الرئيسية | مواقف | فن العزلة | أنس العلوي – تونس

فن العزلة | أنس العلوي – تونس

أنس العلوي

 

الإنسان اجتماعيّ بطبعه،  وقد بلغ به المبلغ أنه في الحِقَبِ الأخيرة، خرج عن محيطه الأصليّ ودَأَبَ في البحث عن عوالِمَ أخرى، والتنقيبِ في أكوان أخرى عمّن يشاركه الحياة. ومِنَ المتعارف عليه كذلك، أنّ العُزلة، إنّما هي مخالفة لطبيعة الإنسان السّويّ، وعلى أنها إذا كانت، فما هي إلاّ سلوك مرضيّ يُودِي بصاحبه إلى مصير يَباب. ولكنّ العزلة، أكثر من مجرد سلوك لا ينسجم وخِلْقَةِ الإنْسِ، ولهذا شرع العلماء والفلاسفة والمفكرون، مؤخراً، في تناول الموضوع على محمل الجدّ. وأوّل مَن رفع لِوَاءَ هذه المسألة هو “روبرت وايس” (Robert Weiss) وكان ذلك بكتابه “الوحدة: تجربة العزلة العاطفية والإجتماعية” (1973). ثم توالَتِ الأعمال والدراسات بشكل صارم، وهذا المقال ليس مقالاً بقدر ما هو بَسْطٌ لوجهات النظر في الموضوع من خلال مجالات عديدة، والإشارة لمفاهيم واتجاهات اجتماعية متعدّدة، وما دفعني لهذا دافع سوى أنني لاحظت أنّ هذه المسألة إنما هي الأكثر عرضة لسوء الفهم لأنّه مازال يكتنفها بعض الغموض، أمّا الدافع الآخر فهو أنني انتهيتُ -في خاتمة المطاف- إلى أنه لا يمكن لفترة العزلة أو تجربة العزلة (إذا أمكن اعتبارها من بين التجارب الحياتيّة الهامة) أن تخلو كُلَّ الخُلْوِ من مغزًى وقيمة أو حتّى ثراء أو اغناء على أيّة صعيد.

في البدء، وجب القول أنّ ما أقصده بالعزلة والوحدة في هذا المقال، ليسَ وحدة الأشخاص القسريّة، وانعزالهم بالمعنى الشائع؛ أيْ أنّهم غير قادرين على الإختلاط بالناس، أو أولئك الذين يتعرّضون للرفض من قبل المجتمع. فالبشر كائنات اجتماعية، وبحكم طبيعتهم هذه، فإنّهم يُسارعون إلى نَفْيِ الأفراد الذين لا يتلاءمون أو يتَّسِقون والمجموعة. ولكنني أعني بشكل مباشر العزلة الطوعيّة، الناتجة عن قرار من الفرد نفسه، الذي يقرّر عزلته بأمرٍ منه، وليس بأمرٍ من عوامل دفعته للوحدة والعزلة دفعاً، سواء أكانت هذه العوامل خارجية أم داخلية.

لنتحدّث الآن عن العزلة التي تكون اختيارية، التي قرّرناها بأنفسنا لأنفسنا. فبالرّغم من كونها من اختيارنا، إلاّ أنّ بداية عزلتنا هذه، تكون أمرا عسيراً أليماً، باعثاً على الشلل. ولكنْ -وكما يؤكّد ذلك الفيلسوف الفرنسي غاستون بيرجي (Gaston Berger)- أنَّ تجربة الألم والشّجَى تلك، إنّما هي ما يُثبِتُ انفصالنا الجذريِّ عن الغير، حيث أنّ ذلك الألم والقلق الذي يُوَاجَهُ في بداية عملية العزلة/الوحدة  “يعني بأنّكم وجدتم وجودكم الداخلي الفتيّ الخالص”، على حَدِّ تعبير مارتن هيدغر.

