الرئيسية | فكر ونقد | فلاسفة اللاعقل وعقلانية اللاوعي.. ما يدين به التحليل النفسي للفلسفة المضادة | د. يوسف عدنان

فلاسفة اللاعقل وعقلانية اللاوعي.. ما يدين به التحليل النفسي للفلسفة المضادة | د. يوسف عدنان

 يوسف عدنان *

 

من المغالطات الفظيعة التي يقع فيها معشر الفكر الفلسفي وهُواته، هو إقامة ذلك التقابل الضدّي بين العقل واللاعقل، الموسوم في مجموعة من الكتابات أو عنوانين المحاضرات بالتسمية التالية: “العقل في مواجهة اللاعقل”. ونقول بل نلحّ أنه من الأجدى استبدال اللفظ وتلطيف الشحنة السالبة المُحايثة له، كالقول: “العقل في مواجهة أوهام العقل”، وليس اللاعقل، إذ هذا الأخير- ليس بالمعنى الخرافي/الأسطوري – هو كذلك مصدر من مصادر المعرفة، إن لم يكن الصّمغ الأصلي لكلّ معرفة تنصبّ نحو الذات الإنسية {إن اللاعقل هو ذلك المكان الذي يتم في التفكير لكن بدون معرفة}، ولا يعني هذا التنبيه المحويّ بين قوسين، أن اللاعقل مشلول أو معطّل أو تنقصه خاصية التفكير، وإنما هو يفكّر في التفكير المُنتظر أن يطفو على سطح الوعي. يقول نتشه المبشّر بالفلسفة اللاعقلانية بعد فيلسوف العبث آرثر شوبنهاور: “إن الفلسفة تنجح كلما ابتعدت عن العقل، إنها تراجيديا”.

فعندما يُقبر اللاعقل بمشتقاته اللاوعي/ اللاشعور {1}، ويرضى أن يتعبّد في محراب اللوغوس على أمل أن يعدّل هذا الأخير نزعاته الوارمة وشطحاته الخيالية – تبعا للفهم المغلوط – آنها يفقد عُملته النادرة وهي الوقوف على حافة الحياد وجعل من الهامش مركزا في حدّ ذاته بلغة “جاك دريدا” *. ربما هي أوهام العقل من أصبحت تلوي عُنق الخطاب الفلسفي ذاته في زمننا المعاصر، تلك السرديات الكبرى على حدّ تعبير “فرنسوا ليوتار” أو هو مفعول العقل الأداتي الذي تضخّم إلى درجة الثقة العمياء في إمكاناته {نقدانية مدرسة فرانكفورت} أو هي نفحات من الديكارتيات التي أخطأت العنوان ببداهتها المفرطة “extrême” ووحدانية الذات “solipsisme” أو عبادة العقل {الأنا المفكر}، وقس على ذلك العديد من الزخرفات المواكبة لتاريخ الفلسفة، المسفّلة لقيمة الجوانب اللإرادية واللاعقلية واللاوعية.

إن سبيل الفكر الفلسفي لكي يضيء ظُلمة عصره، هو توجيه سعيه المحمود صوب إيجاد التوازن المُمكن كما أسلفنا الذكر بين العقل واللاعقل، لا أن يقيم جدارا سميكا بينهما، ما دام السؤال من أساسه مغلوط من حيث الطرح بلغة المناطقة. فالعقل في صراع مع أوهامه التي لا يجوز تعليقها على مشجب اللاعقل.

لنتذكّر الدرس الأنثروبولوجي مع “كلود ليفي سترواس” والمعطى التحليلي النفسي مع “سيغموند فرويد” وغيره، وحتى الخطاب الفلسفي لم يكن دائما متحيّزا إلى طرف معين {لنعد إلى إسهامات آرثر شوبنهاور وكارل ماركس وفريديريك نتشه ولويس ألتوسير وميشال فوكو وجاك دريدا وكاستورياديس وجوليا كريستيفا {…} الخ. إننا عندما نُطيح من قيمة اللاعقل، فنحن نعتقل إمكانات الذات وانبجاساتها، ونزكي بالمقابل تناقضا مفبركا مع ماهية التفكير الفلسفي نفسه، الذي تكمُن مهمته الأزلية في القبض على نمط تفكير العصر الذي يُواكبه وسيتشهق أنفاسه من رئتيه، لا أن يصادر تعابيره المختلفة أو يحكم عليه بالتعقّل ونقيضاته.

