الرئيسية | منبر الموجة | ترنيمات على منصة الخذلان | يسرى وجيه السعيد -سوريا

ترنيمات على منصة الخذلان | يسرى وجيه السعيد -سوريا

د. يسرى وجيه السعيد

 

كتب  رولان بارت من خمسين سنة:

” الكتابة تخيف.. إنها تنمو مثل بذرة، وتهدِّد بإفشاء سر”.

لقد أتعبتنا الكتابة أكثر مما كنا نعتقد؛ وفي الوقت الذي يفكر فينا البعض بأن يمتطي صهوة البوح، ويدِّون ما يقلقه على شكل حروف ناقدة، أو نافذة تتصدى معاول الرفض وتهشم آخر الكلام.

في قراءة لما يتم كتابته في العقد الثاني من القرن الواحد العشرين؛ والذي شارف على نهايته ستواجهك مواضيع شيقة، وبنكهة التحدي الجميل؛ لكنك ستهز من أعماقك حين تعرف أن أصحاب تلك الكتابات هم منبوذون، أو لنقل بوضوح وصدق أكبر هم على اللائحة السوداء!!!

وتقهقه في داخلك ساخراً، ماهي القائمة السوداء؟، وماهو حبر الكتابة الذي يرسم لعناته عليها؟

ومن هم المفوضون بتدوين تلك القائمة؟.

وعبر عقود، بل وعهود كثيرة يمتد تاريخ تلك القائمة، فمن أيام كوبرنيقوس، وجاليلو، وابن رشد، والحلاج، والسهروردي المقتول، وحتى نصر حامد أبو زيد، ونوال السعداوي، والكثير الكثير من الأسماء التي زينت القائمة السوداء، لايزال التدوين فيها قائماً على قدمٍ وساق، وحتى لوكانت تلك القدم معاقة اصلاً إلا أن من أعطاها الحق بالوقوف في وجه أولئك المتهمون هو نحن!!

لقد أتعبتنا التهم، وخذلتنا ردات الفعل المسبقة، فلاعتب إن كان من أطلق الحكم على جاليليلو جاهل لايعرف قيمة علمه!! ولانستغرب إن كان من نبذ نصر حامد أبو زيد وأقام الحد عليه وكفرَّه أمياً لم يقرأ له حرفاً !!

ولا نتعجب إن علمنا أن من أضفن اسم نوال السعداوي للقائمة السوداء هنَّ إناث ذقنَ مرارة الظلم والطقوس المهينة التي أخذت نوال على عاتقها التصدي لها، والكتابة لمحاربتها!.

هي لعنة جلد الذات إذن فنحن نتهم و نلعن، ونُكفِر، وندين أولئك الذين يحاكون ظلمنا، وعقلنا، ومكنونات أرواحنا، بل اكثر من ذلك أولئك الين يفهمون الجسد وما يريد ومالايريد! فكيف نسمح لأنفسنا بقتل أصواتنا، أو اتهامها؟ وكيف نلعن من تجرأ على البوح بما ظل مكبوتاً داخلنا؟

لقد أسرفنا كثيراً في الجحود بحق أولئك الذين واجهوا عقد الشرق، ورهنوا أقلامهم وحتى حياتهم لمواجهة تلك العقد وتجاوزها.

وبين حضارةٍ زالت وحضارةٍ تُبنى نحن مدعوون لتجاوز تلك العقلية الرافضة، والتي تكبل الروح والجسد بقيودها على الفكر، وتقويضها لموضوعاته.

وطوبى لأولئك الذين لازالوا قادرين على مواجهة القبح بجمال حروفهم، ومقاتلة الظلم والقهر بسلاح القلم الذي وإن مات صاحبه، أو بالأحرى استشهد إلا أن حروفه وأفكاره ستبقى، بل، وستخلد فالتاريخ لاينسى عظمائه، ولاهو بجاحدٍ بحق فرسان الكلمة الذين لازلنا وستبقى نتغنى بأفكارهم وندين لهم بأنهم كتبونا وقرؤونا وأطلقوا صدى صرخاتنا عبر كتاباتهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*