الرئيسية | فكر ونقد | النَّقْدُ الثَّقَافِيُّ للأنْظِمَةِ التَّرْبَوِيَّةِ فِي الوَطَنِ العَرَبِيِّ | الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل – مصر

النَّقْدُ الثَّقَافِيُّ للأنْظِمَةِ التَّرْبَوِيَّةِ فِي الوَطَنِ العَرَبِيِّ | الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل – مصر

الدُّكْتُور بَلِيْغ حَمْدِي إسْمَاعِيْل

 مدرس المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

شَهْوَةُ الأسْئِلَةِ:

يملك العقل العربي شهوة متمايزة تتمثل في الأسئلة، فهذا العقل الذي اجتهد في الجمع والتصنيف والتبويب وصياغة هوامش لمتون النصوص القديمة استفاق وهو يدجج حضارته الأصيلة على شهوة الأسئلة التي قادته بالضرورة إلى إنتاج ثقافة اجتاحت الغرب الأوروبي، ونجحت في استغلال المرونة اللغوية واحتباك ألفاظ العربية الفصيحة في تطويع العلوم التطبيقية، وهو بذلك ـ العقل العربي ـ استطاع أن يجمع لحظتين غير متماثلتين في آن واحد ؛ الإشراق الإنساني المتمثل في فنون اللغة والتفسير والفقه والفلسفة، والتثوير العلمي في مجالات الرياضيات والفلك والطبيعة، وهي خصوصية عجيبة انفردت بها الثقافة العربية ولا تزال تتفاخر بهذه اللحظة الاستثنائية في تاريخها رغم قرون طويلة من التصارع السياسي والتناحر المذهبي.

         ولعل من أجمل اللقطات التي سجلتها ذاكرتي من لقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع المخرجة المتألقة الرائعة ساندرا نشأت خلال الفيلم التسجيلي شعب ورئيس هو حديث السيد الرئيس عن التعليم المصري ومشروع إصلاحه الذي سيمتد أربعة عشر عاما، ولاشك أن أي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي لا ولن يتم أبدا إلا عبر بوابة التعليم ليس كما هو الآن حسب وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي، بل التعليم الذي يعني التنوير والتثوير والتجديد، وأعتقد أن مصر العظيمة تستحق نوعا استثنائيا راقيا ولائقا للتعليم يليق بقدرها وتاريخها التنويري الضارب في القدم.

 

التَّرْبِيَةُ العَرَبِيَّةُ الرَّاهِنَةُ:

من أجل تطوير التربية العربية الراهنة، فنحن بحاجة ماسة إلى تجديد الخطاب التربوي نفسه، وإيجاد إطار مرجعي يحكم الظاهرة التربوية التي تمارس في مؤسساتنا التعليمية الضاربة بالوطن العربي شرقا وغربا، وإذا كانت الحياة اليوم تتسارع بصورة رهيبة، فبات أولى الاكتراث بضرورة تنويع خطابنا التربوي العام مستهدفين خلق جيل جديد من الطلاب يستطيعون مواجهة تحديات المستقبل. وإذا كانت التربية الفوقية التي تصدر عن صانعي القرار التعليمي لا تعكس واقعنا المدرسي الحقيقي فغن هذا يزيد من تفاقم أزمة التربية التي تشارف نهاياتها إذا لم ندرك المفارقة القيمية بين قرار تربوي يصدر، ومشهد تعليمي مغاير.

فحتى الذين لا يدركون كنه التربية، يفطنون حد اليقين أننا على مشارف نهايتها التي تبدو منطقية بعض الشئ، وهذا الوعي الذي امتثل ليقين الفعل جاء من سؤال مفاده هل تمتلك المؤسسة التعليمية العربية مقومات التربية ؟. والسؤال بهل يقتضي دوما إجابة بالإيجاب أم بالنفي، وفي المشهد التعليمي الراهن وفي ظل أزمات التربية المتلاحقة تغدو الإجابة الحتمية بالنفي غالبا.

