الرئيسية | فكر ونقد | قصائد أكثر..شعر أقل | عبيد لبروزيين

قصائد أكثر..شعر أقل | عبيد لبروزيين

عبيد لبروزيين

فتح الأدب الرقمي آفاقا واسعة للشعراء، فكتب المجيد والمبتدئ، قصائد كثيرة لا تعد ولا تحصى، ولكن تتبعي لما يكتب، جعلني أكتشف قصائد كثيرة وشعرا أقل، ولعل سبب ذلك راجع إلى اضطراب الشكل والمضمون، وتدني المستوى المعرفي للأدباء والشعراء، فالبعض منهم انقطع عن القراءة مدة طويلة، ولا يقرأ إلا ما يكتب؛ وعموما، إن ما نقصده باضطراب الشكل، هو انهيار الأشكال الشعرية بوتيرة سريعة، دونما سبب، أو بالأحرى بسبب التفاعل والتلاقح مع الأمم الأخرى، دون وجود حاجة إلى ذلك.

الشعر العمودي، والموشحات، وشعر التفعيلة، وقصيدة النثر، والهايكو، كلها أشكال نمت في الأدب العربي الحديث عن طريق ولادة قيصرية، وليس ولادة طبيعية، أي أن تطور الشكل، ليس حاجة لتجريب أفق جديدة للشعر، بل المحاولات الأولي لا تخرج من خانة ممارسة ترف أدبي أو محاولة تحقيق سبق معرفي. ولكن، في حقيقة الأمر، الشكل جزء من الشعرية العربية الحديثة، فهو سبيل من سبل خلق المعنى، ويكفي أن نشير هنا إلى ما كتبه رومان ياكبسون، وجون كوهين في الغرب، ونازك الملائكة، ومحمد النويهي عند العرب، حيث يولون أهمية كبيرة للشكل، فلم يعد مجرد قوالب جاهزة، أو شكل هندسي صارم، يظهر براعة أو رداءة الشاعر، بل الشكل تعبير مضمر عن أحاسيس وانفعالات الشعراء، فتفعيلة المتدارك (فعلن) مثلا، غالبا ما تدل على القلق، والتردد والارتياب، ولا يمكن تحديد وظيفتها إلا في علاقتها بالعناصر الشعرية الأخرى.

قصائد أكثر، وشعر أقل، ربما بسبب جهل معظم الشعراء، بطرائق الكتابة الشعرية الجديدة، فها هو نجيب العوفي يهاجم المتطفلين على قصيدة النثر، ويقول بأنها أشرعت الحياض أمام المتطفلين، فهل يتحدث الرجل عن أزمة الشعر العربي المعاصر؟

كما يعزي بعض النقاد تطور الشكل إلى تطور المضمون، وفي حقيقة الأمر، أستبعد ذلك، لأن المضمون لا يتطور، بل الحياة السوسيوثقافية هي التي تطورت، فاستوجب الأمر من الشعراء التعبير عنها، بصيغ وأساليب جديدة، تقطع مع الصور الشعرية الكلاسيكية، التي دأبنا فيها على تشبيه عيون المرأة بعيون المها، والقد بفروع البان، إلى الغزل الضمني الذي يسائل المواقف تجاه المرأة، ويعكس التوجهات الإيديولوجية بطرق ملتوية وخفية، فتغزل اليساري يختلف عن تغزل الإسلامي…إلخ، ولكم في قصيدة “ريتا” لمحمود درويش مآرب أقصدها، فلم يكن المضمون في الشعر الجديد، إعادة للمبتذل والمترهل من المعاني، بل يمكنني القول، إن القصيدة الحديثة، تنتمي إلى الواقع بكل تفاصيله الدقيقة، هو في الحقيقة صرخة الانتماء للواقع بملائكته وشياطينه، وتلك قصيدة أخرى. ومنه يمكن القول، إن الأدب الحديث، أدب بروليتاري، قطع مع الأدب البرجوازي منذ أفول النظام الأرستقراطي والبدايات الأولى للنظام الرأسمالي، وهنا لا أتحدث عن الانتماءات الطبقية للشعراء، ولكن عن توجهاتهم في الكتابة الشعرية. وأعطي مثالا هنا بالشاعر المغربي، حسن بولهويشات في الشعر، الذي يعكس حساسية معقدة في فهم الواقع، فأصبحت قصيدة النثر عنده بمثابة جواد لدون كيشوطه، أقصد القريحة الشعرية والمرجع الذي يوجه مضمون قصائده، وكذا أحمد بنميمون في الرواية وهلم جر من سيل أدباء العصر الحديث الذين انتصروا للهامش والمهمشين.

أدباء ينتصرون للبروليتاريا، للوجوه المستعملة، من هذه الفئة، يستمد المضمون الشعري الجديد قوته وجدته وانعطافته نحو المستقبل، والقليل القليل من الشعراء المحدثين من كتب شعرا، والكثير الكثير منهم من كتب قصائد تزجية للوقت أو لقضاء مآرب أخرى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*