الرئيسية | أخبار | العدمية في مواجهة توحّش اللا-معنى، لاديسلاف كليما | علي أوعبيشة

العدمية في مواجهة توحّش اللا-معنى، لاديسلاف كليما | علي أوعبيشة

علي أوعبيشة

Chez l’homme, les pensées tant soit peu profondes mènent nécessairement à la folie, les pensées tant soit peu honnêtes à l’idiotie

Ladislav Klíma, Traités et Diktats, p.116

 

ليس التوحّش مرادفا دائما للعنف أو للفوضى واللا-نظام، إذ إن أبشع صيغة له تكمنُ في صرامة النظام وعنف السستمة Systématisation، ذلك لأن الضبط والدقة والنزعة الميكانيكية المهيمنة على الواقع، تنهش العمق الإنساني المتمثّل في الإرادة والخصوصية الفردية، إذ ترمي به في دوامة “الجمع” الغُفل، ليصير بدون هوية خاصة. لهذا فإن أغلب الأدباء يخضعون دوما لأهواء الجماهير ويعبّرون عن إرادة الجموع، وهذا أمر ليس بالعيب إلاّ إذا كان نتاجَ غلوّ تام في اتباع الحسّ المشترك (الدوغما). وإذا كانت الحداثة الأدبية شأنها شأن باقي تجليات الحداثة الأخرى، قد تأسّست على النزعة الذاتية الرافعة من شأن الفرد والسابرة لأغواره – كما بيّن ذلك ميلان كونديرا في ثلاثيته: “فن الرواية”، معتبرا سيرفانتيس مؤسسا للحداثة إلى جانب ديكارت-،  فإنها قد انتهت إلى عكس مراميها فاستحالت بذلك إلى نزعة أداتية طاغية ومتسلّطة، تُرغم الذات الانسانية على الخضوع والطاعة وتلزمها الانضباط والالتزام.

ففي عالم إشهاري تحول كل شيء فيه إلى سلعة، وأصبع لكل شيء ثمن، بحيث فرض على الحداثة مصيرا تراجيديا إذ انتهت إلى مجرّد نزعة استهلاكية ليس إلاّ، هذا النمط الاستهلاكي الذي ساد وترسخ بل وتغلغل إلى شبكات إدراكنا الوجودي والمعرفي، جعل معاييرنا التقليدية آيلة للانهيار إنْ لم تكن منهارة فعلا، إذ أصبح من الصعب جدا التمييز بين الجميل والقبيح مثلا، إلى درجة أن كل شيء أصبح جميلا بواسطة أجهزة الميديا (الإعلام) وعناصرها الأثيرية، فحتى مشاهد الموت أضحت سلعة مطلوبة ومادة استهلاكية محبوبة ومرغوب فيها، كما أن التمييز بين الخير والشر أصبح عملا معقدا، إذ أصبحنا أسرى عالم شفافية الشر، عالم لا يستطيع أن يقدم معايير ثابتة للأخلاق (الأخلاق العقلانية أقصد لا الأخلاق الدينية)، كما أن الصواب لم يعد مميزا أو واضحا إذ استحال إلى طرف متذبذب وأساس متردّد وحقل ضبابي من الصعب جدا تمييزه عن نقائضه (الخطأ، الكذب، الإشاعة…).

ونحن نعدّد خواصّ هذا اللامعنى الذي يسود العالم، لا يمكن لنا إلاّ أن نقف عند أحد أهم الأسماء الأدبية والفلسفية التي وقفت ضد توحّش التنميط الاستهلاكي وهيمنة الجماعة، نذكُر منها لاديسلاف كليما Ladislav Klíma) 1878-1928)، وهو فيلسوف وأديب تشيكي، تأثّر كثيرا بأرثور شوبنهاور إلى حدّ تأليفه كتابا على منوال “العالم كإرادة وتصوّر” وسَمهُ ب”العالم كإرادة ولا شيء”[1](1904) دافعا بتشاؤم شوبنهاور إلى حدوده القصوى، كما عُرف أيضا بتوسيعه لأفاق العدمية النتشوية، باحثا عن نقطة ارتكاز تجعل من العدمية موقفا إيجابيا، إذ ليست العدمية في نظره تعبيرا عن الاستسلام التام أو إماتة للفعل، بل هي موقف جذري من العالم يعيد صياغة الفعل وفقا لمعايير مخالفة، تتجاوز الثنائيات الميتافيزيقية والأحكام الجمعية وأوتان النزعة التبديدية (الاستهلاك من أجل الاستهلاك).

وبالرغم من أفكاره الجذرية والعميقة،  فإن لاديسلاف كليما لم يكن يكتب من أجل الشهرة أو تكوين الأتباع، شأنه شأن باقي الأدباء والفلاسفة الكبار الذين كتبوا بعيدا عن منطق الطلب وأهواء السوق.