ومشارف النهاية تجئ على عجل كوننا على كفاءة ومهارة في توصيف واقعنا التربوي، وتوافر إمكاناتنا الهائلة في رصد الخلل ومواضعه، والتردي ودوافعه، وهذه سنتنا التي لا تنقضي أننا نجيد توصيف العَرَض وسرده، ثم ندخل في حالات من الجدل الواسع في علاج المرض، الأمر الذي يؤدي بنا دائما إلى تبني سياسات تربوية لا تتوافق مع واقعنا الراهن ومستقبلنا الذي يبدو غامضا معرفيا وتعليميا. وهذا الجدل يعكس قصورا شديدا في العلاج.

تلك مقدمة تدفع القارئ إلى تعكير صفو سعادته، وربما إيقاظه على حقيقة صادمة بأن أبناءه الذين يذهبون كل صباح إلى مؤسسته التربوية لا تفي بمسئولياتها، ولا تكترث بأنها تقدم أكبر خدمة إنسانية لأبنائه وهي أن يستحيل عضوا فاعلا في مجتمعه ومن بعد وطنه العربي الكبير.

ويسألونك عن التطوير التربوي، وسيخرج عليك رجال يدغدغون أسماعك بأحاديث تشبه حواديت وحكايات جدتي عن ملامح تطوير التربية، والدور التنموي للمدرسة والواقع يشير إلى أننا بالفعل لا نقدم تربية ممكنة التحقيق، فالمؤسسة التعليمية صارت مشغولة بفعل السياسات التعليمية والقوانين المنظمة لها بالتحصيل والترويج لثقافة الاختبارات والدرجة النهائية ولا تهرول إلى صيحات تنمية القدرات أو تعديل الاتجاهات وتنمية المواهب وتعزيز الإمكانات المتاحة لتلاميذنا، فكل هذه الأمور ورقية تزين أرفف وجدران مؤسساتنا التعليمية وخير دليل حرص بعض المحافظين على تتبع مراكز الدروس الخصوصية لأن المدرسة بالفعل صارت ورقة امتحان ودرجة نهائية ومرحلة لاحقة ينتقل إليها الطالب.

ونحن بالفعل أمام ملامح عصية على التأويل وصعبة المراس في تفسيرها أيضا، تلك الملامح التي لا يمكن حصرها وقصرها على وجود إدارة تعليمية فاشلة وباهتة وأكثر خيبة لواقع تعليمي متأزم بالفعل، ولا على مستوى المعلم الذي صار ينتظر قرارات وزارته كمن يقبع خلف باب زنزانته انتظارا لأخذه غرفة تنفيذ حكم الإعدام من خلال قرارات وتعليمات ودورات تدريبية وهمية وورش عمل كارتونية، وتطبيق أنظمة لا تصلح لبيئة تعليمية تحتاج إلى تطهير شامل وكامل.

وماذا أيضا ؟ نكتشف على الدوام أننا نمارس قبيل المعاناة عشوائية في التخطيط التربوي لمؤسساتنا التعليمية، وبسؤال لأحد أساتذتي الذين غفل عنه صانعو القرار التربوي رغم أنه الرائد في مجال التربية الراهنة عن عدم وجوده في مكان صناعة القرار التربوي أفادني بأن السياسة التعليمية العربية منذ سنوات بعيدة لا تشجع على الاستقرار، وأن القادم يطبق فكرة تربوية ستمحي بعد زوال منصبه وهكذا، أصبحت لدينا قناعة بأننا نعشق الانطلاق من نقطة الصفر.

ونقطة الصفر الغالبة على سياساتنا التربوية تجعلنا نؤكد على ملمح رئيس للتربية العربية التي تشارف على النهاية ؛ أحادية الرؤية التربوية، فمشكلة التخطيط لا تزال تقف عند عائق الأحادية وجنوحها بغير اكتراث أو اقتناع للأخذ بفكرة المشروع الجماعي للتخطيط، حتى ورش العمل والندوات الجمعية التي تعقد ليل نهار بمؤسساتنا التربوية العربية نجدها تدور حول فكرة محددة سابقا وهو أمر محمود، لكن غير المحمود أن هناك ثمة محاور ثابتة لا يمكن الخروج عنها رغم كوننا نردد صباح مساء بضرورة إمطار الأدمغة وتكريس ثقافة العصف الذهني للرؤى والطروحات النقدية البناءة.