الأمر الثاني، بعد أن حدّدنا القالب الخارجي للعزلة، بقي لنا أن نُحدّدَ ماهيتها؛ أيْ ما الذي نقصده بعبارة “عزلة” أو “وحدة”، وهل هناك من وجودٍ لفرق بينهما؟ لا يمكن أنْ نطرح هذا الموضوع دون الإشارة إلى المفكرة الألمانية “حنّة آرندت” (Hennah Arendt) التي شكّلَت العزلة مركز فكرها. تَلْحَظُ آرندت أنّ “التفكير” من منظور وجودي، هو عمل منعزل غير أنّه ليس وحيداً؛ إذ “العزلة” هي ذاك الوضع الإنساني الذي أُبْقِي فيه نفسي لِرِفقَتي. أمّا “الوحدة” فإنها تأتي حين أكون وحدي بلا أيّة رفقة (سواء رفقة ذاتي أو الآخرين). إذن، ورغم الاختلاف بين العزلة والوحدة الذي ذكرته للتوّ، فإننا إن كنّا وحيدين فيزيقيّاً وجسدياً، فهذا لا ينفي كوننا “منعزلين”، أيْ أننا نحافظ على رفقتنا لذواتنا. لهذا فإنّي حين أستخدم عبارة “وحدة” و”عزلة” فإنني أصبو إلى المعنى ذاته، أيْ أنْ تكونَ رفقة ذاتك، سواءً أكُنتَ في فلاة جرداء أم بين حشد من الناس. أن تكون منعزلاً إذن، فهذا لا يمنعك من التواصل مع الآخر، ولكن بصفة محدودة. لا أنْ تكون منبسطاً إلى حدٍّ تفقد فيه رفقتك لذاتك فلا تغدو “منعزلاً” ولا القدر الذي تفرط فيه فتبلُغَ حَدَّ الانطواء على الذاتِ لتُصبِحَ العزلة آنذاك، أمراً مرضياً. إنّ الإنسان في سكون عزلته، ليست بالضرورة غربة يغترب فيها عن الناس وما يحيون به ويفكرون فيه.

بهذا المعنى -معنى أن نكون رُفَقاءَ ذواتنا-، نفهم أنّ “العزلة” مقترنة بـ”التفكير”. إنّكَ أثناءَ رفقتك لذاتك تكون منعزِلاً، ونتيجة لعزلتك تلك، ستقوم بنشاط مُعيَّن: وهو تحدُّثُكَ مع ذاتك وحكمك عليها؛ حينئذٍ تحصل عمليّة “التفكير”. لقد فَهِمَتْ آرندت أنّ الحُريّة تستتبعُ أموراً أبعدَ من مجرّد قدرة الإنسان على أنْ يتصرّف بتلقائية وإبداع في المجال العام؛ إذ تستتبع كذلك قدرته على التفكير، وقدرته على الحُكم في المجال الخاص؛ هناك حيثُ تقوّيه العزلة على أن يتأمّل في أفعاله ويُنمِي من ضميره، وعلى أنْ يكونَ بمنجًى من جَلَبة الحشود حتى يصل، آخِرَ الأمر، إلى أنْ يسمع صوتَ الفكرة في نفسه.

طبعاً هذا لا ينفي كون العزلة في بعض الحالات أمراً خطراً، حيث توجد الكثير من العيوب لفترات الوحدة أو العزلة “المزمنة” (Chronic isolation) كما يسمّيها جون كاسيوبو (John Cacioppo) وهو عالم أعصاب اجتماعي حديث، وقد دَرَسَ هذا الموضوع على نطاق واسع (زهاء 20 سنة)، يقول بأنّ العزلة المزمنة بإمكانها، بعد الضرر بصحتنا الجسدية، أنْ تَنفُذَ لتضُرَّ بقدراتنا التفكُّريّة من الإكتئاب الحاد إلى الضّرر الإدراكي الغير قابل للإصلاح.

