الرئيسية | بورتريه | سارة كين جوهرة سوداء | محمود محمد

سارة كين جوهرة سوداء | محمود محمد

محمود محمد

ولدت سارة كين في إنجلترا عام 1971، كاتبة مسرحية بريطانية أحدثت صدمة في الوسط الثقافي البريطاني، و برغم من صغر سنها لكنها قدمت مسرحيتها الأولى في الثالثة والعشرين، كاتبة خارج دائرة المألوف والمتداول المنتشر في أوساط المسرح البريطاني، خصوصاً وأن هذا النوع من الكتابات يصدم المتلقي ويعتبر محرماً، لشدة حساسيته، ولا يستطيع تحقيق رواج سهل بين العامة حتى وإن كان على مستوى عال من اللغة والإبداع، فإن النقد الصارم يجعل من الكاتب متردداَ في ما يكتبه.

1كين كانت مصرة على اتخاذ المنحى الجريء والعنيف من الحياة، المنحى الأكثر قسوة و قبح و تشوه، تجلى هذا المنحى بشكل مركز في مسرحيتها الأولى “البغيض”، التي قدمتها في مسرح “رويال كورت” عام 1995وتطرقت فيها إلى اغتصاب الرجال والنساء، غير إن الصــحافة أنشدت إلى المقذع وما في المسرحية من صدمات لغوية و مشاهد، ووصفتها صحف بأنها تجاوزت الحدود، وإنها أثارت شعور الاشمئزاز لدى الكـثيرين، إذا قدمت في أحد المشاهد جندياً يفقأ عين رجل بعدما اغتــصبه، ثم يأكل جزءاً من جسده، العنف والجـنس في المسرح البريطاني مسألة مألوفة، لكنه لعنة تلاحق الكتاب الذين يخوضون فيه ويصورون الواقع والمرحلة أو الظروف التي يعيشونها.

سارة كاتبة حقيقية، خشنة الأسلوب، أصلية اليأس و تمتلك خيالًا مريضًا غريبًا، عادت في مسرحيتها الثانية “عشق فيدرا” إلى الموضوع نفسه، لكن في لباقة وحكمة، ساعية إلى إن تجعل من المسرحية قالباً ذو وعاء يحتوي خليطاً من مشاكل جيلها، و إليكم هذا الحوار بين هيبوليت و الكاهن في مسرحية “عشق فيدرا”:

هيبولت : قد يكون الرب يملك القدرة لكن ثمة أمر ما لا يقدر عليه.

الكاهن : إن فيك نوعًا من النقاء.

هيبولت : إن غير قادر علي جعلي طيبًا.

الكاهن : لا

هيبولت : إن خط الدفاع الأخير بالنسبة للإنسان الفاضل، حرية الاختيار هو ما يميزنا عن الحيوانات، ولا نية لدي البتة للتصرف كحيوان.

وهي أوضح مثال يمكن تخيله لطابع التدمير الذاتي التي تتسم به العدمية عند النساء، هو الكراهية و الحاجة للتدمير و من هنا فإن المخرج المنطقي الوحيد لها هو الانتحار.

سارة كينكانت تستخدم الاقتباسات من الكتاب المقدس في أعمالها، وظل لديها شعور بالذنب و الحنين الذي يفصح عن نفسه لديها بصورة مختلفة، من بينهما رفض الاختلاف الجنسي فهي تتماها بشدة مع أخيها بشكل أو بآخر في جميع مسرحيتها ترغب أن تكون نفسها و أخاها في آن معًا، تصف نفسها ( هيرما فرد ديت ) hermaphrodite مشروخة،  والضمير الذي اختارته للإشارة إلي نفسها بالانجليزية هو hermself الذي يجمع herself هي نفسها و himself هو نفسه، و لديه عقدة بأيقونة موسيقية الروك، و احتجزت في المصحة العقلية بعد محاولة انتحار أولي بشرب الأدوية.

ولدت كين لعائلة متشددة دينياً، درست الدراما في جامعة بريستول وعملت ممثلة لفترة من الوقت قبل الانهماك في كتابة المسرح، وكانت تقول إنها تستوحي أعمالها مما يحيط بها، مما تسمع وتعيش، لكن العنف الذي كانت تقدمه كان دائماً مغلفاً بإحساس قوي بالعدم لكنه أحساس مبني على الواقع، فالذين شاهدوا مسرحيتها الأولى ما زالوا يتساءلون هل هذا العنف يجري حقاً في المجتمع أم أنه نتاج خيال مريض؟ وعلى رغم قلة أعمالها وحياتها القصيرة، إلا أنها اعتُبرت الوليدة المرعبة للمسرح البريطاني، وانتشرت مسرحياتها على رغم ما تحمله من فوضى وسرد متقطع ومشاهد قبيحة واستفزازية، مساهمة في تغيير شكل المسرح في أوروبا بشكل عام في القرن العشرين.

انتحرت شنقاً بأربطة حذائها في عمر الثامنة والعشرين في أحد أيام العام 1999، ومسرحيات كين هي: “البغيض”، “عطش”، “نهم”، “تطهير”، “عشق فيدرا” والأخيرة “ذُهان” التي كتبتها قبل انتحارها بوقت قصير.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*