 

الطَّالِبُ.. من دَورِ التَّعَلُّمِ إلى مَصِيرِ الضَّحِيَّةِ:

ولا يمكن اقتناص أزمة المؤسسة التربوية العربية في المنتفع الأول بها، ألا وهو الطالب نفسه، الذي يظل المصطلح حائرا على تسميته ؛ فمرة يدعى طالبا، ومرة أخرى تلميذا، ومرة ثالثة متعلما بحجة الالتزام بتطبيق استراتيجيات التعلم النشط. وهو في الحقيقة رغم شغبه واستمرائه الفوضى مسكين يستحق الشفقة ؛ لأنه ضحية بعض الإدارات التعليمية الفاشلة التي قد تعاني من فقر الإعداد التربوي المهني، ومعلم خائب لم يكترث بالحصول على درجات علمية تتخطى حاجز الشهادة الجامعية الأولى، ومناهج بائسة انتهت صلاحيتها التعليمة في ظل عالم تربوي متسارع ومتصارع معرفيا ومهاريا.

 

وَاقِعُ التَّرْجَمَةِ العَرَبِيَّةِ:

وإذا كنا نتحدث عن نهاية وشيكة للتربية فإن هذا يدفعنا إلى تحديد أبرز عوامل النهاية، وهو التغيرات التربوية المفاجئة والمتسارعة، فإذا كنا نعتقد بأننا على اتصال مستدام بالفكر التربوي الغربي فإن هذا الاتصال حقيقي فعلا لكنه بات اتصالا متأخرا زمنيا، فالترجمة التربوية عادة تقتصر على أطروحات أكاديمية مقرها ومقامها الرسائل العلمية التي لا توظف في ميدانها الحقيقي، وحركة الترجمة تتجه غالبا في هذه الأحايين إلى مجالات الطب والهندسة والفيزياء وكثيرا ما يكون الاتجاه صوب ترجمة إنسانيات النظريات النقدية أو تحليل النفس الإنسانية إلى مكوناتها التي لو فكر المترجمون قليلا لوجدوا علاج النفس وأصول تفسيره في القرآن الكريم.

فالترجمة بالفعل قائمة لكنها باهتة وتتناول ما أنتجه العقل الغربي منذ سنوات بعيدة، رغم علم القائمين على القرار التربوي بأن التربية اليوم متسارعة وتصعب متابعة كل جديد بها.

ووجود حركة بطيئة للترجمة، مع تزامن عقدة التخطيط الصفري التي أشرنا إليها منذ قليل، يجلعنا نقف أمام ظاهرة تربوية عربية وهي تقليدية الإدارة، فإذا كان القرار التربوي الفوقي في بعض الأنظمة التعليمية العربية لا يهتم بفكرة التخطيط للمستقبل أو جماعية اتخاذ القرار، فإن الإدارة التنفيذية التي تدير المشهد التعليمي على مستوى المدرسة تتسم بالتقليدية وغياب الحضور عن الاستخدام الإلكتروني، والاستخدام الإلكتروني لا يعني أن المدرسة بها معمل يشتمل على كثير من أجهزة الحاسوب المتطورة فالأمر لا يتعد حد الاستخدام والاستهلاك لا الإنتاج أو تطوير التقنية ذاتها. لكن الإدارات التربوية المعاصرة تطبق اليوم فكر الإدارة إليكترونيا وتسعى لربط المؤسسة التعليمية بالطلاب والمجتمع والمؤسسات ذات العلاقة بالتربوية عن طريق شبكة معلوماتية متخصصة تسهم في رفع الوعي المعلوماتي والمهاري لدى العاملين بالمدرسة وبالتلاميذ وتجعل شركاء المجتمع على علاقة وطيدة بإحدى المؤسسات الوطنية ألا وهي المدرسة.

