الرئيسية | منبر الموجة | الإِيلافُ فِي مَسْأَلَةِ الاِخْتِلاف | عبد الله بن ناجي

الإِيلافُ فِي مَسْأَلَةِ الاِخْتِلاف | عبد الله بن ناجي

عبد الله بن ناجي 

-1-

اللغةُ حَمّالةُ أوْجُه؛ اللغةُ سيّالةُ مسافاتٍ، لذلك لا تمارِ الناس في فُهُومهم. اُنظر إلى حيث ينظرون وتأمل بحياد تام مرمى الخطو، لابأس به فهماً، حتى وإن بدا الباطل بالحق يَلْتَبِسُ لابأس به فهماً، لا تكن ضيّق الصدر حين تعلو الأصوات تندد تنادي بالإطاحة بكلماتك الأثيرة لديك.. القصْدُ سياقاتٌ أيها الصاحب، وأنت كما هم تشكيلاتُ مدارك مختلفةَ المشارب والبُنى، تتشابه الملامح ولا شيء يدعو للأسف، لا شيء سوى أن تحط عصافيرك على حقل لا زرع فيه؛ هل يجوز أن تأكل نملة قُنفذا برِيّا؛ هل يجوز أن تترامى الأطراف خارج مساحات لا سبيل لها للعودة منها سالمة؛ قل لي أيها الصاحب إنني أصبُّ الماء في الرمل وحَسْبُ؛ قل لي إن حيطانَ قصب السكر عاليةٌ، وسماء البلورات الذهبية عصية عن القطف؛ هل رأيتني أراقص ذئبا في سالف العهد؟ قطعا لا؛ ثم هل لي أن أخبرك أن عهدي قطعتُه على نفسي لا إليك كان مَوْثِقُه ناصيةً ناصبةً عليك؛ عزلتي واثقة أيها الصاحب، والقويُّ يعيش بالعزلة وفيها تينع أزهاره كثيرةَ الألوان، بَيْدَ أن الضعيف، كما تعلم أيها الصاحب، يموت بها. العزلة قدر الشعراء الحكماء، قدر العالين في سرعة الصبيب وفي المَصبّ، قدر الشعراء الباقين على عهد قصائدهم. لا سبيل لك في الوصول إلي؛ مهما تسارعت خطاك أمامك طيفي يعدو جالسا؛ أنا فكرة لا يحملها جسد، ولا يحدها محيط مهما أحاطت بي نواياك أصافحك مبتسما؛ أنا أجمل رغم سواد التيه في الجفون، ورغم العِدى أظل صديقا، صديقا لك رغم أنفك، لأن لي جذورا عميقة الحياة في الأرض التي تقف عليها، ثم إني صادق شاهق المبنى، فهل يجوز أن تتحرك شجرة كستناء بمرور موكب عرس عاهرة لا تحسن وصيفاتها الرقص على إيقاع ناي أصيل، مهلا، هل سبق أن كلّمت نبيّا غير مرسل؟ أنا فعلتُ؛ كان ينظر إليّ بوسامة صدرٍ وسماحة صبر. تعلمتُ من الأنبياء أن أرافقك حثيثا ليّن العود إلى أن تدرك معاولُك غايتَها القُصوى في الضرب على الدهر بلا مواجع في الصخر؛ أنت الصخر أيها الصاحب، لو ما كنتَ قليل الحيلة كنتَ فراشةً في المهبّ، وفي القلب تورق أشجار الصنوبر وارفة الظلال؛ ثم هل لي أن أسألك بحق الأخوة والسماح، علّكِ يا رياح القلاع العتيدة الواقفة في وجه أشرعة طائر الدّورِي تَسمعين هَسيسَ الرمل في الخطو هَمْساً: أَخِي! حِينَ تُرَاجِعُ سِيرَتِي، مَشدُودًا إليَّ، خَفِيفاً أَعْلِنْ مَصْرَعِي.