وعليه، فليس الجميع يعودون بسلام من العزلة أو الوحدة، ولكنّ أولئك القلّة الذين فعلوا، ينجحون في الظهور ثانية في المجتمع، ويعودون بفهمٍ أعظم بكثير لأنفسهم وللآخرين. إنّ هذا السلوك -سلوك العزلة والإختلاء- هو ما قام به الكثير من العظماء: من حكيم القرن الخامس سانت سيمون ستايلايتس الذي بَنَى لنفسه عموداً بارتفاع خمسين قدماً مروراً بكونفشيوس وصولاً إلى بعض الأنبياء. وهو ما لَفَتَ نظر المؤرخ البريطاني “أرنولد توينبي” ومن هنا أطلق ما سمّاه بظاهرة العزلة والعودة. قد يقول قائل أنّ هؤلاء هم عظماء وأنبياء وحكماء… أمّا نحن فأُناسٌ عاديّون لا شوكة لهم ولا حوْل. هذا صحيح، فتجربة العزلة لا تخلق ببساطة فلاسفة وحكماء، ولكنّ تجربة العزلة لها فوائد أخرى: فوفقاً إلى دراسة نُشرت سنة 2015، فإنّ الشعور بالعزلة الاجتماعية يؤدّي إلى زيادة الإنتباه وأنها ترفع من الملاحظة؛ وبالتالي حُسنَ مراقبة العالم الاجتماعي بشكل أفضل. لقد وجدت ستيفاني كاتشيوبو -أستاذة مساعدة في جامعة شيكاغو- باستخدام التصوير العصبي الكهربائي على مجموعة اختبارات صغيرة، أفادت بأنّ المشتركين الذين وصفوا أنفسهم على أنّهم وحيدين، بالتحديد، استجابوا للصُّوَرِ المحفزة للخطر أكثر من ضِعْفِ الناس الذين وصفوا أنفسهم بأنّهم غير وحيدين (لدى الوحيدين كانت تقريباً 116 ميلي ثانية بعد بداية التحفيز، أمّا لدى الغير وحيدين فـ252 ميلي ثانية بعدَ بداية التحفيز). وكتب جون كاتشيوبو، زوج ستيفاني والذي هو أيضاً في جامعة شيكاغو، كتب في دراسة مماثلة، أنّ هذا يُشير إلى أنّ الأشخاص الذين يشعرون بالوحدة “يتوجه انتباههم أكثر نحوَ محنة الآخرين”، فإنّكَ إذا كنتَ ميّالاً للعزلة، أو أنك اخترت العيش رفقة ذاتك أولاً، فهذا لا يمنعك من الإحساس بالآخرين ومِحَنِهِم أكثر من أولئك المنبسطين اجتماعيّاً.

في مقدرة العزلة إذن، أن تجعلنا مراقبينَ أفضل للعالم الاجتماعي. ولكن لا يتوقف الأمر هنا، وإنّما ترمي العزلة بسهمها ليُصيبَ أهدافاً أبعد من هذا. إن العزلة تجعلنا إضافة لكل ما ذُكِر، مدركين وأكثر تحكماً بـ”واقعنا الذاتي-الشخصي” وليس الإحساس بالغير وكفى. يقول “كودي ديليستراتي” (كاتب ومؤرخ أمريكي) في مقالة له: “على نحوٍ حيويّ تؤكّد الوحدة لنا أنّ حياتنا ملكنا. وكانت تاريخيّاً وأسطوريّاً المسار الوحيد الضيّق نحوَ العفة والأخلاق وفهم الذات.” بعبارة أخرى، الوحدة والعزلة هما مختبر نعيد فيه اكتشاف الذات من جديد، وبرؤية أكثر جلاء ووعياً.

