الرئيسية | فكر ونقد | قراءة في مجموعة مبروك السالمي الأخيرة: “أقاح بلا مساحيق” | حسن علوي

قراءة في مجموعة مبروك السالمي الأخيرة: “أقاح بلا مساحيق” | حسن علوي

حسن علوي

تقشف الكتابة ونقد المجتمع

مسألة العنوان:
عن الأقحوان:
الجمع : أقاحِيُّ ، و أقاحٍ
نَبَاتٌ مِنَ الفَصِيلَةِ الْمُرَكَّبَةِ ، لَهُ زَهْرٌ أبْيَضُ وَرَحيقٌ أصْفَرُ ، ذُو رَائِحَةٍ عَطِرَةٍ ، تَحْمِلُ رُؤُوسُ أغْصَانِهِ زُهُورَهُ ، يَنْبُتُ بَرِّيّاً وَيَكْثَرُ فِي الْمُرُوجِ ، وَيُزْرَعُ لِنَوْرِهِ ، يُوجَدُ فِي أغْلَبِ البُلْدَانِ. 
رأيت أقاحِيَّ الأمْر : أَوائلَه وتباشيرَهُ.
وفعل أقاح، يحمل دلالة مناقضة للنبتة، إذ يفيد وجود قيح.

وقد عرف الفراعنة والإغريق نبتة الأقحوان واستخدموها في مركبات الأدوية والعقاقير وخصوصاً لعلاج الالتهابات والطمث. وهي ذات ساق مضلعة وفروعها قليلة، وأوراقها مسننة تعبق برائحة الكافور بعد هرسها.
وهي ذات خصائص علاجية.
لكن، لم الأقاحي بلا مساحيق؟ هل هي بحاجة للمساحيق حتى تظهر للناس في حلة جديدة؟ هل الأقاحي بحاجة للتجميل؟ هل وقع لها ما يستوجب جراحة تجميلية؟ هل الأقاحي في العمل مكتفية بذاتها، وهي في حل من أية مساحيق؟ الأقاحي تبقى ذات أريج وجمال، لأنها طبيعية، والمساحيق لا توضع إلا لإخفاء العيوب، إن المساحيق بمثابة قناع يخفي ويظهر، يخفي ما تريده الذات أن يختفي، وتظهر ما يحب أن يراه الناس. لكن أقاحي المجموعة ستبرز دون مساحيق، ستبرز للناس طبيعتها من دون خداع.
عن الغلاف:
جاء بلون أزرق تكتسحه أمواج بيضاء تسير باتجاه اللوحة المستطيلة، والتي تشتمل على أقاح بيضاء تنعكس صورتها على صفحة الماء كنوع من تعضيد معنى الطبيعي الرافض للزيف.
عن العمل:
بعد مجموعته الأولى “حلزون واحد”، يطل القاص والشاعر مبروك السالمي هذه المرة بمجموعة جديدة لا تحمل تجنيس القص الوجيز، بل تجنيسا مفتوحا لإدراكه أن النصوص تجمع بين السردي والشعري، تحمل عنوانا ذا رائحة عطرة “أقاح بلا مساحيق”، صادرة عن منشورات مطابع الرباط نت، في طبعتها الأولى سنة 2017، ليفتح حيزا آخر من الدهشة، وليوسّع من دائرته القرائية المنفتحة على استثارة المفارقة والآخر والأشياء، ويجعل بالتالي من اللغة الإيحائية فعلا يتمازج ويتكاثف في اللاّحدود، ماشيا صوب اللحظة والومضة والحواس.
وقد جمع في عمله هذا بين القصة القصيرة جدا والشذرة والومضة الشعريتين، نظرا لما يجمع بينها من تكثيف وإدهاش. ووعيا منه بأن إضمامته قد جمعت بين تلك الألوان الكتابية؛ فقد اختار لها تجنيسا مفتوحا، سماه: نصوصا قصيرة جدا، لكون النصوص جميعها انضبطت لخاصية القصر بفعل التكثيف، والتقتير اللغوي؛ عبر استثمار جملة من التقنيات الإبداعية المنتمية تارة إلى بناء القصة القصيرة جدا، وطورا إلى رهافة الومضة الشعرية.

إن “النصوص المتضمنة بين دفتي هذه المجموعة لم تطبخ على عجل، فهي حصيلة تجربة إبداعية طويلة ودربة فنية متراكمة عابرة للأجناس الأدبية؛ لذلك تبدو نصوصه زبدة لتلك الدربة التي تعي مقومات كتابتها، وتحاول في الوقت نفسه تجاوزها بشكل من الأشكال في أفق تتجديد دماء القصة القصيرة جدا، والشذرة.

وبناء على ما تقدم، يمكن تقسيم العمل إلى قسمين، قسم الشذرة الشعرية، وقسم القصة القصيرة جدا.
قسم الشذرة الشعرية:
يقول الناقد مسلك ميمون في تعريفه للشذرة: 
فالشذرة فن رفيع متميز، ظهر عند اليونان، وبالضبط عند هيبوكراتس في كتابه أفورزمي APHORISMI” وهي تحتل منزلة بين المنزلتين: بين الشعر والفلسفة، ولذلك هي أقرب ما تكون لما هو منطقي، وموضوعي، ومستقبلي؛ وقد تعارض كل فكر نسقي، لأنها وضعت لتكون متمردة وفاعلة.. بحيث _كما هو في هذه المجموعة_ فبعدد قليل من الكلمات، يمكن التطرق لموضوعات شتى، وبالتالي فهي من العمق الدلالي، والإشارات الإيمائية، والشفرة والترميز.. ما يعزب على التفكير السطحي إدراكه، أو سبر أغواره.
الشذرات في المجموعة لا تنتمي للقص الوجيز لكونها تفتقر إلى تأزم الحدث ونموه. بالمقابل نجدها تعبر عن مواقف إنسانية مع ترتيب موفق للمفردات؛ فهي ذات منحى وجداني، إضافة إلى الانزياح والإيحاء. مع خرق للمألوف وبخاصة بالنسبة للطفل الذي يشيخ. إنها مفارقة وتجاوز لزمنين ولحالتين مختلفتين فضلا عن أن الأصابع أن تتخلى عن يدها وتنتقل إلى يد أخرى. انه الخرق الدلالي والانزياح. وهنا مكمن الشهر وبخاصة في نصي: “سلام” ص37، و”لهو” ص56.

