الرئيسية | سرديات | البغل الغريب الأطوار | سعيد بوخليط

البغل الغريب الأطوار | سعيد بوخليط

 

 بقلم: سعيد بوخليط

يظهره واقع الحال، بأنه بغل مثل باقي أنواع فصيلته وأبناء عمومته، لا يختلف عنهم قيد أنملة، على الأقل من الناحية الفيزيولوجية والجسدية. بيد أنه تميز، كما عاينت وتابع جل أهل الحي، الذين يؤكدون ويشهدون بالإجماع، عن طبيعته الغريبة ومزاجه المختلف، إضافة إلى ضياع نسبه، بحيث لم نعرف له حتى اللحظة مالكا أو صاحبا أو زوجة أو أولادا أو عشيرة أو حشدا، على امتداد كل هذه السنوات.

سبب شهرة هذا البغل، الذي صار مضربا للأمثال عند الساكنة، بخصوص الوحدانية والعناد والتصلب، وبين الفينة والثانية حديثا مهموسا، قوي الدلالة عن الرجولة والفحولة، كونه يتصرف تماما حسب هواه، دون مبالاة ولا التفات أو أدنى اعتبار، سواء نحو بني جلدته وضرورة احترامه لمدى المساحة التي ينبغي أن تشغلها علاقته بالأجناس الأخرى ثم بني البشر خاصة.

هكذا، بقدر ما صارت السمات النفسية لهذا البغل، سندا قيميا، قدر كونها تفكها تلوكه ألسنة أهل الحي، بالتالي تراجعت نسبيا هالة السباب والشتائم التي انطوى عليها دائما وصف البغل، كالحمار تماما، وأخذت النعوت مع سياق مغاير كهذا، مناحي أخرى جديدة، اختلفت باختلاف المقامات والسياقات: عش مع نفسك مثل البغل !لا تهتم بما يصنعه الآخرون، كصديقنا البغل  !قف وتأمل صامتا ما يدور حولك مثل البغل !تجلد تجاه ما يجري من أحوال، كبغلنا… !

أما النسوة فلا تتوقف عن الوشوشة بابتسامات زائغة، تنفلت أحيانا من عقالها، فزعا بل دهشة، وهن يتبادلن الإيماءات غمزا ولمزا، وغالبا صمتا معبرا لما تتشرع فتحات عيونهن بجلاء، متسمرات وكأن دواخلهن تقول : متى يمتلك أزواجنا تحت سراويلهم، مخلوقات من نفس رهبة كتلة الثعبان المتدلي، باستمرار بين قوائم ذلك البغل،لاسيما أوقات الظهيرة ولحظات شدة القيظ….المهم تحول حضوره إلى قوام لما ينبغي تقويمه، بحيث وجد فيه أغلبنا معيارا لما يلزمه أن يكون حسب المرجعيات والمنظورات : صبر، قوة، تحمل، حكمة، انعزال، فحولة، إلخ ….

أيضا، تعددت وتباينت التفسيرات بخصوص حالته المزاجية الغريبة الأطوار، هكذا  دأب البعض على نعته بأنه بغل مجنون أصابه مس من الشيطان أو السحر، لذلك يعيش بهذه الطريقة الخرقاء بينما باقي البغال السوية تقضي يومها في جر الأثقال، وتروح مساء إلى الحظائر سعيدة ببرسيم وعشب وتبن ثم تمدد قوائمها وتنام مطمئنة .أصحاب هذا الرأي كانوا يمرون أمامه غير مهتمين بأمره،وفي أفضل الأحوال، قد يلعنون وجوده بنعوت تتأرجح حدتها، حسب درجة الإزعاج التي يتسبب فيها البغل للمواصلات،العابرة لتلك الطريق لأنه لم يعجبه قط من فضاء كي يمارس شروده الغريب، الطويل، سوى الجثو وسط شارع عمومي رئيسي، والأكثر غرابة ترصده باستمرار أوقات الذروة وساعات الضغط،كأنه يتعمد السعي، بحيث يصير مرور السيارات والدراجات أشبه باختبارات تعليم السياقة.