عندما ينأى الناس جانِباً بأنفسهم من المجال أو السياق الإجتماعي لحيواتهم، فإنه يتسنّى لهم بشكل أسْنَى، إدراك كيفيّة تشكّلهم في حيّز هذا السياق الذي تسير فيه حياتهم. ويحدث جزء كبير من عملية إعادة التشكيل الذاتي هذه، من خلال ما يطلق عليه أستاذ علم الإجتماع “جاك فونغ” (Jack Fong) “لحظات وجودية” (existentializing moments) وهي وُمَيْضَاتٌ ذهنية من الوضوح والجلاء التي تُلُوحُ في الخاطر في غضون تلك العزلة الداخلية. وبهذه الطريقة، يحصل الوعي بالذات، حيثُ يبدأ المرء في مراجعة نفسه، والتفكير فيمَ كان يفعل، وكيفية تشكّل حياته ومآلها إلى ما وصلتْ إليه في اللحظة الراهنة. بهذه الطريقة يَعِي “الفرد المنعزل” بضلالته ويتبَيَّنَ غِيَّهُ، فيرعوي ويمتنع عن بعض السلوكات الشاذة اللاإنسانية  أو الغير أخلاقيّة؛ إذ أنّ الفرد بعدَ أن ينعزل يبدأ في ولوج الحياة التأمّليّة، ويجعَلَ لنفسه ساعةً يُعالج فيها ما لا بدّ منه من أسئلة وإجابات؛ تلك التي ستسمح له بامتحانِ معاني الأشياء، والتمييز بين الواقع والمُختَرَع، وبين الحقيقة والخطأ، وبين الخير والشرّ. إذ أنّ سلوك العزلة  “قد يقود المرء للتفكير في أسئلة أوسع حول ما يعنيه أنْ يكون على قيد الحياة.”

سنة 1961 طلبت النيويوركر (The New Yorker) من حنة آرندت أن تُغطّي قضية محاكمة أدولف آيخمن، الضابط النّازي والذي ساهم بشكل كبير في الهولوكوست، وقد دارَ بخَلْدِ آرندت أنْ تعرف كيف يدخل في طوق أحدهم أنْ يجترح مثل تلك الفظاعات. ولا يفعل ذلك، بلا مرية، إلاّ المعتلّ نفسيّاً أو اجتماعيّاً، وهو وحده مَن يستطيع أنْ يُشارك في المحرقة. وما راعها إلاّ ما وجدته فيه من ضعفٍ في المخيّلة، واستمساك تام بالتقليدية. وقد قالت، أنه بينما أفعال آيخمَن شريرة، إلاّ أنّ آيخمَن-الشخص  “كان عاديّاً تماماً، طبيعيّاً، ليس بشيطانٍ ولا وحش. ولم تكُنْ تَلُوحُ منه أيُّ علامةٍ على وجود قناعات أيدولوجية راسخة.” لقد أرجعت آرندت لاأخلاقيته؛ أيْ قدرته، بل حماسته على ارتكاب الجرائم، أرجعتها إلى عدم تفكّره. إنّ فقدان القدرة على التوقف للتّفكير هو ما ترك آيخمَن يُساهم في القتل الجماعي لليهود. ما خرجت به آرندت من هذه القضية كاستنتاج نهائيّ، هو أنها عرفت أنّ  “الشخص الذي لا يدري ما هو الحوار الصامت -الذي به نفحص ما نقول وما نفعل- لن يُمانِعَ مناقضته نفسَهُ، وهذا يعني أنه لن يكون أبداً قادراً أو راغباً في الأخذ في الحُسبانا بما يقوله أو يفعله، ولن يأْبَهَ باقتراف أيّة جريمة من الجرائم؛ إذ هو مستطيع أنْ يركن إلى أنّ جريمته ستُنسى في التوّ واللّحظة.”كان آيخمَن قد أخفق في الأوبة إلى نفسه، وكان انبساطيّاً بشكل كبير ومنغمساً في الفعاليات المشتركة بحيثُ لا يشعر بميل إلى التفكير فيما كان يقوم به، ولم يَصِل إلى حالة العُزلة. وهذا يُحيلني إلى عبارة لـ”توماس ميرتون” في كتابه الموسوم “تأمّلات في العزلة” (Thoughts in solitude)، يقول ميرتون: “ليس في مقدورنا إبصار شيء إذا لم نتوقّف عن عناقهم وضمّهِم إلى أحضاننا.”

