الرئيسية | فكر ونقد | النقد بوصفه استعارة فكرية، كتاب:” الخطاب النقدي: التراث والتأويل” | د. علاء الجابري – مصر

النقد بوصفه استعارة فكرية، كتاب:” الخطاب النقدي: التراث والتأويل” | د. علاء الجابري – مصر

د. علاء الجابري

 بعد سلسلة كتب احتلت مكانتها في قائمة تحليل الخطاب وعلم النص يأتي كتاب الدكتور محمد عبد الباسط عيد، والصادر منذ شهور قليلة عن مؤسسة الانتشار العربي ليضيف محاولة جديدة لربط التراث بآليات دراسة الخطاب من جهة، والهرمنيوطيقا من جهة أخرى. جاء الكتاب في ثلاثة فصول مركزا على سبل قراءة  تكوين الخطاب النقدي عبر كتب تعتمد الاختيار لأنواع بعينها من كتب المختارات الشعرية، أو من دوواين المعاني، أو تلك التي تبحث في مداخل الغموض وتمظهراته، ليكون هذا البحث مدخلا للبحث في ” الشعرية” وبعض أسس الحديث عنها في النقد القديم.

   والغموض الذي يكتنف أبيات المعاني، أو إجادة ” اللف والدوران” جزء أصيل من الفن عندنا، وملمح مهم من ملامح الخط، والعمارة وتصميم الحدائق(قديما) وهندسة القصور وفيه ما فيه من أدوات الإيهام للمتلقي بضخامة المعاني التي يحق للمبدع أن يقولها، ويجب على المستمع أن يتأولها.

  إننا نعرض الكتاب دون اشتباك معه، وحسبنا تثمين الجهد المبذول، ولفت النظر إلى مجهودات مطردة، عوض أن تتصلب خريطة النقد على معالم قديمة، تجاوز الزمن بعضها. نثمّن إصرار الكاتب على النبش في تراثنا القديم، ومحاولة الربط بينه وبين المقولات والنظريات الحديثة. ربما كان هذا مشروعه الأكبر، وربما كان الكتاب-ومن وجه ما- امتدادا لتوجهه في كتابه” النص والخطاب: قراءة في علوم القرآن الكريم”، فهل تجاوز ما أنجزه في كتابه السابق؟ وهل الرهان على الربط بين تراثنا وبين المناهج الجديدة يصلح مشروعا نقديا ؟ أم أنه يصلح مجرد نقطة انطلاق نحو نظرية نقدية عربية. أغلب ظني أن التماعات من هنا وهناك تربط بين التراث والتوجهات الجديدة لا يخلو من تصيد، من جهة، وقد يحمل ملامح توفيقية تلفيقية من جهة أخرى. لأننا لا نملك-ببساطة- أصلا فلسفيا يمكن أن تعتمد عليه نظرية نقدية، كما أن تراثنا العظيم يحوي من تناقضاته الداخلية ما يحوي، غير أن الكتاب ينفض عن بعض كتب المختارات وكتب المعاني وهما محيطا باقتصارها على مجرد الشرح، ليضيف لبهائها بعض ملامح البحث عن شعرية النصوص المدروسة.

عبر ثلاث دراسات شكلت مجمل الكتاب يريد عبد الباسط-من طرف خفي- التعامل مع أشكال متباينة من الشعرية العربية، عبر تجلياتها المختلفة في نصوص قديمة، ولكن معالجتها جديدة على الذائقة القرائية. ابتداء، ليُحسب له من الغوص خلف نصوص لم يكتب لها الرواج، أو تم الترويج لها بعيدا عن الذائقة الشعرية، ليعالج-من طرف خفي- واحدة من مشكلات تعاملنا مع التراث؛ إذ إن صورته عندنا شبيحة الطابع، تتكون من قراءات غيرنا السابقة علينا فيكون “انطباعنا” عنه كالظل الأعوج.

   إن النبش في كتب التراث بوعي جيل جديد سيدرج رؤيا جديدة لا محالة، واستمرار قراءة التراث بنوع من التعاطف، وكثير من توسعة النظر يجعلك تعاين تجاوزه – التراث – لتلك الرؤية النمطية التي حصرت الشعر مثلا في مجموعة من الأغراض والثيمات المركزية، لنفتح أكثر على أغراض هامشية تناولها ابن قتيبة؛ من قبيل ما قيل من شعر في الذباب والنعال والجراد والضّب…الخ. ولا تقل أهمية عن هذه الفكرة/ الاستعارة حديثه – أي ابن قتيبة- عن الناقد الذي يحتل لديه موقعا أثيرا، وأن الوكالة التي يرى بها الناقدُ النص الأدبي تحتاج إلى أن يكون بصيرا بمفهوم الأدبية ابتداء، وبجوهر العملية النقدية القائمة على التساؤل أصلا.

