الرئيسية | فكر ونقد | “قتل الام” و “البوابات السبعة” بين الاسطورة السومرية و اسطورة “جودر” العربية | داود سلمان الشويلي – العراق

“قتل الام” و “البوابات السبعة” بين الاسطورة السومرية و اسطورة “جودر” العربية | داود سلمان الشويلي – العراق

داود سلمان الشويلي

((وادم فقط هو الوحيد الذي كان يستطيع ان يتجنب عادة التوجيه المتبادلة هذه فيما يخص خطاب الاخر الذي يقع في الطريق الى موضوعه، لان آدم كان يقارب عالما يتسم بالعذرية ولم يكن قد تُكُلّم فيه وانتُهك بوساطة الخطاب الاول) ) .(المبدأ الحواري-تودوروف- ت.فخري صالح-دار الشؤون الثقافية العامة- ط1 /1992 .ص84)

كل نص مدون، او شفاهي، لا ينشأ من العدم، عدا النشأة الاولى له في القدِم، كما نفهم من عبارة تودوروف السالفة الذكر، بل النص هو عبارة عن تجميع لنصوص سبقته في الانشاء، او جايلته، او اخذ من الواقع المرئي او المتخيل، وهذا ما يسمى في الدراسات النقدية بـ “التناص”، او”المثاقفة”بين النصوص. (راجع كتابنا: الذئب والخراف المهضومة – دراسات في التناص الابداعي – دار الشؤون الثقافية العامة- 2001) .

والتاريخ الانساني حافل بانواع الصيغ السردية، فهناك الاسطورة، والملحمة، و الحكاية، … الخ، ويمكن ان يتحول نوع سردي من صيغة الى اخرى، كأن تكون من الصيغة الاسطورية الى الصيغة الحكاية، مثل مثالنا الذي بين يدي الدراسة.

وكل نص شفاهي يتداول على الالسنة، او مدون مسطور في كتاب، فيه جزء، او اجزاء، من نصوص سابقة، او مجالية له. وحكاية (جودر الصياد ابن عمر وأخويه) من حكايات الليالي، لم تكن قد حكيت شفاهياً، او دونت كتابياً من عدم، بل انها، وفي جزئها المهم، تأخذ من كتابات، اسطورية مثلا، سابقة عنها، كباقي الحكايات الشفاهية والمكتوبة.

وفي كتابي (الف ليلة وليلة وسحر السردية العربية – دمشق -2001 ) وفي الفصل الاخير قدمت دراسة موسعة عن اسطورة “جودر” الالف ليلية، وهي الاسطورة العربية التي تقدم حكاية عن”قتل الام”للتخلص من سيطرتها، وقد قدمنا مثال تطبيقي على هذه الاسطورة من خلال رواية “السراب”لنجيب محفوظ، وفي هذا العام نشرت تطبيق اخر لها على قصة لتوفيق الحكيم.

***

في اسطورة “دموزي” السومرية، تقرر “انانا/عشتار” ملكة السماوات، النزول الى العالم السفلي، فترتدي ملابسها الملكية، وحليها، وعند بوابات هذا العالم، السبعة، يجري تجريدها من ملابسها، وفي اخر باب، الباب السابع، تصبح عارية، فيسلط عليها حكماء العالم السفلي “عيون الموت”فتتحول الى جثة هامدة.وبعد حركات سردية تخرج لتجد زوجها”تموزي”الذي تسلمه الى العالم السفلي.(منعطف المخيلة البشرية- بحث في الاساطير- صموئيل هنري- ت:صبحي حديدي- دار الحوار- ص17)

وفي حكاية الليالي(جودر الصياد ابن عمر وأخويه) يقول التاجر المغربي لـ ((جودر)) :