إذا كان الأمر يتطلب جدالا هادئا في المسألة كما يرتضيه هوى حفدة سقراط، الداعين -بثقة زائدة-إلى التمسك بالعقل وحده ولا شيء غيره، فلماذا نجد فيلسوفا بحجم غادمير يُعاين ماهية الفلسفة -باعتبارها نتاجا لوعي فردي أو جماعي -دائما ما كانت مرتبطة بالبحث عن أجوبة لتفسير الحياة والكون والوجود والموجود، وليس بالضروري أن يكون الباحث عن الجواب إنسانا عاقلاêtre raisonnable، إذ عادة ما تقود الأسئلة الجاهلة إلى كشف حقائق لم تكن في الحسبان.

لن يُمار أحد في اغتناء الفلسفة سابقا وحاضرا بأفكار الفلاسفة العقلانيين كما يشهد على ذلك تاريخ الفلسفة، لكن هناك بالمثل فلاسفة لاعقلانيون، بل وهناك أيضا من يُنعتون بالفلاسفة المضادينles anti-philosophes  أو الفلسفة المضادة، فكيف للحس الفلسفي اليقظ أن يسقط في حفرة واسعة الكوة وسحيقة الأعماق وعدمية الأفق؟

يُعتبر كارل ماركس مثلا من بين الفلاسفة الأوائل المشكّكين في جوهرانية العقل وسليله الوعي، عندما طرح كومة من التساؤلات الإشكالية نقتصر على ذكر ثنائيها القطبي، كالآتي: هل الوعي كيان مستقل؟ إلى أي حد يمكن تنزيله منزلة الجوهر والمبدأ والمحدد لماهية الإنسان؟ وبطبيعة الحال لن نفصّل في المنظور الماركسي، مكتفين بهذه الإحالة التي ابتدأت مشوار التظنن في الوعي وإعادة البحث في شروط تكونه ومصداقيته المعلّقة، دون الحاجة إلى الخوض في تعريف المفاهيم التي خطّت متنه وأبانت على محدودية الوعي وهشاشته، من قبيل: الوهم، الزيف، الاستلاب {…} الخ.

بمعنى آخر، هناك صورة مقلوبة/مشوشة يحملها الوعي عن نفسه. وهكذا قد ساهم التحليل الماركسي بومضات في انبثاق حركة التحليل النفسي التي فجّرت عشّ هذا الأخير {أي الوعي} مفهوميا وابستمولوجيا، وكان لا بد من انتظار مجيء الفيلسوف لويس ألتوسير الذي أفعم رصيد الماركسية وأقحم التحليل النفسي في صلبها، عندما أوضح بدوره سكرات الوعي وشبّهه “باللاوعي المزيف”، كما أكد على أن الأيديولوجيا – منظومة الأفكار المؤطرة لحركة الوعي الجماعي –                  هي في صميمها لاواعية، تتوقّد بمفاعيل غير مدركة على نحو تام ومباشر.

من المألوف والمتعارف عليه أن المعرفة تأمن بمثول الموضوع أمام الذات، لكن هذه الذات لا تعرف نفسها، فكيف أن تكون معتمدا للمعرفة. إن حضور الموضوع في الذات لا يعني وعي الذات به. وبخصوص سؤال ما معنى أن نعرف؟ فيبدو أن الكوجيطو لا يرتقي لدرجة عدّه معيارا للمعرفة، أو منفذا ملكيا لبلوغ الحقيقة. إن رونيه ديكارت – مع واجب الاحترام لشخصه ومكانته-لم يستطع الخروج من الأنا أفكر، أشك، أنوجد {…} الخ، فكيف له أن يخرج إلى العالم والمعرفة، وتعميم الذات مع الأشياء.