وهنا، تصحُّ رؤية السيسيولوجي “جورج زيمل” الذي يؤكّد على كون العزلة حقيقة اجتماعيّة أكثر منها خيارات فردية خالصة -ولو أنّ جزءاً كبيراً منها يحصل داخل الفرد. تقول أوليفيا لاينغ (Olivia Laing) في كتابها “المدينة الموحشة.. مغامرات في فن الإختلاء” (The lonely city – Adventures in the art of being alone, 2016) في سياق حديثها عن تجربتها مع الوحدة، تقول: “لقد تجلَّتْ بعض الأشياء لي، لا بوصفي فرداً، وإنّما أيضاً كمواطنة في هذا العصر.”

الوحدة والعزلة في الأعمال الفنية والأدبية

يقول الأمريكي بول أوستر: “كلّ كتابٍ هو صورة للعزلة. إنّه شيءٌ يستطيع المرء التقاطه ووضعه، يستطيع فتحه وغلقه، وكلماته تمثل شهوراً من عزلة الكاتب، أو حتى سنوات. هكذا، يستطيع المرء أنْ يشعر وهو يقرأ كُلَّ كلمة من الكتاب بأنّه يكشف تلك العزلة جُسَيْماً جُسَيْماً.” طبعاً، فإنّ ما يلفتُ الاهتمام فعلاً، في الأعمال الفنيّة والأدبية أنه يكثر الحديث عن الوحدة والتغنّي بها، ولكنْ في واقع الأمر، قد يُتَبَيَّنُ أحياناً أن ذلك ما كان إلاّ زيفاً. كلّنا يعرف أنَّ ديفيد ثورو تكلّم بحماسٍ عن وحدته، نقرأ له في كتابه “والدن أو الحياة في الغابة” حيث يقول: “لماذا يجب أن أشعر بالوحدة؟.. أنا لستُ وحيداً أكثر من البطّ الغوّاص في البركة الذي يضحكُ بصوتٍ عالٍ جدّاً، أو حتى من والدن نفسِهِ.” رغم هذا، كان “والدن” يجلس في حديقة كبيرة تَعُمُّ بالمتنزهين فضلاً عن السباحين والمتزلّجين وصيّادي السمك. يمكننا أنْ نلحَظَ أيضاً، أنّ ثورو تَراسَلَ بشكل متكرّرٍ مع رالف والدو إيمرسون، ثم باتَ زائراً له في قريته مرة كُلَّ أسبوع لتناول الطّعام مع أصدقائه، أو ليأكُلَ البسكويت الذي تخبزه أمه. لهذا، فإنّه نادراً ما كان وحيداً حقّاً.

ولكن أليسَ من الظلم اعتبار ما كان يُحِسُّ به ثورو زيفاً؟ بلى، لم يكن شعور ثورو بالوحدة محض مشاعر زائفة كان يتوهّمُها. إذا قلنا أن ثورو نادراً ما كان وحيداً في الواقع، ولكنه بلا شك، كان وحيداً نظريّاً وليس فيزيقياً، لقد كان “مُنعزلاً” بالمعنى الآرندتي للكلمة، وذلك لأنّ صوتَ ذاته كان يَعْلُو على جَلَبة مَن حَوْلِهِ، وكانت “نفسه” تُلقِي بشباكها فوق مَن يُحيطونه، فتغمُرُهم. باختصار، إنّ ما كان يشعر به ثورو، أنّ تلكَ الحميميّة مع ذاته، هي عائق نهائي أمام كُلّ تواصُلٍ مع الغير.