 لذلك شكلت أسماء الفلاسفة – الأدباء الأكثر تداولا علامة على الاقصاء الذي طال أسماء أخرى، إذ إن منطق الخطاب الفلسفي كغيره من أنماط الخطاب الأخرى يشتغل وفقا لمدى تعرف عموم الجمهور على أعمال المفكر وحجم شهرته وصداه في الأوساط الفكرية والثقافية ومدى شيوع أعماله باللغة الأصلية أو ترجمات بلغات القراء في كافة أنحاء العالم دون نسيان دور الآلة الإعلامية بمختلف أشكالها في نجمنة البعض وتضخيم شأنهم، لذلك فالبحث العلمي ليس بريئا من تضليل هذه المؤشرات، فغالبا ما يحركه الهم الايديولوجي أكثر من أي هم معرفي صرف، فورود أرسطو إلينا -في البدء- كان بدافع سياسي، قس على ذلك مجموعة من الأعلام الفلسفية التي حضرت في الكتابات الفلسفية المغاربية بقوة وشكلت بالنسبة إليها مقاما للخلاص.

نادرا ما تم التعامل مع الفلسفة بوصفها تاريخا(سواء كان استمراريا أم قطائعيا) لإشكالات وجودية ومعرفية وقيمية، بحيث غالبا ما نُظر إليها نظرة أداتية، يتم اللجوء إليها لقضاء حاجة ما، في حين أن الفيلسوف ليس مقدم وصفات جاهزة يمكن الاستعانة بها متى شئنا، كما أنه ليس تعبيرا عن لحظة معزولة ولن يكون، الفيلسوف دائما مدين للتاريخ، ولا يمكن أن يفكر إلا من خلاله.

         إن الشهرة التي يحظى بها بعض الفلاسفة عندنا تعكس تأثرنا ببعض الأسئلة الفلسفية التي عالجوها وقاربوها، لذلك فمنطق الشهرة هذا لا يتصل بالفلاسفة أنفسهم (أفكارهم وتصوراتهم)، بل بالأسئلة التي مثلت لنا انعكاسا مرحليا لهم (سياسي أو تاريخي أو ما شابه ذلك)، في حين أن الاشتغال البحثي لا يتطلب هذه القرابة ولا يشترط أن تكون الأسئلة الفلسفية بمعنى ما ذات نفع ضيق أو جدوى ذاتية، إن قيمة السؤال الفلسفي تكمن في صوريته وكونيته، لذلك لا توجد غاية أخرى للفلسفة غير البحث عن حقيقة الذات والعالم، هذه الحقيقة التي لا تقبل أن تكون موضوع تعليب أو استهلاك ولا مجال شهرة أو موضة. إن الحقيقة بحث قلق وكتابة مرعبة وأغلب من لامسوا هذا الرعب لم يعرفوا إلى أن غادرونا ومنهم من لم يعرف أبدا.

ويعد لاديسلاف كليما –بحقّ- واحدا من الفلاسفة الأدباء[2] الذين كانوا ضحية إقصاء وتجاهل، إقصاء؛ لأن الرجل من شرق أوروبا ونادرا ما يتم تسليط الضوء على أبحاث مفكري أوروبا الشرقية، وتجاهل؛لأن الإشكالات التي أعاد طرحها شكلت مأزقا للإنسان الأوروبي ومصدرَ قلقٍ لذلك تم إخفاؤها كما يتم إخفاء الجروح أو الندوب.

يعود الفضلُ كلّه في التعريف بلاديسلاف كليما للأمريكية (المقيمة بباريس) إيريكا أبراهامز Erika Abrahams التي ترجمت معظم كتاباته إلى اللغة الفرنسية، بدءا ب” Les Souffrances du prince Sternenhoch” ثم ” Ce qu’il y aura après la mort et autres textes ” مرورا ب ” Némésis la glorieuse “، ” Instant et éternité “، ” La Marche du serpent aveugle vers la vérité“، ” Traités et diktats“، ” Le Grand Roman “،” Le Monde comme conscience et comme rien “، وصولا إلى الأعمال الكاملة في جزئين “Œuvres complètes” وقدّمته كأديب وفيلسوف بعد أن طواه التجاهل والنسيان، وهو السبب الأبرز الذي جعل كليما موضع إعجاب وتقدير لدى فلاسفة ما بعد الحداثة بفرنسا خاصا الموجة الجديدة من الفلاسفة وفي مقدّمتهم ميشيل أونفري الذي لقّبه بالفيلسوف الحالم في مقاله ““لقاء في بيرغامو “[3].

عاش كليما في براغ في منطقة “Liben”، بعيداً عن وسط المدينة، متمرّدا عن كل الطقوس الجماعية، إلى درجة أنّه حينما تم منع التدخين في الترام، قرر القيام برحلات إلى المركز ومن المركز إلى منزله سيرا على الأقدام، فقد كانت عدميته غارقة في الصدق وتغذت من تجربته العبثية العصيّة على الاستسلام للضبط الاجتماعي، إذ طرد من المدارس النمساوية بتهمة إهانة الدولة والكنيسة، وعاش متنقلا وصعلوكا في مدن تيرول وزيوريخ وبراغ، اشتغل حارسا ليليا لمصنع شبه مهجور ومشغلا لمحرّك بخاري وصانعا للتبغ…، وعموما فقد كان “يسير في المدن كما في الحياة، مثل الظل الملطخ بالدماء الذي تصبه أوبرا الشر عليه مثل الورق، بين الاغتراب والوعي الكامل واللامع” كما قالت عنه إيريكا أبرهامز.