 

مَلامِحٌ مِن خُطَّة عِلاجِ الأزْمَةِ:

حسنا، هذا هو العرض في الإدارة، فماذا عن العلاج ؟ العلاج يبدو بسيطا عن طريق تفعيل الإدارة الإلكترونية من ناحية، ومن ناحية أخرى يكمن العلاج في سؤال فعن طريق الأسئلة يعمل العقل ويتفجر بالإبداع، والسؤال هو: ماذا يحدث لو جعلت المدرسة طلابها يشاركون في إدارة المدرسة ولو لمدة يوم واحد كل أسبوع ؟

ليس الأمر بكارثة لأننا في الأصل نجرب ونطور ونعدل ونحذف هذا ونعيد تجديد هذا، وشراكة الطلاب في الإدارة سيجدد شبابها ويحيي شرايينها المتصلبة.

وربما وأنا أستعرض ملامح نهاية التربية، استقر بي الحال على ربط المشهد الانتخابي لبرلمان النواب بمصر مؤخرا وحال التربية القائمة، فكثير من المحللين عبر الفضائيات تناول ظاهرة عزوف الشباب عن المشاركة في التصويت، وظهر رجل يدلل على المستوى الثقافي للناخب، وراح آخر يبرهن على أن العزوف مفاده قصور برنامج المرشح، وهكذا تعددت الأسباب والحجج والدوافع التي أدت إلى ظاهرة العزوف.

لكن العزوف ليس مقره ومستودعه سياسيا هذه المرة، إنما الممارسات التربوية داخل أسوار المؤسسة التعليمية هي التي أدت إلى تلك الظاهرة، وعلاج هذا لا يكون فقط بممارسة الطلاب لأنشطة مدرسية محددة ومكرورة وأصبحت بائدة في بعض الأحيان، لكن عن طريق تجديد الحراك المدرسي إما بأنشطة يقترحها الطلاب أنفسهم تعكس مطامحهم وآمالهم ودوافعهم للتعلم، ووجود ديموقراطية تعليمة تفرز لنا جيلا استثنائيا قادرا ليس فقط على مواجهة التيارات والأفكار الوافدة، بل في بناء الأوطان العزيزة التي تستحق بذل الجهد والمجهود.

 

تَجْدِيْدُ الخِطَابِ التَّعْلِيْمِيِّ.. تَغْرِيْدٌ خَارِج السِّرْبِ:

الذين هرولوا من التربويين العرب وراء التقرير الأمريكي ذائع الصيت والانتشار ( أمة في خطر ) والذي أعد بشأن النهوض بالتعليم الأمريكي عن طريق الاهتمام والتسارع المعرفي بمادتي الرياضيات والعلوم لم يستفيقوا بعد على وضع أخطر يحتاج إلى مزيد من الهرولة بل هوس الاهتمام أيضا لا مجرد نقل الحذر وترقب الخوف الذي يحذو بسياساتنا التعليمية فحسب. ولاشك أن الأخبار المتعلقة بالشأن المدرسي في مصر على وجه الاختصاص تتصدر مشهد المتابعة، ورغم أن هناك حالة غير مستدامة لتتبع أخبار ترشح الراقصة سما المصري وقبول طعن أحمد عز الرجل الحديدي في انتخابات مصر إلا أن أخبار المؤسسة التعليمية تظل دوما في مقدمة اهتمام المصريين بغير إطلالة على أن كثيرا من المصريين لم يعودوا يهتمون بالعلم وأهله.

وفي الوقت الذي نتبارى ونتراهن وأخشى أن أقول نتناحر في قنص فرصة تجديد الخطاب الديني كان علينا بصدق ووطنية أن نتبارى لصالح الوطن في تجديد خطابنا التعليمي الذي يستحق الشفقة عليه، وأذكر مجددا بغير كلل أو ملل لم يكن في خاطر أو هواجس محمد علي باشا وهو يدشن لامبراطوريته المصرية أن دعائم الثقافة التي سعى إلى تكوينها وتأسيسها ستكون باعثا قويا ودافعا إيجابيا لحرية الوطن الذي تربع هو وأسرته متعددة الأنساب والأصلاب على عرشه قرونا طويلة. الأمر نفسه الذي لم يكن بخاطره وخاطر المؤسس الثاني للدولة المصرية الخديثة الخديوي إسماعيل باشا أن نظامه التعليمي الرائع سواء على مستوى العصر الحديث والعصر الراهن في تمصر الوطن والحفاظ على هويته الرئيسة التي لا يمكن أن تشوبها عاطفة سياسية موجهة أو تقتنصها تيارات وفصائل لها أطماع ومطامح أيديولوجية معينة أن تؤدي بنا إلى حال تعليمي متردٍ وأكثر ترهلا.

