما جهدت في صعودي شارع سالم صوب مركز مدينة السليمانية، كانت مدينة السليمانية عاصمة لإمارة بابان الكردية، وظلت مدينة السليمانية عاصمة الإمارة البابانية حتى عام 1851 م، منها أعلن محمود البرزنجي التمرد ضد الاحتلال البريطاني في 22 مايو 1919 م، قام بإلقاء القبض على المسؤولين البريطانيين فيها، وأعلن دولة مستقلة للأكراد، والسليمانية عاصمتها، أعلن الاحتلال البريطاني اعترافه بهذه الدولة وإعلان محمود البرزنجي ملكاً عليها لإسكات سكانها.
خلفت الأرانب ورائي، نثيث مطر شهر كانون الأول منعش وجميل يضرب وجهي، يغسل جبهتي، يطهر روحي، ناعم وسريع يزداد كلما حثثت خطاي صعوداً، راحت الذكريات تنهال مثل نهر عذب، ذكريات الحب الأول، دنوت أكثر وأكثر من صوت حليم، كانت دموعي تنهمر بغزارة، كان الجو بارد برودة منعشة حلوة، برودته الحلوة وقطرات المطر ودموعي المنسابة بغزارة جعلتني ما عدت قادراً على الرؤية أمامي، ما عدت أرى لأن غناء حافظ سلب لبي وصعد إلى قلبي، أحتل نسغ روحي حتى صرت أمام مصدر الصوت، رجل في عقده الخامس، ممدداً جسده الهزيل على أسفلت الرصيف الأسود الناعم، يتكيء على جانبه الأيسر، يرتدي بذلة سوداء تشبه بذلة عبد الحليم حافظ عندما غنى : ( رسالة من تحت الماء )، معطلاً، معطوباً، يفترش الرصيف الإسفلتي العريض من شارع سالم الأيسر باتجاه قلب المدينة صعوداً، قلب مدينة السليمانية النابض بالناس، يعطي ظهره لطريق السيارات، مولياً قدميه الطويلتين باتجاه مركز المدينة، والسابلة يمرون أمامه أزواجاً وفرادى وجماعات، سابلة سماناً وضعافاً، طوالاً وقصاراً، ذكوراً وإناثاً، ذكوراً صلْعاً وبشعر، حليقي اللحى وبلحى طليقة، لحى مشذبة ولحى شعثاء، حليقي الشوارب وبشوارب، شوارب كثة وبشوارب قصيرة، بالزي الكردي وبالزي الرسمي، نساء شابات وكواهل، نساء بالزي الكردي التقليدي وبالزي الغربي، تقع خلفه بناية المكتبة المركزية في مدينة السليمانية، وقفت أمامه، أمامي بناية المكتبة العامة في مدينة السليمانية، الليل جميل والهواء عليل، ونث المطر أخذ يتراجع، وقفت أنظر له بعينين مخضوضبتين بالدموع، يؤدي حركات حليم بشكل ساحر مع إيقاع موسيقى زي الهوى الصادحة في الفضاء الأسود ذي النجوم الفضية البيضاء، انتظرت، انتظرته حتى يفرغ من وصلته في الغناء وقيادة الفرقة الموسيقية التي لا وجود لها، يلوح في الهواء بذات الحركات التي أداها سابقاً الراحل عبد الحليم حافظ ، انتظرته باكياً، صرت أجهش بالبكاء بصوت عالٍ، أبكي بشدة وبحرقة لأن الرجل المعاق يقلد حركات العندليب الأسمر وهو يغني ( زي الهوى )، يقلده في كل مقطع، يقلد حركاته في كل ( كوبليه ) مثلما يفعل عبد الحليم حافظ، يقلد حركاته نفسها، حركات يده اليمنى رغم عوقه . كل إيماءة كانت احتراقاً، انتهت ” زي الهوى “، دموعي ملء قلبي، تصعد حتى عيني، فتمطران حزناً على وجنتي اللتين تستقبلان مطر كانون بلسعاته الحلوة، قرفصت قبالته، بيننا قطعة المقوى التي تزينها صورة عبد الحليم حافظ وهو يغني ( الهوى هواي )، كان يضع فوق الصورة جميع أشرطة الراحل عبد الحليم حافظ، كانت عن يمينه مسجلة سوداء نوع ( سوني سوبر ستريو ) بسماعتين كبيرتين عاليتي الصوت وفائقتي الجودة، وبجانبها بطارية سيارة كبيرة تديم عمل المسجلة الضخمة، وأمامه كل أشرطة ” كاسيتات ” العندليب الأسمر، هم يستبدل شريط أغنية ( زي الهوى ) بواحدة أخرى، قرفصت قبالته، سألته بمودة وبصوت متحشرج تخنقه العبرات مع ابتسامة خفيفة سافرة :-
– كنت أتصور أنني الوحيد في العراق كله يحب سماع العندليب الأسمر ؟!!!