ومع أن العديد من النقاد المتوسدون على التحليل النفسي قد أرجعوا موقفه هذا إلى خلفية باطولوجية استنادا إلى شذرته التالية: “طفلا كنت اكره الجميع. أدنى مداعبة من أحدهم كانت تثير فيَ الرغبة في التقيؤ“، فإن أصالة الموقف الفلسفي لكليما تبدو واضحة من خلال السجالات التي أقامها مع نصوص نيتشه وشوبنهاور وبيركلي.

لذلك حاول ما أمكن أن يكثّف نقده الجذري لواقع الضبط في مفهومه الأثير La suréthique الذي حاول فيه ما أمكن أن يقلب نظام السستمة مثلما قَلب نيتشه الأخلاق الأفلاطونية، وتعبّر عنه عبارته: Fais systématiquement ce qui est interdit“.[4] معيدا صياغة مقولة بيركلي “الوجود إدراك” مؤكدا على أن إرادة الفرد هي التي تشكّل العالم، معوّضا إرادة التشاؤم الشوبنهاورية بإرادة خلاقة[5] بوصفها الإنجاز الرئيسي القادر على إضفاء المعنى على العالم. ينطلق كليما إذن من شوبنهاور باعتبار “العالم فظيعا جدا ، لذلك لا وجود له ، فالعدمية هي نتيجة ضرورية للتشاؤم”، غير أن حديثه عن الإرادة ليس سلبيا.

 هكذا أقرّ كليما في مؤلّفه الصّرخة “أنا الإله” بأنّ الخلاص يكمن فقط في التحرّر من هيمنة الجموع، لذلك كان دائم السخرية من الحسّ المشترك واصفا الجماهير “بالقمل” من شدّة تواطئها مع النظام الرأسمالي السائد، كما كان حريصا على أن تكون فلسفته المبثوثة في كتاباته النظرية والأدبية هي نفسها أسلوب حياتهِ ومسلكه العملي في التصرّف. هكذا دعا إلى “اللاأخلاقيةL’immoralisme” كمواجهة إرادوية مطلقة للخضوع والتبعية وأخلاق الغرق في نسق الرغبات الجماعية، مؤكدا على أن الموقف اللاأخلاقي تجاه العالم، هو التجسيد الحرّ للذاتية.

La moralité est, à mon sens, la soumission servile aux opinions et aux régimes régnants que l’on trouve chez les hommes dépourvus de centre de gravité, de volonté et d’une intelligence lumineuse. L’immoralisme, c’est l’être-soi, libre, inflexible, impérieux, autonome

وتبقى العبرة المستفادة من وجودية كليما أو ذاتيته المثالية أن الأدباء لا يخرقون الواقع في النصوص، إنهم بالأحرى ينتقمون منه، لأن أغلبهم ينتمي إليه، خضوعا وانضباطا…، قلة منهم من تشكل تجربتهم الإبداعية جزءا من خرقهم للواقع ككل، كتجربة إنسانية متسمة بالاضطراب Désordre، إِذَّاكَ يعيشُ الأدبُ أديبهُ، يغرقُ فيه بكل تفاصيله، فيصير منجزه الإبداعي بعضا منه، أو كلّه أحيانا. أغلب الكتاب يمارسون الأدب بوصفه هامشا لا ينتمي إليهم، ومع ذلك يكذبون ومصرون دائما على ادّعاء العكس، خصوصا حينما يصف أحدهم الأدب قائلا: “إنه كل ما أملك”. لكن، لو سُئِلَ عن موقف مضمر في نص ما أو عن سر مخجل فيه أو ما قد يوحي إليه من جماليات ماجنة أو ايحاءات تمس الخطوط الحمراء للقواعد الاجتماعية أو السياسية …، لأجاب في الحال: “هذا مجرد أدب”.

[1] Le Monde comme conscience et comme rien, Éditions de la Différence, 1995, éssai traduit du tchèque et présenté par Erika Abrams, collection : Philosophia perennis.

 [2]  ذلك لصعوبة تصنيفهم فهم في الآن ذاته فلاسفة وأدباء، ومن الذين اشتهروا بهذه الازدواجية، نذكر: ألبير كامو وجون بول سارتر وفريدريك نيشته…الخ.

[3] Michel onfray.la sculpture de soi.la morale esthétique, livre de poche,1993, p : 201

[4] Erika Abrams et Louis Arenilla, “Klima Ladislav”, in Dictionnaire des philosophes, Encyclopaedia Universalis/Albin Michel, 1998, p:847.

[5] « Je suis la Volonté Absolue »

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*