وهذا الخطاب التعليمي ليس مجرد وثيقة ورقية مثل وثيقة الانضباط المدرسي التي قرأتها مرتين وقبلت بنودها بشرط توافر تحقيق واجبات وزارة التربية والتعليم وصدقها في التنفيذ، والخطاب أيضا ليس مجرد بنود تنظيرية تفيد بأنه يجب على المعلم أن يفعل كذا ويقابل بكذا أو أن على الطالب الالتزام بقواعد معينة لأن المحك في الالتزام بتلك الشرائط التنظيرية هو ما تابعناه بخوف وخشية من أخبار أرجو أن يكون الوزير بغير غفلة عنها وإلا فحقا تعليمنا في خطر. وآخر الأخبار الموحشة التي أفزعت واقعنا التعليمي هو تعرض طالبة بمدرسة الخصوص للاغتصاب الوحشي على يد مجهول داخل المدرسة وتنظيم الطلاب وقفة احتجاجية من أجل المطالبة بأخذ حق زميلتهم وأخبار أخرى متناثرة يفيد بأن الوطن لن ينهض إلا بتعليم مستنير وخطاب تربوي بعيد عن النفاق والتقليد والمبالغة والأخذ بأسباب الحضارة دون امتلاك مقوماتها.

والعبارة النهائية قبل فاصلة الختام هي متى نقر بأن نظامنا التعليمي في خطر حقيقي ؟ ليست هي مشكلة صفر مريم الطالبة المصرية التي شغلت الرأي العام والإعلام الفارغ من المعنى والمبنى لمناقشة قضيتها منذ أكثر من سنتين والتي هي في الأصل شيك مصرفي بدون رصيد، ولا محاولات التطوير المستدامة الخائبة ولا في وزير سابق أو لاحق غير مؤهل أو مؤهل تربويا ولا في بطانة متخصصة تجمع مائة وظيفة باستلاب واضح وسافر، المشكلة دينية في المقام الأول، وهي مشكلة الإخلاص والإحسان في العمل. مدارس أجنبية وناطقة بلغات غير عربية والمحصلة تلاميذ يغنون أغنية لا تصلح إلا في أماكن اللهو والعبث والتحلل الأخلاقي والقيمي، ومعلم يقول عنه وزيره ومديره وموجهه بأن يحمل رسالة الأنبياء وهو في حالة غياب تام داخل الفصل لأنه مشغول بقانون ممارسة حقه الاستثماري الاستغلالي وهو الدروس الخصوصية ولا أعرف من أين أتى مصطلح الخصوصية الذي ينطبق أساسا على التاكسي في زمن الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، أو مدير آخر تم بث مقطع فيديو قصير عنه وهو يركل التلاميذ بقدمه وكأنه يعاقب المؤمنين الذين دخلوا الإسلام بغير إرادته.

