الرئيسية | أدب وفن | السَّعَادَةُ المُؤلمَة والألـَم المُسْعد | رشيد العالم

السَّعَادَةُ المُؤلمَة والألـَم المُسْعد | رشيد العالم

رشيد العالم

 

مَفهُوم السَّعَادَة والألـَم كانَ ومَا يَزَالُ مِن بَين المَوَاضِيع التِي خَاضَ فيهَا الفلاسفة المُسلمِين مِن أمثـَال (ابن سِينـَا) و(الفرَابي) و(إخوَان الصّفا) و(مَسْكويه) و(أبُو حَامد الغزَالي) وغيرهم من الغَربيّين من أمثال (فريدريتش نيتشه) في كتابه ( جينيَالوجيَا الأخلاق) و( مَا ورَاء الخيْر والشـَّر) و (شُوبنهَاور) و(سبينــُوزَا) (جوك لــُوك) و(دُور كــَايم)..

فالفلسَفة باعتبارها مَجمُوعَة من الأدوَات التي تعتمدُ عَلى المَنطق والحجَج العَقلية والبراهين الدلالية والاستدلالات العلميَّة الدقيقة  للوُصُول إلى حَقيقة المَوضُوعات التِي تأرِّق الفكر البَشري، لم تحسِم بعدُ نتائجَ نظرياتها بخصُوص مَفهُوم السَّعَادة والألم, وفي كلِّ مَرَّة نسمع دِراساتٍ علميَة ونفسية وسَيكولوجيّة، تأكد أن الفلسفة لم تصِل بعدُ إلى حَقيقة الشُّعُور  بالسَّعَادة والألم.

فمَعرفة الألم يَتوقفُ عَلى مَعْرفةِ السَّعَادة، ومَعرفة السعادة تتوقـَّفُ عَلى مَعرفة الألم، وَمَعرفة أصْل الشُّعُور الإنسَانِي، ليْسَ تحليلَ المُعَانـَاة مِن خلال الشعور بالألم النفسِي الذي يَمتدُّ إلى الجَسَدِ فيُسبِّبُ لهُ أعراضًا صِحّية واضطرابَاتٍ سُلوكية.. وليس مَعرفـُة اللـَّـذةِ أو النشوَةِ التي تبثهَا السَّعَادة فِي الجسم عَبر (هُرمونات) تعَمل عَلى تنشيط مِنطقة السَّعَادة فِي المُخ،  فتبتهج الرُّوح وتأنس النفـَس ويَطيب الخَاطر.. بَل الأمرُ يَتوقف على الإحَاطةِ بمَعرفة أصل المُعَانـَاة وأصل السَّعَادة، الشيءُ الذِي حَار فيه  الفلاسِفة وعُلمَاء النفس مُنذ قرُون عِدَّة، لمَا لهذين الشعورَيْن مِن تعَقيد  وغُمُوض شدِيدٍ.

فالسّعَادَة لا تعْنِي السَّعَادة كمَا أنَّ الألمَ لا يَعني الألم، لأنَّ السَّّعَادة في الحَقيقة قد تكون الوَجهَ الآخر الوَاضِحَ للمُعَاناة، ولذلك قلمَا نجدُ إنسَانـًا سَعيدًا يَعِي كنهَ مَا يَشعُرُ به، فالحَرْبُ مثلا مَيدَانٌ رَئيسي لجَدَليةِ هَاذين الشعُورَيْن، فمثلا القائدُ الحَربيّ (جنيكيــزْخـَان) قائد المَغول الشهير الذي احتلّ أرَاضِي آسيَا الشرقيَّة واليَابَان ورُوسيَا.. و قتل الكثيرَ وشرَّدَ الأبريَاء وكثيرًا مِن أفرَادِ أسرَتهِ كانتْ سَعَادته فِي حيَازَةِ أكبر مِسَاحَةٍ من الأرَاضِي والأملاك والنسَاءِ والغنــَائِم والأسْلحَة.. بَينمَا الذين كانـُوا ضَحَايا غشمِهِ  وسَيفِهِ وجَبَرُوته كانـُوا يَرَوْن فِي قائِدِ المَغول، شيطان الألم والمُعَاناة والمَشقة، فالأنا المُتضخمَة الكبْرَى، والنرجسِيّة المَرضِيَّة الزَّائِدَة في البَحث عن السَّعادة عِند (جنيكزخـَان)، تمثلت فِي مُصَادرَة سَعَادَةِ الآخرين ونشر الألم والمُعَانـَاة..كوسيلـَـتا إضعَافٍ وإخضَاع مِن أجل السَّيطرَة والتحَكم.

وَلا نبَالغُ إن قلنـَا بأنَّ بَعض الحُكـَّام في هَذا العَصر، يَنتهجُون نفسَ النهج المَريض، الذِي انتهجَهُ مُلوكُ الدِّم و أبَاطرَة القتل من قبل، بحَيث يَعْمَلونَ على تجويع وتفقــير الشـُّعوب، وفي المُقابل يُطلقونَ العَنان لأوراشهمْ الاقتصَاديّة ومَشاريعِهم المَاليّة الكبرَى على حِسَاب الشعْبِ المِسكين الجائع، فسِيَاسَة إيلام الشعَبْ و تفقيرهِ عند طـُغاة الاستبدَاد تعدُّ عُملة أسَاسيّة، لأن سَعَادة الشعُوب تعَارضُ مَصَالحَهُم وغرَائزَهُم التمَلكيَّة الجَشِعَة وقد تدفعُ بالشَّعْب إلى المُطالبَة بمَزيدٍ من التحْسِينيَات والكمَاليَات والمثاليات..