أنتبه لقرفصتي أمامه، رمقني بطرف عينيه، قسمات وجهه مندهشة، يشع من عينيه تحد غريب، بدا وجهه النحيف مشعاً بالتحدي، رأسه الطويلة تغطيها تسريحة الساحر الأسمر عبد الحليم حافظ، خدان شاحبان تتموج فوقهما أنوار السيارات،  ترك شريط ” كاسيت ” المسجلة فوق الورق المقوى عن يمينه، أبتسم بوجهي الجنوبي الأسمر ابتسامة المتبجح، أشعل سيجارة لنفسه، أحسست برغبة لتدخين سيجارة لكنني أحجمت عن ذلك، سحب نفساً عميقاً من سيجارته التي أتقدت، أشتد توهج جمرها، وصار جمراً، تركها أمامه على أسفلت الرصيف، وضع شريط الكاسيت في المسجلة، صدحت الأنغام، أنها قارئة الفنجان، خفض الصوت قليلاً،  أمسكني من ياقتي، ياقة قميصي الأبيض بيده اليمنى السليمة المتسخة مستفزاً، يبدو أن سؤالي أستفزه، سألني بغرور محبب قائلاً بحدة ومزاج عكر :-
– أتعرف متى ولد ؟
ألتزمت الصمت، لم أجبه، أجاب بصوت مبحوح :-
– ولد في 21 يونيو 1929 م، في قرية الحلوات التابعة لمركز الإبراهيمية محافظة الشرقية.
ساد بيننا صمت طويل، حافظت على صمتي، نظر إليّ نظرة عميقة وسألني كاسراً للصمت الذي نشب بيننا  :-
– أتعرف أسماء أخوته ؟ وكيف نشأ ؟!!
حركت رأسي ذات اليمين وذات الشمال دلالات على النفي وعدم معرفتي، اصطنعت الجهل، وعدم المعرفة، اتخذت الصمت سبيلاً لإخراج ما بداخله، لأنني أعشق العندليب الأسمر حد الوله، وأعتبره إنساناً استثنائياً بحسه الإنساني العالي وصوته الجميل، زفر بوجهي بحنق، وكأنه زفر كل ذكرياته التي غارت في التجاعيد التي تملأ وجهه الطويل النحيف الأصفر، تابع إجاباته على الأسئلة التي يسألني بها  :-
– حليم الابن الأصغر بين أربعة إخوة هم إسماعيل ومحمد وعليه. توفيت والدته بعد ولادته بأيام وقبل أن يتم عبد الحليم عامه الأول توفي والده ليعيش اليتم، عاش بعدها في بيت خاله الحاج متولي عماشة. كان يلعب مع أولاد عمه في ترعة القرية، ومنها أنتقل إليه مرض البلهارسيا الذي دمر حياته.
