الرئيسية | سرديات | فتاة الحافلة | نورالدين خروب

فتاة الحافلة | نورالدين خروب

نورالدين خروب

من خلف زجاج المقهى انتبه إلى التيه الذي جعلها  تعبر الأرصفة بدون وجهة محدّدة بعدما نزلت من الحافلة بشكلٍ خاطئ. حكت له تفاصيل قصّتها، وعن رجل الزقاق ذو الملامح البشعة. رق قلبـه فأدار محرك السيارة فانطلق صوب المحطة، توادعا وهو يمدّ لها ثمـــــن التاكسي، بدوها، تركت لــه رقم هاتفها ليطمئـــــــــن على وصولها. تحت الملاءة سمع رنة هاتفه  ليلا، ليتكرّر هذا الرنين مع توالي الليالي ولتبدأ خيوط قصّة حبّ غامضة نسجتها الصدفة والحافلة والمقهى.

بعد أسبوعين وتحت جسر وادي بهت تحديدا، أسندت رأسها على كتفه وركّزت بصرها على الماء المنساب،أخذ مبادرة الكلام وقال: أخاف أن تمضي الأيام بالشكل الذي لا أريد، ويأتي يوم أتألم فيه. أزاحت خصلات شعرها عن وجهها ووضعتها خلف أذنها اليمنى، قالت: هو أمر في غاية الأهمية ويستحق التأمل، ثمّ أردفت : هذا إذا لم تختف في حضن إمرأة.  ابتهج لكلامها، فشعر بارتياح وقد تخصّب وجهه فرحًا.

تأبطأ ذراعها، فانطلقا يمشيان على حواشي الضفة بنشوةٍ لا حد لها في جوٍّ يوّزع طراوة ممزوجة برائحة التراب والأعشاب البرية، وما إن وصلا المدينة حتى استقرت في قلبه،وأصبح كل شيء  يذكره بواد بهت. بدأت الأيام تتحرك بالشكل الذي تمناه، فظن أنّ إلهام لن تسقيه إلا الأفراح. وفي أحايين أخرى ظن أنها نكثت وعدها وأدارت له ظهرها كأيّ جلفٍ وكجميع النساء اللواتي تعرّف عليهن، وربّما تزوجت من رجلٍ التقت به هو الآخر بالصدفة. حزن كثيرًا وهو يجاري وسواسه، فكان كلّما خرج انحدر إلى الوادي وأخذ يرمي الأحجار الصغيرة في الماء لترسم له دوائر كما كانت تفعل هي مستعيدًا ما كان لعله يجد سببا أجبرها على الصمت في الأيام الأخيرة بشكل مقلق كلما تحدّثا في الهاتف قبل أن يتوقف كلّ شيء وتنقطع عنه كلّ السبل فيما ظلت صورتها تتماوج في رأسه لتسكن الحسرة أحشاءه. طوته الأحزان حدّ الكارثة ولم تتهيأ له غير أحاسيس التيه والضياع. وأخيرًا قرّر أن يترك حذاءه يبحث عنها إلى أن وجد صديقتها التي فتحت أمامه مسارب الأمل الغامض عندما قالت : زوجها الوغد تركها في أسوإ حال، وصارت مثل قطعة ثوب بالية. يا إلهي خبا النور في محاجرها، وجفّ الماء في جهها بعدما عجزت عن ايقاف لسانه السليط. المسكينة كان مصيرها سيئًا.

قال: الذي حصل الآن قد حصل، ويا ليتها تزوّجت بي وعشنا تحت سماء الله الجميلة، هكذا تمنيتُ وجلست أحلم ليالٍ طوال. أما الآن فأتمنى أن تكون قد تحمّلت الخسارة بقليل من الألم وبكثيرٍ من التّفهم . ظل الصمت يتراقص بينها، قبل أن يكتب اسمها على شيكٍ بنكي مدّه لها. وقال وهو يستدير : بلغي لها سلامي. ثمّ عاد ليجلس في نفس المقهى منتظرْا مرور حافلة أخرى. وربمّا نزلت منها إمرأة لتنسج خيوط قصّة أخرى غير هذه التي كتبت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*