هذه العزلة -أو الوحدة كما أراد هو التعبير عنها- نجدها حاضرةً بقوّة أكثر في شخص “رينيه دو شاتوبريون” R.D. Chateaubriand كما يكشف على ذلك كتاب “المذكرات”. ما يكشفه هذا العمل بالذات، هو تلك العزلة التي، إضافةً إلى أنها ضرورية بالنسبة إليه باعتباره كاتباً، فقد كانت في مُترَسِّخَةً في طِبَاعِهِ، وقد لازمته منذ الطفولة. ويكفينا برهاناً على ذلك قولُ بعضِ مَنْ شَهِدُوا على عهود صِبَاه ومراهقته ذاك وما قاله هو عن نفسه: “كنتُ أجمع حولي رفاقي الشبّان، ثمَّ أهجرهم فجأةً لأجلسَ على انفرادٍ أتأمّل السحابة العابرة أو أسمع المطر يقع على أوراق الشجر.” وإنَّ هذا المَيْلَ إلى العزلة عند شاتوبريان لا يحتاج منّا كثيرَ تفسيرٍ، إذ يكفينا ما قاله في “ذكريات من وراء قبر” معبِّراً عن تناقضاته التي كانت تُبينُ له عن مدى الهوّة والبَوْنِ الذي كان فاصلاً بينه وبين مَنْ حوله، فيزُجُّ به إلى العزلة، والشعور بالوحدة: “من براعة سَعْيِي إلى خلق آلام لنفسي وضعتُ نفسي بينَ يأسَيْنِ. فبعض الأحيان كنت أعتقدني مخلوقاً لا قيمة له، غير قابلٍ للترفع فوق الأمور المبتذلة. وبعض الأحيان كان يتراءى لي أنّي أحسبني ذا مزايا لا يمكن تقديرها على الإطلاق.” وهذا ما كان يَدُعُّهُ في مستنقعات العزلة محاوَلَةً منه إلى سبر أغوار ذاته وقَنْصِ تناقضاته والتغلُّبِ عليها في غياهب التأمُّلات. “يهيم على وجهه مفكّراً وحيداً على ضفاف نهر الرنس.” قال أحد أصدقاءه واصفاً إيّاه، “ولكنّه يلعَبُ أيضاً حتى الإعياء بين الأولاد القذرين والفرحين الذينَ يطوفونَ الشوارع.”

بالرجوع إلى أوليفيا لاينغ وكتابها “المدينة الموحشة.. مغامرات في فن الإختلاء” الذي تناولت فيه من بين ما تناولت أربعة فنانين عرفوا الوحدة كما لم يعرفها أحد. على سبيل المثال آندي وورهل (Andy Warhol) الذي لطالما نبذته لاينغ إلى أن غاصت في بطون الوحدة في نيويورك، فعرفت الأبعاد الجمالية والقيمة الفنية لأعمال وورهول تلك باعتبار أنه غَدَا ثَمّةَ قاسم مشترك بينهما، ومن أشهرها لوحة رؤوس الأبقار (Cow Wallpaper) التي تبدو للشخص العاديّ خُلْوَةً من كلّ مغزًى وجمالية، وكذلك كانت لاينغ: “كنتُ قد رأيتُ طوابِعَ رؤوس الأبقار والرئيس ماوتسي تونغ التي صمّمها وورهل آلاف المرّات، واعتقدتُ في كل مرة أنها فارغة وتافهة، وتجاوزتها كما نفعل عادةً مع الأشياء التي ننظر إليها لكنّنا نعجز عن رؤيتها.” ثم تقول بعد تغييرها لنظرتها تجاه أعمال وورهول: “يطوف فن وورهول في المسافة ما بين الناس، بتحقيقاته الفلسفية الكبرى في مفاهيم البعد والدنوّ، الألفة والقطيعة. وكغيره من الوحيدين، كان وورهول مدّخراً أصيلاً، يحيط نفسه بالأغراض ويصنعها، لأنها كانت تمنع إحساسه بالحاجة للصحبة الإنسانية. كان يخشى التواصل الجسديّ، ونادراً ما غادر منزله دون عتاد الكاميرات ومسجلات الأشرطة، ليستخدمهم في الحيلولة دون أيِّ تواصُلٍ محتمل: يلقي هذا السلوك الضوء على الطريقة التي تُوَظَّفُ فيها التكنولوجيا في زمن يدعى زَمَنَ التواصل.”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*