أطرقت حزناً، كانت العتمة تسود كل شيء، والضجيج سيد المكان،  سألني بنبرة ليّنة :-
– أتعرف أسمه الحقيقي :-
سكت، نظر إليّ نظرة عميقة وأجابني كمقاتل يخوض حربه الأولى :-
– عبد الحليم شبانه.
كان يوم الثلاثاء 15 / 12 / 2015 م، لذت بصمتي، والعتمة تغطي المدينة، الليل هادئ، وساكن، قال متسائلاً :-
– أتعرف من أكتشف العندليب الأسمر ؟
التقت عينانا، أردت أن أنطق إلا أنه لم يمهلني، كأنه عرف بماذا أفكر، أجاب ناقماً علي لجهلي :-
– أكتشفه الإذاعي الكبير حافظ عبد الوهاب، الذي سمح له باستخدام أسمه ” حافظ ” بدلاً من شبانه.
مسحت دموعي بظاهر كفي اليمنى، نظرت إليه، كان باستطاعتي أن أرى عينيه تومضان بمكر، كأنهما عينا فأر ماكر تتحركان وتطرفان بشدة في محجريهما على أنغام موسيقى :” قارئة الفنجان “، تساءل ببسالة :-
– أتعرف كم عملية جراحية أجريت له ؟
حقيقة لا أعرف، أجاب بنبرة تأملية نادرة باردة :-
– أجرى خلال حياته إحدى وستين عملية جراحية.
تعجبت، شاهد استغرابي ودهشتي، رأيت في عينيه نظرة عنيدة باردة، توقف زخ المطر، بدت الأشجار الطويلة الداكنة تلمع تحت أضواء مصابيح الشارع، أعمدة الكهرباء طويلة ناحلة تُشِعُّ ضوءها الأصفر فوق جلستنا، يغمرنا نور مصباح الشارع حتى غرقنا في ضوئه،أكمل أسئلته وأجوبته :-
– أتعرف كم أغنية غنى ؟
زحفت الظلمة بسرعة، حاصرتنا، ظلمتها تنزلق بنشاط فوق المدينة، تحيل وجهينا إلى، أخشى أن أكون فقدت زهوي،  كنت أعرف ولا أرد عليه لأنه وسخ ياقة قميصي الأبيض، أجاب بتبجح :-
– قدم عبد الحليم أكثر من مائتين وإحدى وثلاثين أغنية.
قرأت بوضوح ما دار في ذهنه، تساءل بلهجة هادئة انبثقت من روحه :-
– أتعرف في أي سنة أجيز عبد الحليم حافظ في الإذاعة ؟ وعلى أية أغنية ؟
رحت أنظر بعينيه المزهوتين، وصار ينظر إليّ مندهشاً، راح يكمل أجابته على سؤاله :-
– أجيز عبد الحليم في الإذاعة عام 1952 م، بعد أن قدم قصيدة ” لقاء ” كلمات ( صلاح عبد الصبور )، ولحن ( كمال الطويل ).
عارضته بسخرية لأستفزه وأنا أنظر بفتور وغرابة :-
– أن إجازته كانت في عام 1952 م، بعد أن قدم أغنية ” يا حلو يا أسمر “، كلمات ( سمير محجوب )، وألحان ( محمد ألموجي )، وعموماً هناك اتفاق أنه غنى ( صافيني مرة )، كلمات ( سمير محجوب )، وألحان ( محمد ألموجي ) في أغسطس عام 1952 م، ورفضتها الجماهير من أول وهلة حيث لم يكن الناس على استعداد لتلقي هذا النوع من الغناء الجديد.
السماء شاحبة والسحب بلون رماد سيجارته التي شارفت على الانطفاء أمامه، عقب على جوابي نافذ الصبر وبنبرة تعجب عالية بعد أن سحب نفساً من سيجارته المطروحة أرضاً :-
– لكنه أعاد غناء ” صافيني مرة ” في يونيو عام 1953 م، يوم إعلان الجمهورية، وحققت نجاحاً كبيراً، ثم قدم أغنية ” على قد الشوق ” كلمات ( محمد علي أحمد )، وألحان ( كمال الطويل ) في يوليو عام 1954 م، وحققت نجاحاً ساحقاً، ثم أعاد تقديمها في فلم ” لحن الوفاء ” عام 1955 م، ومع تعاظم نجاحه لُقب بالعندليب الأسمر.