   وامتدادا لذلك، يجيد الكتاب إنشاء علاقة حميمة من نوع خاص بين القارئ والمقروء، فيحضر طرفان (النص، القارئ) حضورا حواريا تفاعليا، يرى جابر عصفور أن الشعرية كانت عندهم تقتضي الصناعة في أساليب الكلام، والمثاقفة، والنظم، والمعنى ومعنى المعنى؛ إذ ذهبوا إلى أن الشعرية العربية آنذاك تتجلى في قضايا أهمها الوضوح والغموض، والطبع والصنعة، والصدق والكذب(جابر عصفور: مفهوم الشعر ص9). يتجاور هذا التوجه مع مجهودات كتابنا – موضوع المقالة- لحتى يتجاوز مفهوم الشعرية الذي تم ربطها بزخرفة الخطاب، ويثمنها بوصفها نوعا من قلب الملكة العقلانية تارة، ونوعا من شد الانتباه إلى الخطاب وشغله بنفسه تارة أخرى، فلم يندفع تجاه معالجة أبيات المعاني كنوع من البحث عن مقولتي المحمول والموضوع على الرغم من وجاهة ذلك المدخل وفتحه للقدرات الشعرية على علوم ومداخل أخرى.

   يتسم كتاب صاحبنا بإحكام منهجي، تكسوه المرونة، ولا تظنن مغالطة في الجمع بين الإحكام والمرونة؛ ذلك أن الذهاب في العلمية إلى حدودها القصوى يفضي إلى الحائط المسدود، وذلك كما تقول جوليا كريستيفا. ومن ذلك أنه لا يهجم مباشرة على ما يريده من تحديد المصطلح، ولكنه يراعي حاجة المتلقي أحيانا إلى نوع من التلطف في المدخل الممهد للموضوع، ومن ذلك عرضه لمصطلح أبيات المعاني في الفصل المخصص لذلك بعد تهيئة مسرح الدراسة بشيء من التمهيد له.

    يبرع الكاتب في غمز بعض القضايا على هامش مناقشة موضوعات أخرى، وكأن البنية العقلية التي يحاكم بها محمد موضوعه المدروس بنية استعارية في المقام الأول، تعبر عن موضوعاتها القارة باستخدام آليات موضوعات أخرى مختلفة، وربما من مجالات أخرى مغايرة تماما. انظر إليه وهو يقول :”  وبمراجعة ما توفر لدينا أو سلم من عوادي الزمن من هذه المدونات(التأكيد من عندي)نجد…..”. إن مثل هذه الجملة يختزل موقفا كاملا من حقيقة الكم التراثي المعروض أمامنا، ومن ثم قدرته على تقديم صورة ما، وربما تراها مغيرة- من طرف خفي- على عصبية تاريخنا، أو تحيزه-أقصد محمد- لوجهات نظر ما في قضايا كالانتحال والموقف من التاريخ. هذه سمة بارزة على مدار الدراسة غير أنها قد تخفى مع القراءة الأولى.

وكذلك فإنه يغمز الإصرار على البحث عن معنى، وإسناد تأويل ذلك إلى الشراح، دون غيرهم، بوصفهم راسخون في تأويل النصوص، ومضاهاة المعنى المراد بمكنون النفس فكأنهم قد حازوا الحديث بلسان الشاعر. ويغمز القدح في مسألة “الاستطراد” أو النظر له بوصفه عيبا شديدا، ويراه ضد التحديد والانتظام الشكلي الصارم، فهو وجه من وجوه التجويد الشعري. ثمة ثوابت يريد أن يغير عليها، مصطنعا لغة شيخنا مصطفى ناصف، ناجحا في تمثلها وبخاصة في تحليله للاستطراد.

هناك جهد مبذول في الربط والتقديم، فضلا عن إقامة الحدود بين ما يتوهم التباسه، ومن ذلك(النسقية والتلقي)، وهذا الجهد يعكس إيمان الباحث أن الأدب ودراسته هي عمل، وليس مجرد حماسة، أو بتعبير ياكبسون” ينبغي على الناقد أن يكون متعدد حرف” (هل ابتعد هنا عن تعبيرنا القديم: الأخذ من كل علم بطرف؟). هذا الجهد الذي وصل حد حماسة جعلته يكرر-داخل الفصل الواحد- بعض الاقتباسات عن المصادر ذاتها، في سياقين مختلفين.

   ويظهر كيف يؤثر السياق، والموقف التاريخي المفسر، والكتابة الشارحة، وكيف أن مفهوم “أبيات المعاني” متسع يبحث فيه كاتبنا بفكرة الدوائر التي يتكون منها العمل الأدبي، ودوائره لا تبتعد عن فكرة رولان بارت-وإن كان في سياق آخر- في تركيب العمل الأدبي من طبقات متجانسة ومتعاضدة، وبتعبير عبد الباسط” وبهذا التداخل وحده بين الخارج والداخل يتحقق المعنى، يتحقق المعنى ليُفهَم، ويُفهَم ليتداول”.