((اعلم أنني متى عزمت ألقيت البخور نشف الماء من النهر وبان لك باب من الذهب قدر باب المدينة بحلقتين من المعدن فانزل إلى الباب واطرقه فإنك تسمع قائلاً يقول: من يطرق باب الكنوز وهو لم يعرف أن يحل الرموز؟ فقل أنا جودر الصياد ابن عمر فيفتح لك الباب ويخرج لك شخص بيده سيف ويقول لك:إن كنت ذلك الرجل فمد عنقك حتى ارمي رأسك، فمد له عنقك ولا تخف فإنه متى رفع يده بالسيف وضربك وقع بين يديك وبعد مدة تراه شخصاً من غير روح وأنت لا تتألم من الضربة ولا يجري عليك شيء.وأما إذا خالفته فإنه يقتلك. ثم إنك إذا أبطلت رصده بالامتثال. فادخل حتى ترى باباً آخر فاطرقه يخرج لك فارس راكب فرس وعلى كتفه رمح فيقول:أي شيء أوصلك إلى هذا المكان الذي لا يدخله أحد من الأنس ولا من الجان؟ ويهز عليك الرمح، فافتح له صدرك فيضربك ويقع في الحال فتراه جسماً من غير روح وإن خالفت قتلك، ثم ادخل الباب الثالث يخرج لك آدمي وفي يده قوس ونشاب ويرميك بالقوس فافتح له صدرك ليضربك ويقع قدامك جسماً من غير روح وإن خالفت قتلك ثم ادخل الباب الرابع واطرقه يفتح لك، ويخرج لك سبع عظيم الخلقة ويهجم عليك ويفتح فمه ويريك أنه يقصد أكلك فلا تخف ولا تهرب منه، فإن وصل إليك فأعطه يدك فمتى عض يدك فإنه يقع في الحال ولا يصيبك شيء ثم اطرق الباب الخامس يخرج لك عبد أسود ويقول لك من أنت قل له أنا جودر فيقول لك إن كنت ذلك الرجل فافتح الباب السادس، فتقدم إلى الباب وقل له:يا عيسى قل لموسى يفتح الباب، فادخل تجد ثعبانين أحدهما على الشمال والآخر على اليمين، وكل واحد يفتح فاه ويهجمان عليك في الحال، فمد إليهما يديك فيعض كل واحد منهما في يد وإن خالفت قتلاك ثم ادخل الباب السابع واطرقه تخرج لك أمك وتقول لك مرحباً يا ابني أقدم حتى أسلم عليك فقل لها خليك بعيدة، اخلعي ثيابك.فتقول يا ابني أنا أمك ولي عليك حق الرضاعة والتربية، كيف تعريني؟ فقل لها إن لم تخلعي ثيابك قتلتك.وانظر جهة يمينك تجد سيفاً معلقاً، فخذه واسحبه عليها وقل لها اخلعي فتصير تخادعك وتتواضع إليك فلا تشفق عليها حتى تخلع لك ما عليها وتسقط، وحينئذ تكون قد حللت الرمز وأبطلت الأرصاد، وقد أمنت على نفسك، فأدخل تجد الذهب…) ). (ألف ليلة وليلة- ص957) .

نجد ان الحكاية الالف ليلية تأخذ من الاسطورة السومرية هذه الموتيفة، او الجزء الحكائي، الابواب السبعة، والمرأة التي تموت، او انها، أي الحكاية الالف ليلية، اخذت من حكاية اخرى متأثرة بالاسطورة السومرية، لان الاساطير والحكايات و “السوالف” و “الحدوتات” هي المادة التي يقتات عليها الانسان في كل مكان اثناء التوقف عن العمل والجلوس للراحة والاستجمام والاستماع من الاخرين للحكايات والقصص، والسوالف، والحدوتات، وشيء من التاريخ، في البيت او النادي”بيت الندوة”مع الاصدقاء والخلان.

ان الجزء الحكائي”البوابات السبعة، والمرأة المقتولة”هما موتيفات اسطورية / حكائية اوجدهما، حسب ما وصلنا لحد هذه الساعة، السومريون الذين سكنوا جنوب العراق قبل 5000 سنة تقريباً، لان قبل هذا التاريخ لم نجد ما يشير الى مثل هذه الموتيفات، لا في اساطير الشرق، ولا في اساطير الغرب، ولا في اساطير الامريكيتين، ولا في استراليا، أي في العالم كافة.

ان الانتقال من العالم المعلوم(الحياة الدنيا) الى العالم المجهول، العالم السفلي، عالم الاموات، (الحياة الاخرة)، وبالعكس، كما تصورته المخيلة السومرية، يتم بسهولة ويسر، وهذا يحدث دائما في الحكايات والاساطير، ولكنه يسلك الطريق الصعب، كما ان الخروج منه ايضا، أي التحرر منه، يمر بطريق صعب، اذ يتم في هذه الاسطورة، وبوجود المساعد، بعد خلع كافة الملابس، ومن ثم الموت، العودة الى الحياة بوجود البديل.

إذن الفكرة الرئيسية هي: بموت شخص يحيا اخر، مع بعض التغير والتبدل للفرق الذي يقع بين الاساطير وباقي انواع الحكايات بمسميات عديدة، وهذا الخيال السومري “ترجم” في الليالي الى قتل “شبح” الأم لكي يتخلص البطل من القيود التي تشده اليها.

ان هذه الموتيفات الاسطورية قد انتقلت الى حكاية الليالي إما ان تكون بصورة مباشرة، وإما غير مباشرة، أي عن طريق ورودها في حكايات اخرى سابقة لها.

ان الانتقال من العالم المعلوم الى العالم الاخر، الاموات، يتم في الاساطير مثل أي زيارة او رحلة استجمام، وفي الحكاية التي تحاول ان تقترب من الواقع كحكايتنا، كسابقتها الاسطورة، تحتاج الى سبب وواسطة، والسبب هذا هو حاجة التاجر المغربي للكنز، والواسطة هو السحر.

يقول التاجر((اعلم أنني متى عزمت ألقيت البخور نشف الماء من النهر وبان لك باب…الخ)) ، ولفظة”عزمت”، وعبارة”القيت البخور” هي من اعمال السحر.

ان التحول الذي اصاب فكر الانسان من الفكر الاسطوري الى فكر الحكايات، والسوالف، والحدوتات، قد مثلته هذه الاسطورة السومرية، والحكاية الالف ليلية، خير تمثيل، والاقتراب من الواقع شيئاً فشيئاً.

والبوابات تصنع من الخشب، او من الحديد، على الرغم من ان مدون الاسطورة، او الحكاية، لم يذكر ذلك، الا ان اكثر الحكايات في الف ليلة وليلة، وفي سوالف الجدات، والحدوتات، تذكر ان مثل هذه البوابات التي تخفي شيء ما، مصنوعة من الحديد، ومقفلة بإحكام.

والبوابات هذه هي مدخل ومخرج لشخص يبحث عن شيء ما، لنقل انه الحقيقة، الحقيقة التي تأتي بعد قتل شخص ما، او بعد ايجادها.

نجد ان هذا النظام السبعي، العدد سبعة، وتركيباته العشرية والمؤية والالفية، له حيزا واسعا في الفكر الانساني، وبصورة تراكمية.

ففي الدين والفكر اليهوديين، نجد ان خلق العالم تم في ستة أيام وارتاح الله في اليوم السابع، لذا أصبحت أيام الأسبوع سبعة.

وفى الدين والفكر المسيحيين، يمثل الرقم سبعة اتحاد أركان الأرض الأربعة مع الثالوث المقدس.كما يظهر الرقم سبعة فى رؤية يوحنا(سبع كنائس، سبع ملائكة، سبعة أختام، سبعة أبواق، وسبع نجوم) .

وفي الدين والفكر الاسلاميين، بعد ان تراكمت المعلومات عن الرقم سبعة، نجد ان اغلب الاشياء والامور والطقوس تأخذ العدد سبعة في التكرار، مثل:خلق الكون في ستة أيام وفي اليوم السابع استوى الخالق على العرش، وخلق الإنسان في سبعة أطوار، وعدد طبقات السماء سبعة، وعدد طبقات الأرض سبعة، وأبواب النار كذلك، وأبرهة الحبشي الذي حاول هدم الكعبة بجيش تقدمته سبعة أفيال، والطواف حول الكعبة سبع مرات، والسعي بين الصفا والمروة سبعة، وعدد الجمرات التي يرمئ بها الشيطان في الحج كذلك، يضاف له عند العرب الملعقات السبعة، وغير ذلك من هذا النظام، لان العدد سبعة مقدس عندهم كباقي شعوب العالم.

وفي الفكر الانساني كذلك، حيث نجد الرقم سبعة في البوذية، كالأفيال السبعة حارسة معبد الآلهة المقدسة حسب العقيدة البوذية القديمة، وبوذا خطا سبع خطوات عند مولده، ثم سار سبع سنين بحثاً عن الحقيقة حتى وجدها في زهرة اللوتس المقدسة ذات السبع ورقات، والتي يتخذها البوذيون رمزاً للتفاؤل.

والرقم سبعة لدى المصريين القدماء مهماً جداً، حيث هرم سقارة المُدرج بسبع درجات، وأيامُ الخلق سبعة، وسلّم الصعود إلى عرش الإله سبعة، ورقم سبعة رمز الأبدية عند المصريين القدماء.

وكذلك نجد ان عدد أيام الاسبوع سبعة، وعجائب الدنيا كذلك، والوان طيف المطر سبعة، وعدد البحار سبعة، وعدد القارات سبعة، وايام”سبوع”الطفل سبعة، والميت يقدمون انواع الطعام كثواب له سبعة ايام، وهكذا.

إذن هذه”البوابات السبعة”هي ثيمة قديمة يحملها الفكر الاسطوري والخرافي والحكائي في كل الادبيات القديمة والحديثة في الفكرالعالمي، وفي وقتنا الحاضر نستعمل الرقم سبعة في بعض امثالنا الدارجة على الالسن مثل:(من سابع المستيحلات) ، إذا أرادوا أن يصفوا حدوث شيء بالاستحالة الشديدة اضافة للثلاثة المعروفة التي جمعها الشاعر صفي الدين الحلي في بيت شعري، إذ قال:

لما رأيت بني الزمان وما بهم … خل وفي للشدائد اصطفي

فعلمت أن المستحيل ثلاثة … الغول والعنقاء والخــل الوفي

 ان ثيمة”الابواب السبعة، وقتل المرأة/الالهة/الام”السومرية انتقلت الى ان وصلت الى حكايات الف ليلة وليلة، حيث مرت من الاسطورة الى الحكاية(الخرافية خاصة) ، او”السالفة”، او”الحدوتة”، وقد دونت في الليالي لتكون شاهداً على كيفية انتقال الفكر من الاسطوري الى الواقعي المشبع بالخرافة واللامعقول.

والسبب نفسه نراه في الاسطورة الرافدينية(السومرية والبابلية) اذ نرى دخول اينانا او عشتار الى العالم السفلي ومرورها بالابواب السبعة، ومن ثم موتها، وعودتها حية، وارسال تموزي كبديل لها الى العالم السفلي، نجده في الحكاية الالف ليلية مع بعض الاختلافات.

نخلص من هذا، ان الفكر الذي كان يقف وراء الفكر الذي اوجد حكايات الف ليلة وليلة، وهو فكر جمعي، تراكمي، كان متأثرا بالفكر الرافديني، ان كان ذلك التأثر بصورة مباشرة، او كان بصورة غير مباشر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*