كنت محاصراً ومعزولاً في عالم بارد ومليء بالمطر والغناء والأسئلة والغربة، ثمة أغنية ناعمة تنبعث من مسجلة الرجل تلامس بحنو روحي وتداعب سكون الليل وأنوار شارع سالم وتطير هذه الأنغام العذبة للمقدمة الموسيقية لأغنية : ( قارئة الفجنان ) التي أبدع في تلحينها الملحن العبقري محمد الموجي تطوف بين أغصان الأشجار في الحدائق المحيطة بنا، في هذه اللحظة كان الليل في بدايته، والموسيقى ناعمة تنبعث من المسجل، ودفعات الريح تلاطف الوجوه بحنو، أخذ يبتسم متسائلاً :-
– أتعرف من من الملحنين تعاون معه  ؟
الغيوم البيض والرمادية والزرقاء الداكنة بدأت تتلاشى تتلبد بسرعة في السماء المكفهرة فوقنا، أظلم الشارع شيئاً فشيئاً، الريح نعصف بالأشجار فتحني أغصانها وتتناثر أوراقها، كنت ساكناً وحزيناً، سكت عن قصد، لكنه ظل ينتظر حتى بدأ الجو يتغير بسرعة مذهلة، أجاب بنظرة خبيثة من عينيه :-
– تعاون مع الملحن العبقري ( محمد الموجي )، حيث غنى له الكثير أبرزهن : ( قارئة الفنجان، ورسالة من تحت الماء ) لنزار قباني، والملحن الفذ ( كمال الطويل )، والملحن العبقري ( بليغ حمدي )، حيث شكل ( حليم – بليغ ) مع الشاعر المصري المعروف ( محمد حمزة ) أفضل الأغاني العربية من أبرزها : ( زي الهوى، سواح، حاول تفتكرني، أي دمعة حزن لا، موعود )، كما أن له أغاني شهيرة من ألحان موسيقار الأجيال ( محمد عبد الوهاب ) مثل : ( أهواك، نبتدي منين الحكاية، فاتت جنبنا ).
تبسمت بحزن، وتشجيع ليكمل أسئلته:-
– أتعرف من جمع تراثه الغنائي ؟
كعادتي أومأت بعدم المعرفة، فأستطرد يجيب بدلاً عني :-
– قام صديق عبد الحليم حافظ  ( مجدي العمروسي ) بجمع أغانيه في كتاب أطلق عليه : ” كراسة الحب والوطنية… السجل الكامل لكل ما غناه العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ “.
– أتعرف من كان صديقاً له  ؟
رفعت حاجبي ومنكبي في آن واحد إلى أعلى متعجباً أن لا أعرف، بادر قائلاً :-
– كان صديقاً له الحبيب بورقيبة، والحسن الثاني، والملك حسين.
واصل مطر أسئلته علي حتى أنني ضجرت وندمت لأنني سألته، أتلف لي هندامي، ووسّخ لي ياقة قميصي الأبيض، وتبللت بماء المطر، رأيت ضوءاً فريداً ينطق لامعاً لاصفاً مشعاً في عينيه يشبه سرب طيور عند الغروب، أكمل :-
– أتعرف كم أغنية مصورة له ؟
كان المطر يغسل وجهينا، سكتّ، دموعي تغسل نفسي مثلما يغسل المطر وجهي، أجاب بنبرة لا تخلو من حنان :-
– عدد الأغاني المصورة في التلفزيون يصل إلى مائة وأثني عشرة أغنية.