   يبدو الربط مع التراث مع المنجزات النقدية الحديثة، والنظريات المعاصرة واحدا من ” نحو التأليف” عند عبد الباسط، فهو دائم الذهاب نحو الربط بين التأويل وفعل الانتخاب الذي تقوم عليه أبيات المعاني، رائيا أن: ” فقد ارتكز الحوار مع كل ناقد تناول هذه الأبيات بالتفسير على مجموعة من المرتكزات أو المبادئ المؤسسة التي يمكن اكتشافها وتحديدها، وهذا في ذاته عمل تأويلي مهم، أو هو عمل يقع في صميم اختصاص الهرمنيوطيقا” (ص: 49). وذلك دون أن يتورط فيما عابه خلال الفصل الأول/ المقدمة من إفراط البعض في الربط بين مقولات التراث ومجهودات الرواد وبين المناهج الحديثة على غرار تأثر دو سوسير بالجرجاني أو ….. غيرها. يتجاوز ذلك ليتساءل: كيف يكون انسجام الخطاب مؤذنا بنضج تفسيره وتأويله، فضلا عن بعض ملامح اللجوء إلى Hyper text ، أو أحيانا-أركيولوجية النص، كما يلفت النظر إلى دور نص آخر للشاعر ذاته، أو دور الجماعة “المفسرة”؟

ثمة تواز بين قراءات عبد الباسط التأويلية لنصوص تراثية شعرية، وبين رؤيته للتراث ذاته بوصفه بحاجة إلى تجاوز أغلفة كتبه، والانصهار مع تجدده وانفتاحه، وتجاوز” رفع العتب” الذي نمارسه معه حين نظن إعادة طبع الكتب كافيا؛ فليست إعادة الطبع مجدية أصلا إذا أصررنا على تناوله كما قاربه القدماء.

في حديثه عن العسكري-أبي هلال- نراه يروم وعي العسكري اللافت بتركيب النص، وتقاطعه مع مختلف الأنساق المزامنة له والسابقة عليه. هذا فضلا عن قدرته على بيان المعاني المؤسسة لبنية القصيدة العربيةأو خطابه النقدي، وما يراه من أن الخطاب لدى”أبي هلال” له خصوصيته التي تنبثق من نوع الدراسة الأدبية، فدراسة الأدب بوصفها خطابا تعني أن ننظر إلى النص بوصفه قادرا على عقد الصلات مع مستخدمي اللغة، ومن ثم يصبح نشاطا فاعلا أو سلسلة من التغيرات process.

  فعند ” العسكري” نجد أثرا من النزوع إلى رؤية القصيدة العربية، بما هي جنس جمالي وليس بما هي نص مفرد. وهذا يعني أننا إزاء بنية خطابية منسجمة شكلا وموضوعا، وهذا يظهر بجلاء في التقسيم والتبويب والموضوع، لنضع أيدينا على كثير من ملامح الموضوعية يصعب رؤيتها – بمثل هذا العمق- في كثير من كتب التراث.

   وفي هذا الفصل- تحديدا- حديث متقن عن ” الخطاب الكلي” الذي قد يبدو مناقضا حال التعرض لكتاب يقوم على الاختيار، ووسط ثقافة تحتفي بالبيت المفرد، ولا تتوقف عن الحديث عن ـ”أمدح” بيت و”أهجى” بيت، و”أغزل” بيت…الخ. فهو يرى – عبد الباسط – أن البيت الفرد “الأفضل” الذي يتحدث عنه ” أبو هلال” ويتحدث عنه القدماء يمتاز بأنه يجسد (النموذج) الجمعي، أو المثال المنشود، ليكون اعتباره ” الأفضل” على مستوى التلقي مجرد اعتبار تفسيري يؤكد أنه يحوي غيره، ويتجاوزه، ويستجيب لشرائط الأداء الشفهي بدليل انعدام-أو قلة- الإجماع على “أفضلية” بيت بعينه، فالوصف بالأفضلية أمر نسبي، والتعلق به يعود لخصائص دلالية وأسلوبية؛ إذ هو نص ثقافي شديد الاختزال والتكثيف.

 في قراءة عبد الباسط للعسكري يرى- دون تطرف- أثرا من ” البنية العليا” تارة، والـ” البنية الكلية” تارة أخرى، أو حديثا عن”نموذج الكتابة”، أو ملامح من نظرية التناص التي يمكن تلمس بعض تبدياتها أو بعض ظلالها ضمن قضايا عدة انشغل بها النقد القديم مثل الموازنات والمعارضات بين الشعراء. لا يخلو العمل من تثمين دور التسلسل التاريخي لشراح كتب المعاني، وأثره في تدرج ذائقة كل كتاب/ توجه، منها.

 والحق أن فضل هذا الكتاب على النصوص القديمة- بصفة عامة- كبير، وعلى كتب المختارات أكبر. ورهان الكتاب الأكبر يبدو لنا في الانحياز لكون الشعرية مجرد حالة قراءة، طالما اتفقنا على أنها موجودة بالقوة في النص، ويختفي تحت سطور الكتاب نوع من الموازنة بين قارئ قديم تعامل مع شعرية دواوين المعاني بنوع من الاستخفاف، ومحاولة جديدة تريد الربط بين المختارات ودواوين المعاني وبين البحث عن الشعري الكامن فيها. إن أصالة الشعري تتأبى الوقوف خارج طابور الزمن. فهذا كتاب مهم، أما أن ينال الاحتفاء المفترض، فتلك مسألة أخرى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*