ولنأخذ مِثالا ورَمزًا شَهيرًا مِن رُموز الحَرب العَالميَّة الثانية، وهُوَ النازي (أدولف هِيتلر) الذي لم يَذق طعمَ السَّعَادة في يَوم مِن حَياته وكان دائم البؤس والغَضَب والاكتئاب  لأنَّ السَّعَادة التي وَضعَها نُصْبَ عَينيه، سَعَادة تقومُ عَلى خلق المُعَاناة للآخرين،  وصِناعَة الدَّمَار والتقتيل إلى غَايَة الظفر بالسَّيطرة  عَلى العَالم، وهو الحُلم الذي لم يَتحقق وتسَبَّبَ لـ(هتلر) فِي الانتحَار، بَعدَمَا شعَرَ بحَجْم الألم الذِي يَنتظرُه إذا مَا تمَ القبضُ عليه ولذلك اختار الفرَار من المُعَاناة بمُعَاناةٍ أخرى، وهَذا مِن بين الأسبَاب الرَّئيسية للانتحَار، فبَعْض عُلمَاء النفس يَرُدُّون الأمْرَ إلى اضطرابٍ عَقلي ومَرضٍ نفسِي، دُون إدراك أن هُناكَ الكثير من المُفكرين والعَبَاقرَة الذي أنهَوا حياتهم بقتل أنفسِهم فكثيرٌ منهُم لم يَكنْ مَريضًا عَقليًا أو مَجنونا بل كان عبقريًا فذاً مِثل العالم الفيزيائي النمسَاوي (لودفيج بولتزمان) والروائي الشهير (أرنست همنغوَاي) و الشاعر اللبناني (خليل حَاوي) على إثر سماعه لخبر اجتياح إسرَائيل للبنان و (فان جوخ) الفنان الهولندي الشهير… وجُل هؤلاء إنمَا وضعوا الانتحار كوسيلةٍ للفرار من المُعاناة التي أفقدتهم لذة السّعَادة فقرَّرُوا الهَرَب من سَعادَةِ المَال والشهرة التي جَردَتهُم من إنسانيتهم وخلقت لهُم سَعَادة مُزيفة يَضيقُ بهَا صَدرُهُم، وتزدريهَا أنفسهم..

فمن بين أكبر المَصَائب أن يَكتشف الإنسَان أن السَّعَادة التي طالما كابَدَ لبُلوغها طوالَ حَياته، هي سرُّ تعَاسَتِه وبالتالي يَكـُون فريسَة للاكتئاب الذي يقودُهُ في النهاية إلى الانتحَار كوسِيلةٍ للهرب من الألم والمُعَانـَاة.

فقد يحصُلُ أن يشعر الإنسان بالسَّعَادة والألم في الآن نفسه، مثل الأم حين تضع جنينهَا، وقد يَصِلُ الإنسانُ إلى دَرجة لا يعِي فيهَا إذا كان سَعيدًا أو حَزينـًا، وذلك مَردُّهُ إلى غياب الشعُور الدَاخلِي والإدرَاك العَميق لقيمَة السَّعادة والألم الذي لا يُنـَالُ إلا عَبر إدرَاك المَقصد من السَّعَادة، ومعرفة الوسيلة التي  تجعلُ المَرءَ سعيدًا.

ففي غياب المقصد من السعادة و عَدَم امتلاك وَسَائل البحث عنها، لا عن نقيضِهَا، يَغيبُ الوَعي بقيمَتهَا، وقيمة السَّعادة لا تكون إلا بمقدَار ما يقدمه الإنسانُ من خير ومَحبَّة وصِدق وسُمُوّ بالأخلاق والأفعَال..، وفي سبيل ذلك، قد يَختارُ البَعض الألم فِي البَحث عن السَّعَادة كما يَجدُ السَّاديُّ و المَازوتشي سعَادته في تعذيب الآخر، حيثُ  يُفضي به خلق الألم للآخرين  في النهايةِ  إلى نشوَةٍ رُوحيَّة ولذةٍ جنسيّة وإشبَاع غَريزي..

ولا أذل على اختيَار الألم طريقـًا إلى السعَادَةِ من قصَّة المَرأة التي قضَت أزيد مِن عَشر سَاعَاتٍ في وحل طيني وهي تمسكُ برَأس الخَيل حتى لا يختنق ويَمُوت، فالمرأة كانت تنتحبُ وتبكي بُكاءً شديدًا، وصَبرَت على ألم البَرد القارس، وثقل رَأس الخيْل وهِيَ تحملهُ بيديهَا الرقيقتيْن الضَّعِيفتين، لكنها لم تحَاول الفرَار مِن الألم، لإيمانها بأن السعادة تكمن في إنقاذ الخيَل، أي فِي فعل الخير مَهْمَا كانت فاتورَة الألم غــَالية وإن كان ذلك عَلى حساب حياتهَا.

فالغايَة شيءٌ جَوهريٌ في معرفة السَّعادة وفي بلوغهَا، وأعلى غايات السَّعَادة، هي نيل رضَا الله سبحانه وتعالى، ولا قيمة للسعادة والألم إذا لم يكن في سبيل الخير والمَعروف والإحسَان أو إذا كانت السَّعَادة تنأى بنا عن طريق الله سُبحانه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*