تابع يسألني وهو ممسك بخناقي، وكأني كفرت وسألته :-
– أتعرف كم فلماً سينمائياً مثل فيه ؟
أجبته لأناكفه :-
– ستة عشر فلماً سينمائياً.
مازال الخيط والعصفور بيدي، وقبل أن يسألني رحت أعددهن له لأضيره بصوت جاهدت أن يكون رقيقاً :-
– لحن الوفاء عام 1955 م، وشاركه البطولة شادية وحسين رياض، أيامنا الحلوة عام 1955 م، فاتن حمامة وعمر الشريف وأحمد رمزي، ليالي الحب 1955 م، وشاركه البطولة آمال فريد، وعبد السلام النابلسي، أيام وليالي عام 1955، وشاركه البطولة إيمان، أحمد رمزي، محمود المليجي، موعد غرام عام 1956 م، فاتن حمامة، عماد حمدي، زهرة العلا، رشدي أباظة، دليلة عام 1956 م، شادية، فردوس محمد. كان أول فيلم مصري ملون بطريقة ( السكوب )، بنات اليوم عام 1957 م، ماجدة، آمال فريد، أحمد رمزي، الوسادة الخالية، أحمد رمزي، زهرة العلا، لبنى عبد العزيز، عمر الحريري، منقولة عن رواية الأديب المصري إحسان عبد القدوس، فتى أحلامي 1957 م، منى بدر، عبد السلام النابلسي، شارع الحب 1958 م، صباح، عبد السلام النابلسي، حسين رياض، حكاية حب 1959 م، مريم فخر الدين، عبد السلام النابلسي، محمود المليجي، البنات والصيف، زيزي البدراوي، سعاد حسني، يوم من عمري 1961 م، زبيدة ثروت، عبد السلام النابلسي، محمود المليجي، سهير البابلي، الخطايا 1962 م، عماد حمدي، حسن يوسف، نادية لطفي، مديحه يسري، معبودة الجماهير 1967 م، شادية، فؤاد المهندس، يوسف شعبان، أبي فوق الشجرة 1969 م، وشاركه البطولة عماد حمدي، ميرفت أمين، نادية لطفي وكان آخر أفلامه.
فتح عينيه الجمرتين يتطلع بوجهي، كان وجهه خالياً من أي تعبير سوى أتقاد عينيه الحانقتين، وجهه أبيض مصفر حقود، انفرجت شفتاه المزرقتان، ولكي أوغل في أغاظته أضفت :-
– كما قام ببطولة المسلسل الإذاعي : ” أرجوك لا تفهمني بسرعة ” سنة 1955 م، وأدهم الشرقاوي 1946 م، كما ظهر في فيلمين هما إسماعيل ياسين في البوليس الحربي، وقاضي الغرام.
راح ينظر إلي بحقد وغضب حتى أن عينيه أتقدتا، توهجتا، اشتعلتا، سأل قاصداً إحراجي وقبضته أطبقت على خناقي، وكان سؤاله مثل ضوء بزغ في العتمة :-
– أتعرف متى زار بغداد ؟ وماذا غنى فيها ؟ وأين غنى ؟ وأين أقام ببغداد ؟
استمرأت لعبة أغاظته، أجبته مؤكداً :-
– نعم. أواسط الستينيات، وأحيا عدة حفلات غنائية على خشبة مسرح ( سينما النصر ) في شارع السعدون، تصاحبه الفرقة الماسية بقيادة الموسيقار ( أحمد فؤاد حسن ).
أغتاظ، احمرت أوداجه وانتفخت من فرط الغيظ، نظر إلي بعينين مفتوحتين بأتساع نظرة متوحشة تعارضت مع ابتسامة رضى،  تساءل بوحشية :-
– أتعرف أسماء الأطباء الذين عالجوه في رحلة مرضه ؟
غرقت حزيناً داخل لجة نفسي، كان ثمة خيط دقيق يشدني إلى الغرق في مناكفته، أجبته رغم غرقي في بحر حزني الواسع وابتسامتي لا تفارق عينيي و شفتي :-
– الدكتور مصطفى قناوي، الدكتور ياسين عبد الغفار، الدكتور زكي سويدان، الدكتور هشام عيسى، الدكتور شاكر سرور، ومن إنجلترا الدكتور تانر، الدكتورة شيلا شارلوك، الدكتور دوجر ويليامز، الدكتور رونالد ما كبث، ومن فرنسا الدكتور سارازان.