يقول في نص “سلام” ص37
هي لا تمد يدها له.
تخاف أن تبقى أصابعها في كفه.
المثير أن بعض الشذرات جاءت على شكل الهايكو، لكنها لا تجيب عن أسئلته المتجلية في: متى وأين وماذا. فالهايكو يتضمن ثلاثة أسطر. كل سطر يتضمن عنصرا فنيا ويجيب عن سؤال واحد من تلك الأسئلة.
عن القصة القصيرة جدا:
وإذا كانت القصة القصيرة جدا تبدو في حجم الشذرة، إلا أنها تختلف عنها من حيث الخصائص الفنية. فهي فن الشخصية، وبؤرة الحدث، وفضاء التفاعلات، تجمع بين السرد والحوار.
أتت قصص المجموعة بلغة متقشفة وموحية غالبا، وأحيانا بأسلوب شاعري. إنها نصوص بالغة التكثيف تطرقت لموضوعات شتى لها علاقة بالمجتمع والإنسان، يلامس فيها تفاصيل صغيرة من واقع الإنسان اليومي، ويسلط الأضواء على علاقة الرجل بالمرأة صعودا وهبوطا، فإذا هي تتأرجح بين الوفاء والغدر، متأثرة بطبيعة نظرة احد الطرفين إلى الآخر، بإشارات تعتمد التلميح لا التصريح. ففي نص “استجمام” ص44 نجد توترا بين الطرفين، وفي نص “مداعبة” ص 45 نجد رد فعل الأنثى العنيف صدا لمحاولات الرجل الساعية إلى القضم غير الحلال.
تسلط النصوص أضواء كاشفة على جملة من الاختلالات المجتمعية، من مثل النفاق، كما في نصي “ورع” ص73 و “أم” ص72. و الغش، كماي في نصي “باحث” ص62 و”موقف” ص63.
ونجد قد توقف عند ظاهرة لافتة للانتباه، وتعبر عن الاستلاب الذي وقع فيه الإنسان المعاصر بفعل اهتمامه المبالغ فيه بكرة القدم، حيث يتخذ المقهى مكانا لمتابعة المشاهدين وهو يتنابزون بالألقاب، ويتصارعون كالديكة لنصرة هذا الفريق أو ذاك، رغم أن الملعب خارج الوطن، والمقابلة بين غريمين لا علاقة لهما بقضايانا، ولا ينتميان لأنديتنا، كما في نص “مستديرة” 23.
كما خصصت حيزا للبعد السياسي حيث انتقدت التسلط كما في نص “داهية” ص71. والقمع كما في نص “استرخاء” ص15. وهي في نقدها لمثل هذه الظواهر السلبية تؤكد أنها سبب حقيقي في الانحدار الذي نعيشه اليوم؛ وهو ما يشير إليه نص “بين الأمس واليوم” ص55.
وقد عبر القاص عن ارتباطه بالقضايا القومية، فأرفد لها نصا بعنوان “مدينة السلام” ص57.
نصوص اعتمدت السخرية والمفارقة كما في “تشارك” ص33 و”مؤمن” ص34. مع تقشف بين في اللفظ يتجلى هذا الملمح في معظم نصوص المجموعة، وكمثال، نص “تحد” ص79، يقول السارد:
خارت قواه…
سقط.
نثرت على قبره وردا.
حين عادت، وجدته في انتظارها وفي يده باقة.
وقفلة هذا النص كما قفلات نصوص أخرى تستدعي بحثا لإظهار أصالتها وإبداعها؛ إذ البين أن نصوا سابقة وظفته مثله.
وهذا التكثيف يسهم في تسريع السرد، كخاصية أخرى للقص الوجيز كما في النص التالي “ديك” ص30 حيث يحضر الفعل ورد الفعل مباشرة وبشكل أني، ليظهر الصدام بين الفرد والجماعة.
وقد وظف القاص التناص بشكل خلاق، كما في نص “حمامة” ص50 حيث يستثمر المبدع قصة الحمامة مع الغراب.

خاتمة:
اعتمد القاص في مجموعته على كتابة نصوص قصيرة جد، بلغة دقيقة وأحيانا شاعرية، معتمدا على تقنية الحذف، وتجويع اللفظ، واعتماد تتابع الأفعال لتحقيق تسريع الأحداث، إضافة إلى المفارقة والسخرية، في نقد الظواهر الاجتماعية السلبية، منبها لأخطارها. وقد كانت عناوينه في كثير من الأحيان خير معين للقارئ للقبض على دلالات النصوص، هذه العناوين التي جاءت في معظمها بكلمة واحدة.

وفي ظل تنامي الإقبال على كتابة القصة القصيرة جدا، صار من اللازم تشكيل فرق بحث للغربلة وكشف التميز.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*