البعض الثاني، يسبح بجلال الخالق والمخلوق، مادام حتى الكائنات غير الآدمية، وفي طليعتها الحيوانات، قد تصاب بالذهان واليأس، منعزلة ومنطوية، تعيش لفترات حسب أهوائها ومزاجها الخاصين .لتبيان ذلك، أخبرنا أحدهم أنه لاحظ فيما سبق ذات الحالة عند بقرة، ظلت لأيام ممتنعة عن ابتلاع ما يوضع أمامها  من طعام وشراب، وعجز أصحابها عن بلورة تفسير لحالتها الغريبة، بحيث توهمهم للحظات بمضغ الطعام وتدويره بين فكيها، لكن عوض ازدراده كما يفترض، ستقذفه بصقا متشظيا في وجوههم. ثم قدر ما يتضاءل وزن البقرة،وينتقص عطاؤها من الحليب، ازدادت حيرتهم حول السبب متأرجحة بين البيولوجي والنفسي والغيبي.

أيضا، وعلى ضوء حالة البغل دائما، شرعت نقاشات الحي تزيل الغبار عن تاريخ الظلم الذي لحق بالحمار، المغتال منذ العهود الغابرة بأحكام جائرة متوارثة، وصلته على الدوام بالبلادة والتخلف الذهني، مع أنه ليس كذلك، الدليل النظري كما وضح أحد المطلعين العارفين، يعيدنا إلى الهيئة التي أسست في مصر سنوات الثلاثينات من طرف مجموعة أسماء فكرية وثقافية وفنية بارزة، تحت يافطة : جمعية الحمير .واختارت لأعضائها،مراتب :الجحش، الحمار الصغير، الحمار الكبير، صاحب الحدوة، صاحب البردعة. قصد رد الاعتبار معنويا ورمزيا لهذا المخلوق الذي عانى كثيرا من ظلم بني البشر.أما الدليل العملي، فكنا حقيقة نتابع يوميا حركات عربات أزبال، يقودها غالبا أطفال، سيأخذهم شبه سبات بعد أن شحنوا أنوفهم بسوائل مخدرة، مما يفقدهم وعيهم، لكن الحمار يستمر يقظا مقتفيا بفطنة لافتة، نفس مداخل ومخارج السبيل الذي جاء منه، مهتديا بسيده المستسلم للنوم وعائدا به إلى نقطة الانطلاق.

ثم تتفرع وتتشعب الأحاديث صوب عوالم الكلاب والقردة والنمل والنحل والطيور، كائنات لانعرف عن قوانينها، سوى ما ينسجم بل يخدم أطروحة مركزية البشر، مما يشكل عائقا وجوديا في سبيل إنصاف الكائنات الأخرى  وتحقيق الموضوعية.

استمر البغل على موقفه صنديدا عنيدا، يختفي مساء بحيث لا نعلم له وجهة، ثم يأتي صباحا، يقف بداية عند رصيف الطريق كاشفا عن كل علامات الضجر، دائما رأسه مطأطأ، غير مكترث تماما بما يقع حوله، لا يلتفت يمينا أو شمالا، ثم يشرع في التقدم رويدا رويدا، محافظا بتؤدة على ذات المنوال .مع توالي ساعات النهار واتساع حركة المرور، سيقتحم أكثر فأكثر وسط الطريق، ثم يمكث هناك واقفا بلا حراك كأنه جلمود صخر، متعمدا حسب أبسط التأويلات عرقلة السير.

بالفعل، يخلق موجة اضطراب هائلة، مع سيل من الشتائم والسباب واللعنات، ثم يبلغ إخلاله مستوى فظيعا جدا، إذا انتفخ قضيبه حد التدلي أرضا، هكذا ينكشف ويتعرى كل شيء أمام الملأ، ربما أسرع شخصه إلى رفسه ودفعه، كي يتحرك ويفسح الطريق، ويستر العورة البغيضة، غير أن البغل يتمسك بموقفه.خلال إحدى المرات، وتفاديا للحرج، غطاه أحدهم ببطانية، من أجل إخفاء ما يمكن إخفاؤه، بخصوص البروز الفاضح والانقلابي لجهازه، مما يتسبب في إحراج فظيع، للمتواجدين لحظتها، مع الرغبة المتعنتة للبغل.

إذن، بعد أن يخلق حالة هيجان عارمة، بنوبة سكينة شروده غير العادية .فجأة، يستفيق البغل آخذا في التململ متراجعا عن موضعه غاية جانب الطريق. تبلغ الشمس كبد السماء، تخف حركة المرور، يبدأ بالتقهقر رويدا رويدا، إلى أن يختفي تماما.

صبيحة الغد، يحضر ثانية في الوقت المعهود، كي يعيد نفس ما فعله أمس، بذات التفاصيل والحيثيات….

http://saidboukhlet.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *