الرئيسية | سرديات | في المقهى | عبد الجليل ولد حموية
bmd

في المقهى | عبد الجليل ولد حموية

عبد الجليل ولد حموية

في المقهى الجميع يشبه الجميع، أنا أشبه خيط دخان منبعث من سيجارة بئيس يجلس فوق انكساراته العاطفية، أسعى مثله إلى التلاشي في الفراغ لسبر أغواره. صديق والدي يشبه السماء المتهجمة، يتجسس علي من وراء شاربه الكثيف، لا تعتقد أنني لن أدخن احتراما لظل والدي القابع في تَمثلاتك، لست مدخنا نمطيا، يقتلني النظام، كما  لا أحب قتل الإناث، والسيجارة أنثى جميلة، يجب الحفاظ عليها(مثل الفتاتش). السيجارة تشبه منظفة الأواني في الاحتراق من أجل الآخر، الزوج العاطل الذي ينتظر أجرتها لِيصدح بصوته في حانة بئيسة كبوق الفناء: “الرجال قوامون على النساء”. لو استبدل الميم دالا لكان أكثر إنصافا وتعبيرا عن الوضع، نعم الرجال قوادُون على النساء، لا تعتقد وأنت تتصنع لجنة قراءة في دار نشر بعيدة عن زمن الرداءة لهذا النص الرديء كسيجارة “البجاجيوس” أنني “نسواني” التوجه، لكن خيال أمي أكبر من وجودي كطفل كبير، حتى لو كنت نسوانيا ذلك لن ينقص من عمرك لمحة. اعمل وصديق والدي الفضولي بنصيحة إحداهن “المغربي الخير ليديرو في العالم يدخل سوق***”. الأواني تشبه النادل والعَاصر في الاستعمال المتكرر، لا تاريخ صلاحية لهم، فقط التشظي والانكسار كفيل بإراحَتهم. سيفرح صديقي العاصر المتذمر بهذين السطرين كوردة في يد عاشق. فلتذهب إلى الجحيم أيها الزبلبولي الماليخوليُ، لو كنتُ مدرب تنمية بشرية لوضَعت كيس أزبال على رأسكَ كقبعة جديدة تنضاف إلى القبعات السبع.

في المقهى، يبدو الجميع يشبه الجميع، صورة المدينة الجميلة على الحائط باهتة كأحلام زبون أخرس يتوسطها طريق يشبه الطريق إلى الجحيم، الأرض النظيفة كقلب فتاة غريبة أعرفها وتعرفني، عاهرة الجسد عذراء الفكر، حتى عاهرة الجسد لا شأن لك بها، ليست مؤخرتك من تتحمل ثقل الآخر-الزبون. ليخبرها الوصال أن تكتفي بالنظر في المرآة كي لا يشعر الآخر بالاشتياق. لستُ ضيق التفكير لأقَزمها في عمل أقدم من وجودي كفكرة، ما بقي مقفلا من أفكاري الرجعية فَتحه مسحوق الكوليرا، سبحان من خلق النبتة وجعل منها مشارباً عدة.  تتجسس الفتاة على ملامحي، تذكرني بفتاة رواية كتبتها ولعنتُ بها، تُزيل الشارب الحديث العهد، تُعيد ترتيب أسناني غير المنضودة، تمسح البريق من عين ذبلت، ولا تعرفني…لينقذني أحد ما، تختلجني غربة كلما جردتُ من شاربي، نسيت كيفية العيش بوجه لا شارب فيه، إنه الإرث الوحيد الذي تركه لي والدي وشيء آخر أتأفف عن ذكره. أنظر لها من خلف الفنجان كالعدو، اسحبها مع السائل إلى الأعماق، أحملق في المرآة، أضمها، أشم رائحة الجنس بين شعرها، أقبلها بعنف، ولا أعرفها.

في المقهى، كل شيء لا  يبدو مثل كل شيء، فقط هذياني الجاف يجعلني أُفكك (بعيدا عن منهج التفكيك لجاك دريدا) الواقع رموزا، نظام” بينير” يسكنني منذ سنوات الدراسة في المعهد المتخصص في تفريخ البروليتارية. الطاولة المستديرة كالحياة، تشبه وجه جارتنا المكتنزة الأرداف، لازال صوتها الرخو يقض طبلة أذني “صباح الخير عبد الجليل (مع تفخيم الجيم)”، المصباح المتدلي من السقف المغطى بالجِبص يشبه أثداء حبيبة سابقة، خطفها الحظ والمزاجية التي اقترفها للعيش. لا أفتقدها كحبيب، لكن لعنة جفاف ثدي أمي من الحليب جعلني جروا يهيم عشقا بالاثداء قبل الأرواح. الفنجان الأبيض كالغيم المنثور في السماء، الناس المهرولة كأنها في الحشر تصرخ في صمت عال: لماذا لم تأتي صلاة الاستسقاء بالمطر؟ يجيب صديق والدي العارف بكل شيء، إلا بأن ابنته تأكلني بعينيها يوميا، الشتاء حبستها النفوس الكافرة، البعد عن الله هو السبب. لو شغل دماغه قليلا لوصل إلى فكرة بعيدة عن إقحام الإيديولوجية في المناخ، الاحتباس الحراري بعيد بعد الواقع عن دماغ مهلوس عن التوجه العقائدي للأفراد، وأنقذني أيضا من محاولة إقناع والدي بذلك. أتوقف لحظة، مهلا يا أنا، لقد تعبت من اقتفاء أثر الهلوسات، أفرغ نفسي من نفسي، أسحبُ من فنجان القهوة الهواء دون المساس بحجم السائل، ربما أطلب سيجارة رديئة، أو أطرد كلبا مجرابا يسكنني، وأستمر.

في المقهى، تتجول الذكريات بين الكراسي، تختبئ المشاعر خوفا من أن تنالها يد شعراء المطر. في المقهى رؤوس أينعت وحان الوقت لِيقطفها النوم، أعين شاخصة في التلفاز، ملامح منهكة، قلوب تُسمع دقاتُها كقرع الطبول تتشبث بالعذاب بِمازوشية، ترضي سادية الموت الذي ينظر لعذابها ويرتشف من كأس الرغبة ويقهقه فرحا، أجساد فارغة من الحياة، تعتقد أنها حية لمجرد أنها تتنفس الهواء، لو نصبوني قائما بشؤونهم لأمرتهم بالزوال، وأنهيتُ تقمصهُم لدور المثل الذي يضربه الآخر بهم. تمر سحابة توهم الفلاح أنها تحمل المطر المُطهر، يوقظه الواقع من حلمه، انهض، السحابة مجرد زواج غير قانوني لمخلوقات النيكوتين والقطران، والملايين من أفٍ مكتظة بالتعب. تتكهرب ملامحه، يتوعد دجاجته المنجمة بالذبح، وزوجته بالضرب المبرح فوق السرير، كلما غابت الشتاء جامعها بعنف، ربما تكون صلواتها بأن يستمر الجفاف أصدق من أولئك البراغماتيين، دعوات نابعة من الوجدان، ومن الرغبة الشبقية في العنف المستحب.

في المقهى، الجميع يشبه الجميع، إلا أنا…لا أشبهني، أشبه زوجة الفلاح، كلانا جعل منه العشق كافرا، هي تعشق الفلاح، وأنا أيضا أعشق، من؟ هو السؤال الذي جنن الفضولي…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*