إن المعرفة الحقانية هي أن تضع شيئا في وضوح تام أمام الذات، لكن هذه الذات لا تعرف نفسها لأن فيها جزءا منها لا تعرفه ولا ينكشف لها بنفس البداهة التي اعتقد فيها ديكارت *، فكيف لها والحالة هذه أن تكون صادقة فيما تعرف؟! إن مشكل الوعي –تبعا لينتشه-لا يختزل في حضوره من عدمه وإنما يتصل بأصله وكيفية تقييمه: هل هو أساس للوجود أو عرض من أعراضه؟ هل هو مبدأ أو نتاج؟ هل هو حقيقة وجود أو وهم زكاه الفلاسفة؟

تنحت فلسفة فوكو ببراعة ودّقة هذا المنظور النيتشوي المشار إليه، “فالإنسان عقلاني جدا إلى درجة قصوى أنه مجنون” (فوكو). تفيد هذه القولة في كَون جنوح الكائن الناطق نحو العقلانية المثالية لهو الجنون المطبق بعينه. فالإفراط في تأليه العقل، ينتهي بهذا الأخير إلى أن يسقط ضحية نفسه. فليس الجنون نتاجا لانطفاء ضياء العقل، وإنما الأمر يفهم بالعكس تماما، أي تجنب ما أمكن الاعتقاد فيه والاكتفاء به لوحده. يقول “ميشال فوكو” مؤرخ العقليات: لا يستطيع الكوجيطو أن يفكر في نفسه في الحلم مع تواجد نفس أخرى وفي الجنون وفي الخطأ. أو بالأحرى هم ثلاثة أشياء لم يستطع الكوجيطو الحديث عنها: الحلم والجنون والخطأ. “إن الكوجيطو حزين” (فوكو).

لقد فتح الكوجيطو سلسلة من التساؤلات على حد تعبير فوكو، حيث يتعلق الأمر بمسألة الكائن. ولا ضير أن نهتدي في هذا المنوال بنص قصير له، يقول فيه: ما يجب أن يكون، أنا الذي يفكّر وأنا الذي أكون فكري، كي أكون ما لا أفكر وكي يكون فكري ما لست أنا؟ ما هو، في النهاية هذا الكائن الذي يتلألأ أو بالأحرى يومض ومضا متقطّعا من خلال انفتاح الكوجيتو، ومع ذلك ليس هذا الكائن معطى من قبل هذا الكوجيتو أو من خلاله تماما؟ ما هي في النهاية العلاقة والانتماء الصعب ما بين الوجود والفكر؟ ما هي كينونة الإنسان، كيف يمكن لهذا الكائن، الذي يستطاع لسهولة وصفه بأن “لديه فكرا” وأنه ربّما الوحيد الذي يمتلكه، أن يكون علاقة أساسية لا تمحي مع اللامفكر؟ وهكذا ينشأ نوع من التفكير، بعيد كلّ البعد عن الديكارتية وعن التحليل الكانطي، بحيث يصبح موضوع السؤال لأول مرّة هو كينونة الإنسان، وفق ذلك البعد الذي يجعل الفكر يتوجه إلى اللامفكر ويتمفصل عليه {2}، فليست أفكارنا الواعية – على حد تعبير هنري برغسون-سوى أوراق ميتة مطروحة على مستنقع عميق. في نفس الاتجاه الذي يذهب إلى نسف أسطورة الكوجيتو نجد قولة الضد ديكارتية الشهيرة للمحلل النفسي جاك لاكان: “أنا لا أوجد هناك حيث أنا لعبة فكري، أنا أفكر فيمن أكون، هناك حيث لا أفكر أنني أفكر”.

