الرئيسية | أدب وفن | الفنانة كريمة الصقلي صانعة المفاتيح | محمد مقصيدي

الفنانة كريمة الصقلي صانعة المفاتيح | محمد مقصيدي

محمد مقصيدي

يقال أحيانا أن الأغنية المغربية لظروف الولادة العسيرة أنها لم يخرج من رحمها من يملأ الدنيا ويشغل الناس طربا إلا قلة قليلة تحسب على رؤوس الأصابع، وأن من يحملون هذا الفن النبيل يحجب صوتهم غبار القطار الذي يسير في سكة الموضى التي لا تعلق في مسام الزمن إلا لحظات ثم تموت، صحيح أن التجارة الفنية والصناعات الغنائية أساءت للأغنية وللموسيقى بشكل عام، وأثرت بشكل كبير على الذوق الشعبي مدعومة بشركات الإعلانات والمؤسسات الإعلامية، وهذه ظاهرة مست حتى المراكز الغنائية كمصر ولبنان وسوريا التي أعطت فنانين خالدين، لكن هذا لم يمنع أن يولد من رحم الأغنية المغربية أصوات حلقت في سماوات الفن عاليا بعيدا عن ما بات يعرف بالضوضاء الفنية.

فإن كان جلال الدين الرومي قد قال ذات يوم: ما الموسيقى إلا أزيز أبواب الجنة، فلا بد لهذه الأبواب من مفاتيح لنسمع صوت انفتاحها، ولا بد للمفاتيح من صانع. الفنانة المغربية العالمية كريمة الصقلي التي لا تظهر على اللوحات الإعلانية في الشوارع كما تظهر مغنيات أخريات أقل تجربة وأدنى إبداعا، المغنية التي لا تتردد على القنوات الإذاعية والتلفزيونية كما يليق بقامة ترفع الفن إلى مرتبة الفن حقا، فنحن قد ألفنا كلما فتحنا الراديو أو التلفزيون أن نعاقب بالكثير من الأصوات التي تسيء للفن أكثر مما تقدم له. الفنانة كريمة الصقلي إحدى صانعات مفاتيح أبواب الجنة، استطاعت أن تعبر بالفن إلى أقاليم الجمال والمطلق قبل أن تعبر به من المغرب إلى أنحاء الدنيا.

لم تضع الفنانة كريمة الصقلي فنها في خدمة الآلة التجارية التي لا تسعى إلا إلى الربح المادي، بل راهنت على الفن: وهكذا استطاعت رغم أنها بقيت بعيدة عن تهافت الكاميرات أن تخلق لها مساحة من الضوء النقي الذي يرسل البهاء إلى عشاق الفن الحقيقيين، واستطاعت أن تفرض نفسها كنخلة عالية في واحات الموسيقى النقية. وخير دليل على ذلك الاحتفاء الذي تلقاه في كل دول العالم بما فيها مصر التي قادت في المنطقة الإنتاج الفني لعقود طويلة… ليس كل من مارس الغناء واشتهر فيه فهو مغني، وليس كل صاحب صوت جميل ومغني فهو فنان، كريمة الصقلي إحدى الفنانين الحقيقيين الذين جمعوا بين الصوت الشجي وبين الحس الفني والرؤية الجمالية…

عندما تنصت للفنانة كريمة الصقلي تفهم جيدا لماذا قال شوبنهاور الموسيقى حديث الملائكة، ولماذا كتب نيتشه : لولا الموسيقى لكانت الحياة غلطة. وأنت تغرق في أغنياتها التي تأخذك إلى أقاصي الروح تفهم لماذا قال بيتهوفن: الموسيقى أكثر إلهاماً من جميع الحِكم والفلسفة. إن شخصيتها تظهر بعمق ليس فقط في أداءها بل في اختيارها للكلمات وانسجام اللحن بشكل تام معها، فتشعر أنك أمام عمل متكامل روحا وواقعا. ولا بد من الإشارة هنا، إلى الوعي الجمالي العالي الذي تتمتع به الفنانة كريمة الصقلي، إذ لم تهاجر نحو لغات مفتعلة أو أراضي مستلبة، بل كان اشتغالها دائما نابعا من هوية ذاتية انعكست كمرآة على الهوية الإستيطيقية. حيث اشتغلت على مجموعة من النصوص الشعرية المغربية المولودة في تراب البلد، كما هو الحال في أغنية ” سيدة الأعالي” للشاعرة خديجة برعو، الأغنية التي تتغنى بجمال مدينة أطلسية هي مدينة أزيلال، ولحنها الملحن رشيد زروال فجاءت تحفة فنية لها هوية خاصة وجوهر أصيل. ونذكر بمطلعها: أنا سيدة الأعالي أعانق أبواب السماء وأحرس أحلامكم كل مساء… أنا حبيبة الشمس تهديني الطلعة الأولى وتداعبني أشعتها الفيحاء… أنا الأرض والسماء والهواء… أنا الشعر واللحن والحلم أنا مهد الكفاح ومنبت الشهداء..

ختاما نقول: كريمة الصقلي ليست مغنية فقط، وليست فنانة وحسب، إنها إحدى صانعات مفاتيح الفردوس. ونتمنى أن تصل مفاتيحها إلى كل المغاربة والعالم.

أغنية سيدة الأعالي 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*