أطرق برأسه قليلاً نحو الأرض بعد أن عصفت به أجوبتي، رفع رأسه محدقاً بعيني بعينين أتقدتا حقداً وغضباً، أبتسم بمكر، وصار الخبث يتطاير من عينيه المتقدتين الخبيثتين، وسألني بمكر :-
– أتعرف ما أسم سكرتيرته الخاصة ؟
أجبته والابتسامة لا تفارق عيني و شفتي:-
– سهير محمد علي.
نظر إلي مندهشاً، أراد مقاطعتي، أومأت له بيد أن أسكت، وأكملت :-
– عملت سكرتيرة خاصة معه منذ عام 1972 م، وكانت ترافقه في المستشفيات التي رقد فيها حتى وفاته في يوم الأربعاء 30 مارس / آذار من عام 1977 م، في لندن عن عمر يناهز السابعة والأربعين عاماً.
أسمع موسيقى قارئة الفنجان، تهزني، تهز عظامي، كان ثمة خيط دقيق يشدني إليها، كان قلبي يخفق بقارئة الفنجان، كأنها بقلبي، تصاعدت دقات قلبي مع تصاعد موسيقاها، دقات قلبي ليس لها أوّل، ليس لها آخر،  شعرت بالحياة، جاءت الفرصة لأقتص منه لأنه لوث ياقة قميصي، ولخنقه لي بشدة، سألته :-
– أتعرف أسماء المستشفيات التي رقد فيها خارج مصر ؟
أطرق متألماً، وأجاب منكسراً :-
– لا. والله.
فرحت لانكساره، ابتسمت منتصراً، وأنا أجيبه :-
– مستشفى أبن سينا بالرباط في المغرب، وفي إنجلترا : مستشفى سان جيمس هيرست، ولندن كلينك، فيرسنج هوم، ومستشفى كنجز كولدج ( المستشفى الذي شهد وفاته )، وسالبتريد بباريس.
كنت أجيبه بابتسامة حلوة طيبة دافئة جنوبية عذبة محرجة مني بالنفي، النفي القاطع، رغم أنني أعرف أجوبة كل أسئلته، عشت معه دقائق مثل قصة قصيرة منسية، كنت فيها أصغي إلى نبضي باتجاه فنان صنعه الألم، هناك أنباء أحتفظ بها لنفسي، أمس ودع الحمام الأبيض عبد الحليم حافظ يوم توفي في الأربعاء 30 آذار 1977 م، بسبب المرض في لندن، اليوم وضعت شركة محرك البحث عبر الإنترنت ” جوجل ” صورة العندليب على صفحتها الرئيسية وهي تحتفل بعيد ميلاده، عيون المارة تعكس صورتينا، تعكس صورتي وأنا أمد يدي اليمنى النظيفة مصافحاً أسأله بأسى وأنا أبكي روعته بصمت :-
– ما أسمك ؟
ترك ياقة قميصي الأبيض، راح  يستبدل كاسيت شريط ” قارئة الفنجان “، بواحدة أخرى، راحت مسجلته تصدح بمقدمة أغنية :” حاول تفتكرني “، مد يده اليمنى المتسخة لي مصافحاً ناهياً حديثنا الطويل، بعد أن وضع سيجارته بفمه، المطر توقف نهائياً، حدق بعيني بعينين يسودهما الجمر، أجابني بفخر قل نظيره :-
– كاكا… عبد الحليم حافظ.

السليمانية
صباح الثلاثاء 15 / 12 / 2015 م

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*