يلتقط لاكان بتمعّن شديد تلك النظرة التشاؤمية عند الفيلسوف مارتن هايدغر حول سيادة العقل، مُدرجا نَفَسَهَا الفلسفي ضمن مجال عوارض العصر الدالّة على حالة من الغُفلية تَسِمُ الوجود الإنساني. معتبرا من جانبه أن الوعي مُتناهي وعاجز عن اختراق حقيقة الشيء وأصله، في حين يبدو اللاوعي ذو طبيعة لامتناهية، بما هو يحي خارج حدود المفكر فيه، وربما يسمو ليقوم مقام ذلك الأصل البدئي الذي يكتنه سرّ الشيء المُنكَشِفْ/المُنكَشَفْ على سجيّته الأولى. فيجعل بذلك من الوجود الماهوي للكائن الدازيني متحققا في اللاوعي، من حيث هو فهم ما قبل منعكس، لم يتّم طمسه بعد في دواليب سجل الواقع {3}.

لطالما يوجد هناك ما يحثّنا على مواصلة التفكير رغم ما يخالجنا من وهم المعرفة، ما دام هناك قصور أو حتىّ عُقم يطال ماهية التفكير نفسه. ولقد مضى هايدغر في هذا المنوال معتبرا الكائن الأونطيقي، الذي يحي بين كفّتي الوجود والزمن، وبعد كلّ المسارات التي تعددّت به، لا زال لا يُفكر بعد، بقوله: “إن ما يدعو أكثر إلى التفكير هو أننا لا نفكر بعد”.

إن الخيط الناظم بين فلاسفة ما بعد الحداثة أو فلاسفة الهوامش هو الخروج عن الذات، والكف عن الاعتقاد في التطابق المزعوم بين الذات والواقع، ونقاء الهوية وتماسك الأنا. وها نحن نجد مرة أخرى مارتن هايدغر يقول: “إن التحليل النفسي ما فتئ يرينا أن الذات هي ما لا نحسه وما لا نستشعره”. أما ما يتعلق بإشكاليات اللاوعي، فقد نوقشت أكثر من مرة من قبل الفلاسفة الروس على درجة عالية من التوضيح والتفهيم، بل إن تاريخ التصورات والمفاهيم حول “اللاوعي” لا يعود في جذوره إلى الفكر الأوربي فحسب، وإنما إلى الفكر الروسي أيضا {4}. ومختصر القول، لغاية إبداع تعاليم التحليل النفسي، كانت التصورات والمفاهيم حول اللاوعي قد قامت بجولة واسعة في أوساط الفلاسفة والأطباء على حدّ سواء {5}.

إن اللقاء بالتحليل النفسي يرجّ رجّة هائلة من تكون في الفينومينولوجيا والفلسفة الوجودية وفي سياق التجديد في الدراسات الهيجلية وفي البحوث ذات المنحى اللغوي إذ لا يتعلق الأمر بالمساس بهذا الموضوع أو ذاك من مواضيع التفكير الفلسفي وإعادة النظر فيها. بل إن كل المشروع الفلسفي هو المستهدف من ذلك. فالفيلسوف المعاصر يلتقي بفرويد غير بعيد عن نتشه ولا عن ماركس. فيقف ثلاثتهم أمامه أقطاب الظّنّة وكاشفي الأقنعة. وينشأ مشكل جديد وهو مشكل زيف الوعي ومشكل الوعي بما هو مزيف {6} {7}.

حقا إن فكرة اللاشعور لم تكن جديدة تماما في أوربا في بدايات القرن التاسع عشر. وتجدر الإشارة إلى أن الرومانسية – في مواجهة عقلانية عصر الأنوار، التي كانت بمثابة أيديولوجيا الثورة الفرنسية، وكردّ فعل ضدّها-نحت إلى إشادة مُنتشية بالعواطف. فالعواطف حسب الرومانسيين، هي ما يربط الفرد بالدافع الطبيعي نفسه، وما يجعله في تواصل مع القوى الخفية للأرض. من هذا التصور نبع أبطال جدد، مصائرهم بأيدي القدر، وجراح العواطف المتأججة تُثخنهم. فآلام بطل غوته الفتى فيرتر، والتغنّي بالليل من قبل نوفاليس، والألحان الشعبية الكئيبة لشوبرت، كانت وليدة هذه الحركة. وفي المجال الفكري، ظهرت إلى جانب أعمال هيجل وشيلنغ، فلسفة شوبنهاور {8}.

فمذهب هذا الأخير، كما عبّر عنه في مؤلف “العالم كإرادة وتمثل” {1818}، يفصل بين مبدأين رئيسين في الكون: القوة العاقلة والإرادة. لكنّ الإرادة هي التي تسيطر على ما يدخل في نطاق القوّة العاقلة {أو الفكر} الشعور: “إن الفكر يبقى غريبا تماما عن قرارات الإرادة. فيجب أن يضبطها متلبسة ليحرز مقاصدها الفعلية”. وهكذا، فالإنسان قد يجهل الدوافع الحقة لأفعاله التي لا تفسّرها إلا فورة غامضة للإرادة، تبقى لا شعورية بالنسبة للفكر {9}.

من المؤكد أن آرثر شوبنهاور قد سبق التحليل النفسي بفرضية الإرادة اللاواعية التي تقابل بشكل أو بآخر الغرائز النفسية التي تحدث عنها فرويد و قد تحدث فرويد عن دور مهم لشوبنهاور في نظرية الغرائز عندما قال بأن هذا الفيلسوف هو الذي ذكّر البشر بأهمية صبواتهم الجنسية المهوّن من شأنها على الدوام {10}، و يضيف في كتاب آخر بأن شوبنهاور قد بين للناس منذ أمد طويل إلى أي مدى تحدد نوازعهم الجنسية نشاطهم و جهودهم {11}، بذلك يمكننا التحدث عن فرويد كاستمرار لتيار فلسفي يؤكد على الديناميكية الواعية للحياة محاولاً إبرازها بأسلوب تجريبي شابه الكثير من التأملات الحدسية التي استمر تأثره بها من خلال المرور بالفلسفة المعاصرة حيث نجده يتفق مع الفلسفة الظاهراتية بأن النفسي ليس حالة جامدة و لا هو جوهر يتبدى في ظواهر ، كما يتفق معهم في إثبات شفافية النفسي و إمكانية فهمه عبر ما يحصل فيه من معنى و في الوقت ذاته إثبات ارتباط النفسي بالمجتمع و العالم، و من هذا المحور نجد التقاطع بين منهجية هوسرل الظاهراتية ذات التوجه التأملي الفلسفي و بين منهجية فرويد ذو المنحى العلاجي التجريبي، فكل منهما ربط السلوك بالمعنى ممثلاً بقصدية هوسرل و رمزية فرويد، بحيث ينبغي بالضرورة فهم التصرفات الإنسانية لا تفسيرها فقط {12}.

غير بعيد عن مضمار الفلسفة المهتمة بمقولة اللاشعور، استلهم الفيلسوف الألماني كارل – غوستاف كاروس هذا التصور الشوبهاوري، إذ كتب في “دروس في الفلسفة” {1831}: “إن اللاشعور هو التعبير الذاتي الذي يدلّ على ما نعرفه موضوعيا تحت اسم الطبيعة”. وقيد سبق وأن ميز “ك.غ. كاروس” بين لا شعور مطلق، باعتباره منطقة من النفس لا ينفد إليها أي شعاع من الشّعور، وبين لا شعور نسبي يتشكل من تدني بعض العمليات الشعورية، وشابه                 العاطفة باللاشعور، إذ يقول في هذا النطاق: ” هذا النشيد، هذا البوح الرائع من قبل اللاشعور للشعور، نحن           نسميه عاطفة” {13}.

ونشير في نفس السياق إلى “الفيلسوف الألماني إدوارد فون هارتمان” الذي صاغ تصورا عن إرادة وفكر لاشعوريين، باعتبارهما مبدأين يعلوان على الشعور، وذلك في كتابه الأساسي “فلسفة اللاشعور” {1869}. فمبدأ اللاشعور، في رأيه، هو الذي يتحكم في ظاهرة الغريزة: الخوف من الموت، الحياء، التقزّز، عاطفة الأمومة، الرغبة العاطفية الجنسية. وعلى اللاشعور تنبني الحساسية والأخلاق والاستيطيقا {علم الجمال، الحس الجمالي}. فالكتاب المشار إليه يشدّد على أن الحياة الشعورية بكاملها تبقى تحت تأثير الجانب النفسي اللاشعوري {14}. تُمّ لا ننسى كذلك الإشادات المُغرية، لأصحابها: ليب، فيخنيره، ف، فوندت، كارل غوستاف يونغ … الخ {15}. وبكلمة، إن أعمال فيخنر وفوندت هي أيضا المصادر الفلسفية التي حدّدت مُسبقا نشوء مفاهيم التحليل النفسي وتصوراته {16}.

يتبع

أستاذ الفلسفة – متخصص في التحليل النفسي – باحث في النقد السينمائي *

هوامش:

  1. حتى نتفادى أسلوب “المينارس” في الكلام {أي التلاعب بالألفاظ كما يجيد ذلك الشعراء}، ننبه القارئ أننا نتعمد التنويع بين مفهوم اللاوعي ومفهوم اللاشعور. على خلفية اعتبار أن الأول ينتسب إلى الحقل الفلسفي، بينما الثاني {اللاشعور} فهو سليل كشوفات التحليل النفسي، الذي أفعم المفهوم بشحنة نفسية بغرض انتشاله من مضمار الفلسفة اللاعقلانية – وإصباغه بنفس علمي أو حتى شبه علمي- ولو أنها كانت المحضن الأول المنبث للمصطلح.

* الفيلسوف الحقيقي يمشي على ضفاف الهامش.

* DESCARTES, Méditations, Méditation seconde, in œuvres et Lettres, éd.Gallimard, ,pp 772 – 872.

  1. Michel FOUCAULT, Les mots et les choses, Gallimard, 1966, pp 335 -336.

  2. راجع مقالنا، تحت عنوان: الأنطولوجيا الوجودية .. بين مارتن هايدغر وجاك لاكان يعبر سؤال الكائن الدازيني.

  3. “فرويد .. التحليل النفسي والفلسفة الغربية المعاصرة”، فاليري ليبن، ترجمة زياد الملاّ، مراجعة: د تيسير كم نقش، دار الطليعة الجديدة، ط 1، 1997، ص 39.

  1. نفس المرجع، ص 41.

  2. Paul Ricœur ; Le Conflit des interprétations. Essais d’herméneutique, Edition seuil, paris, 1969.

  3. راجع مؤلف “فرويد .. التحليل النفسي والفلسفة الغربية المعاصرة”، مرجع مذكور، ص 85 – 86.

  4. موسوعة إنسان العصر الحديث وفكره، منشورات عكاظ، المجلد 1، 2016، ص 39.

  5. راجع مؤلف “شوبنهاور فيلسوف العبث” كليمان روسّيه، ترجمة مروان بطش، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2015.

  6. فرويد, سيجموند – إبليس في التحليل النفسي – ترجمة : جورج طرابيشي – دار الطليعة-بيروت ط3 1999ص 102-103.

  7. فرويد , سيجموند – ثلاث مقالات في نظرية الجنسية، ص 32.

  8. مجلة الفكر العربي المعاصر – مقدمات منهجية في التحليل النفسي الوجودي – نهاد التكرلي – عدد سابق، ص 138.

  9. موسوعة إنسان العصر الحديث وفكره، منشورات عكاظ، المجلد 1، 2016، ص 40.

  10. نفس المرجع، ص 39-40.

  11. فرويد .. التحليل النفسي والفلسفة الغربية المعاصرة، مرجع مذكور، ص 36 – 37.

  12. نفس المرجع، ص 77.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*