-2-

حين نكون على استعداد لقول الحقيقة كاملة، الحقيقة التي تُديننا ونتحمل تبعاتها برحابة صدر، الحقيقة التي تعني في أبسط تجلياتها اعترافا بأننا أخطأنا التقدير، والحقيقة التي يعني البوح بها في العمق أننا أمام إنسان قد أضحى كائنا محترما، يستحق التقدير والإعجاب، وله نصفق بحرارة الأوصال؛ حينها وليس قبل ذلك يمكن أن نتحدث عن نضج طبيخ ذواتنا على نار هادئة الموقد. إن معنى أن نلجأ إلى خلاط العجين، أن نلجأ إلى رمي الرماح خبط عشواء عن بُعد وسط زحام اللغط، معناه أننا مجتمع يائس وبائس وواهن. مجتمع يحتاج صدمة وَعْيٍ بثمن غالٍ كي يدرك أن الحياة لا شيء سوى لحظاتِ صدق مع الذات وبالذات في رهافة حسٍّ وشفافيةِ صورةِ المرء أمام مرآة الذات ذاتها؛ نحن مجتمعٌ عارٍ من صحة الخبر عاثر تحت وطأة الإنشاء، مجتمعُ قيلٍ وقالٍ وقلقلةٍ لا تلتفت لمرمى ما يُقال؛ نحن مجتمع يعتقد في بطولة الأفراد الآتين من بَرَكة الأولياء؛ واقع الحال يُنبئ أن الخوف والهلع يسكن الأقدام حتى النخاع، وأن المدارك في أصابعنا أصغر من بُزاق نملة، ومعاولُ الحفر في الأرض التي نتقاسم الوقوف على تبرها وترابها يعلوها الصدأ، لا تضرب إلا في مواقع الخطإ؛ حين يعترف الواحد منا أن الحياة لا تستحق الانتباه إلا بهذا الجوار القريب من الجدار، القريب من القلب ومن الحُبّ غير المشروط بمصالح مهما كبُرت نفائسها، حينها يمكن أن نتحدث عن معنى قادم مشترك في الخطو إلى الأمام؛ ليس كُلُّ جسد يتماسك في النظر سليما من السقام، نحن حبات رمل تذروها الرياح في الاتجاه ذاته، قد يكون اتجاهَ هاويةٍ سحيقةٍ. ولأنّ الناس لا ينظرون إلى هذا الأمام حيث مصبّ الاتجاه، اعتقدوا أنهم في مأمن بهذه الرفقة المؤقتة غير المسنودة بصلابة الصبر؛ هل رأيتَ في محيطك صداقاتٍ دائمة؟ علاقاتٍ حقيقيةً مفعمةً بالتضحية والتآزر؟ لو أنك أجَلْتَ النظر لأمكنك استكناه حقيقة الوضع؛ مؤسف هذا الشطح على الركح بلا جدوى، يا لهول النّوازلِ حين تأتي عنوة أسرابا من نمل أو نحل أو قوافل من غبار.

-3-

في أعماق الروح احترام كبير للظلال، العزلة الواثقة، عزلة بيضاء تفوح منها رائحة الرطوبة، الظلال التي تغطي كامل الروح ظلالٌ بعيدةُ النقر على أوتار لواعج الصمت؛ لا شيء يدعو للأسى. سُقْ مساءك إلى سمائك حيث تشاء، حيث بياض السرائر تغني بلا وشائج للقرب، القرب الضيق المنافذ صهيلٌ موجعٌ؛ هل رأيت يوما بلا لَبس يُخامرك الشك فيه، القوارض تهش على أعشاش جيرانها؛ لا جار لي أستجير به، الطيف الذي يلاقيني طيف شائك الملمس.. صَفِّقْ يا صديقُ كما تشاء لمن تشاء؛ صَفِّقْ بيديك الآثمةِ أصابِعُها تشير إليك لو تدري، الكلمات الأثيرة لديّ وحدها تصفق لخطوي الوحيد في الممشى؛ الممشى الغارقِ في دم الأغيار. لا غيرُ الصمت يليق جوابا لخواء الزاد في المزاد؛ مزادكم زغاريد فارِعَةُ الصّدى فارغةُ المدى؛ المدى سليل الحرف والحروف نياشينِي التي تُظلل سيري إليّ. أنا إليّ. وإليّ أنا أسير إليّ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*