أما المدرسة العربية وهي حديث ذو شجون وأحزان متراكمة فالشأن اقتصر بها على الشكل دونما العمق أي المضمون، أنشطة ثم أنشطة ثم تعلم تعاوني وحوكمة ومشاركة مجتمعية وتقويم شامل وملف إنجاز إليكتروني وحضور دورات تدريبية مهنية للمعلمين ومسابقات خرافية لاكتشاف مواهب مصر، وتبقى في النهاية حقائق نهائية لا تأويل لها ؛ توفي نصر حامد أبو زيد وتلاميذنا لا يعلمون عنه شيئا واحدا الذي قال يوما ما إن لدينا دعاة تنوير وليس صناع تنوير، وربما يعتقدون أنه أحد أقارب اللاعب الرائع طاهر أبو زيد نجم الأهلي في عصره الذهبي وربما أيضا لا يعرفون أن طاهرا كان وزيرا للرياضة في يوم من الأيام فإين الإخلاص في تنوير عقول أبنائنا ؟. والحقيقة الأخرى أن صيحات ودعوات تنمية التفكير وإكساب المعرفة لتلاميذنا تقف بالحتمية عند أبواب المكتبة المدرسية ويكفي أن أصدق القارئ القول بأنني أذهب لطبيعة عملي أسبوعيا إلى بعض المدارس ودوما أتجرأ لزيارة المكتبة لأنني في الأصل بضعة سطور في كتاب إنساني لكنني أخرج مكتئبا محزونا مصدوما لفجاعة ما شاهدته بالمكتبة كتب قديمة متهالكة، وموضوعات بائدة راكدة، وثقافات تكرس للسذاجة والتخلف فأين الإخلاص؟.

ولأنني لست من هواة طمس المشهد أو ادعاء شرف النقد السلبي وطمعا مني في المساهمة بتدشين عام دراسي جيد وحقيقي فلابد أن أقدم عدة مؤشرات وليست نصائح للقائمين على مشهد التعلم في مصر سواء رحلوا فنسيناهم كما نسينا خائبي الذكر أو عملوا فاجتهدوا فحفظنا أسماءهم طوعا مدى الحياة.

إذا كانت هناك مدارس أجنبية ضاربة بطول الوطن العربي وعرضها عمقا واتساعا فعليها أن تتبارى في الترجمة، أية ترجمة حتى ولو ترجمة أغنيات الأطفال أو النكات الساخرة المهم أن يكون هناك منتج حقيقي لتلك المدارس وعدم الاقتصار على تقديم فقرات مكرورة وباهتة ضمن الحفل الختامي لهذه المدارس. وأيضا أن يكون هناك مشروعا تنويريا للمدرسة مثل إعداد كتاب عن شخصية وطنية أسهمت في بناء الوطن العربي يشارك في إعداده كل طلاب المدرسة ولو بسطر واحد يخطه الطالب حتى يستشعر أن التعليم ليس درجة يحصل عليها، وليس درسا مخصوصا يذكره بطبق الكشري المخصوص يتناوله فينسى ما أكله.

وحينما تتفاخر هذه المدرسة بأنها تتبع النظام التعليمي البريطاني، وتلك تتمشى مع المنظومة الألمانية على الكورنيش، وأخرى تسير على نهج المنهج الفرنسي والمحصلة صفر مثل صفر مريم، لكن الأصوب مدى العلاقات الثقافية التي تقيمها المدرسة مع المؤسسات الناطقة بتلك اللغات. أما عن لغتنا العربية، فالقافية تحكم بقول الشاعر عبد الله الفيصل لرائعة السيدة أم كلثوم كوكب الشرق يقول الناس أنك خنت عهدي ولم تحفظ هواي ولم تصني. لذلك فكفانا اجترار أن اللغة هوية واللغة مكون ثقافي رصين وأصيل في التلميذ، فالنصوص الأدبية بالفعل أصابها العطب ومعظمها لمغمورين لا يعرفهم أهل التخصص من الأكاديميين، نحتاج إلى إنتاج لغوي يوازن بين واقع التلميذ وتراثه المجهول قصدا وعمدا، الحديث عن الحالة التعليمية يطول لطول المشاهد التعليمية ذاتها ولنا بقية.

 

التَّعلِيمُ مِن التَّلقِينِ إلى اسْتِثْمَارِ العُقُولِ:

لكن اليقين يؤكد أن الأمم التي تسعى للنهضة وتسير في طريقها للارتقاء تأخذ بمبدأ أن التعليم استثمار للعقول والمهارات والأداءات وتربية وتنمية للمشاعر والجوانب الوجدانية، وربما هذا ما يصر المسئولون على تجاهله باستثناء استخدام بعض المفهومات التربوية المستحدثة والتي لا تتوافق مع واقع مجتمع لا يزال يعاني من شلل الأطفال والأمية ورغم ذلك نجد وزير التربية والتعليم والقائمين على أمر التعليم في مصر يحدثوننا بحديث غريب ويبدو عجيباً أيضاً عن تعليم قد يأتي يواكب أحداث المشهد السياسي لكن ما يمكن استشرافه أن التعليم الجيد لا يقتصر على قرارات وزير أو استحداث نظم تعليمية متقدمة قد تبدو كالجسم الغريب بالجسد الحي، بل يتمثل التعليم في أبهى صوره عن طريق الشراكة الحقيقية بين أولياء الأمور والطلاب ورجال الأعمال المهمومين بالقضية والمؤسسة الرسمية للتعليم.

وربما تتجسد مشكلة النظام التعليمي في الكتاب الذي صار مريضاً بالفعل من ناحية المعلومات الباهتة ويكفيك أن تعلم حقيقة مفادها أن اللغة العربية بكتبها المدرسية تقدم معرفة وبيانات ومعلومات وتجهل المهارات اللغوية وكأن القائمين على تعليمها أخطأوا القصد وظنوا أن اللغة معرفة لكنها في الحقيقة مجموعة من المهارات والأداءات وليست كالدراسات الاجتماعية، مثلها في الحال مثل مواد الكيمياء والفيزياء والأحياء التي خرجت من طبيعتها العلمية الأدائية وأصبحت حبيسة ورقة الاختبار وتسجيل مجموعة من الحقائق العلمية بغير تطبيق أو تطوير لها.

لكن إذا كان الوطن بحق يسعى للارتقاء فينبغي أن يكون على وعي تام وكامل بأسس المدرسة الحديثة التي يمكن وصفها بالصدق من حيث مطابقة الواقع وحاجات المجتمع ومطالبه التي لن تنتهي لأنه بالفعل لا يزال وليداً لاسيما بعد ثورته السياسية وإسقاط النظم الحاكمة التي سيطرت على التعليم من أجل مصالحها لا من أجل مصلحة الوطن. والمدرسة بهذه الصورة تتطلب شروطاً ومواصفات قد يراها معظم المواطنين رفاهية لكنها في الحقيقة هي صلب التطوير والتحديث، منها موقع المدرسة نفسها، فكثير من المدارس التي يتم تشييدها تقع وسط البنايات السكنية مما يجعل الطالب يذهب إلى مدرسته وكأنه لم يفارق بيته الضيق، لكن ينبغي للمدرسة أن تكون في مناطق خالية من العمارات الشاهقة والبنايات السكنية التي تتعالى منها أصوات الجيران ومشاجراتهم، وكم كنا ونحن صغار أكثر شغفاً بمراقبة السكان وهم يطلون من شرفات مساكنهم غير مبالين لشرح المعلم، لكن يبدو أن الوزارة لا تريد التفكير في مشكلات قصور انتباه المتعلمين لأنها بالفعل مشغولة بقضايا أخرى تراها أكثر أهمية.

إن المكان التعليمي هو الذي يسمح أو يعيق نجاح التعليم وهذه الحقيقة يمكن ملاحظتها من خلال متابعة ومشاهدة القنوات التعليمية الأجنبية التي تعرض المدارس وتصميمها لا الذي يشبه مدارسنا الأقرب للمراكز الصحية أو المؤسسات الإدارية التي تجعل من الطالب موظفاً لا مبدعاً ويسير بحركات ثابتة تبعاً لطبيعة المكان والتصميم الهندسي.

والشرط الثاني للمدرسة العربية الحديثة هو توافر مدير تعليمي يتسم بمواصفات ومؤشرات تحقق الريادة والإبداع والتفوق الأكاديمي وفاعلية النشاطات المدرسية، وما أفجع حقيقة أن غالبية مدرائنا بالمدارس غير مؤهلين أكاديمياً وتربوياً وشرط ترقيهم فقط هو حصولهم على دورات تدريبية تنظمها مديريات التربية والتعليم أو رضا رؤسائهم فقط. لكن المدير مثل الحاكم عليه أن يكون أكثر خبرة بالنظم التعليمية وأن يكون قد جرب وشاهد وعاين واختبر كثيراً من المشاهدات الصفية وغير الصفية، بالإضافة إلى قياس حجم إنجازاته المرتبطة بمجال المهنة نفسها لا بقدر مساهماته الحزبية أو النقابية أو السياسية.

 

لِمَاذَا أكره مَدْرَسَتِي ؟

ويسألونك، لماذا يكره أولادنا مدارسهم ؟ والإجابة لا يغفل عنها أولياء الأمور ولا القائمون على المنظومة التعليمية لكننا حقاً خير من يجيد التجاهل في كل أموره، ومن باب أولى تدبر السؤال، يكرهون مدارسهم لأنها خالية من البهجة، وخالية من الحراك والفاعلية، وأصبح الطلاب يذهبون إلى المدرسة كسباً لرضا آبائهم فقط، وقليل جداً من يذهب لغرض التعليم الذي بات بالفعل غائباً.

ومصر على سبيل المثال، التي تهوي بسرعة عجيبة تعليمياً يكفيها من الحرج أن تسمع عن بلدان بدأت بعدها بكثير من العقود وأصبحت تمتلك مدناً للمعرفة، وصارت تدير المعرفة كالاستثمار، أما نحن فالتعليم لم يعد ادخاراً للمستقبل ولم يكن في يوماً من الأيام استثماراً، وكم من مدرسة تدعي أنها تميزت وحققت الجودة ونالت الاعتماد، وربما صدقت نفسها بأنها مؤسسة دولية مصر نفسها لا تمتلك تصنيفاً عالمياً في التعليم، أما التربية فأغاني المهرجانات كفيلة بالإجابة عن هذا الموضوع.

مشكلات كثيرة يعاني منها التعليم في مصر، والقلب لم يعد بحاجة إلى رصاصة جديدة حسب قول الشاعر الاستثنائي محمود درويش حينما قال: (لم يعد بقلبي مكان لرصاصة جديدة)، ورغم ذلك فأنا ممن يملكون رصيداً هائلاً من التفاؤل والأمل رغم أن بعض أصدقائي يقولون على سبيل السخرية بأن أمل هذه قد ماتت وتفاؤل انتحرت بالفعل، لكن على هذه الأرض ما يستحق الحياة وهم أبناؤنا الذين لا دخل لهم بالمشهد السياسي المستعر ولا طاقة لهم بمعارك سياسية يشوبها الطمع في السلطة، لذا فعلينا أن ننهض بتعليمنا وأن نكون صادقين ونحن نقدم لهم تعليماً جيداً يتناسب مع معطيات هذه المرحلة.

إن أولياء الأمور يسعون إلى أن يحصل أبناؤهم على تقديرات جيدة وهذا أمر سهل ويسير، لكنهم يغفلون أن ماهية التعليم تتمثل في تنمية مهارات وكفايات من أجل المستقبل لا من أجل الانتقال إلى صف دراسي جديد، وكنت أفضل وهذا لا ولن يتحقق في ظل وزارات تعليمية غائبة عن المشهد العالمي، أن تقوم كل مدرسة بتقديم ندوة تعريفية قبل بداية العام الدراسي تعرض فيها سبل التطوير التي تسعى إليها، وإبراز أوجه النشاطات التي ستقدمها للطلاب، وكنت أتمنى أن يدرك الآباء حقيقة أنهم شركاء في المنظومة التعليمية وأن من حقهم المتابعة القريبة من أبنائهم وأن المدرسة لا تمتلك حق منعهم في هذا.

مدرستي كقلبي صار مجهداً ومتعباً بفضل المسكنات والأمصال والعقاقير، لذا فهو ليس بحاجة اليوم إلى رصاصة جديدة، هو يحتاج فقط إلى ثمة حياة تجئ، فهل يعي الوزير ورفقاؤه وشركاؤه والقائمون على التعليم في مصر هذه الحقيقة أم أنهم سيتركون القلب يموت برصاصة جديدة محلية الصنع ؟.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*