الرئيسية | منبر الموجة | الإيزيديات في قبضة الدواعش رحلة الاختطاف والاغتصاب والبيع باسم المقدس | فاطمة بن محمود

الإيزيديات في قبضة الدواعش رحلة الاختطاف والاغتصاب والبيع باسم المقدس | فاطمة بن محمود

فاطمة بن محمود / كاتبة من تونس

 

 

     من التجارب الثرية التي غيّرت فيّ وأضافت لي الكثير دعوتي للمرة الثانية للمشاركة في الدورة 19 لمهرجان كلاويز الثقافي في كردستان ( إقليم العراق ).

عندما زرتُ كردستان للمرة الأولى كنت أعتقد اني سأذهب الى بلاد بعيدة و فقيرة و بائسة بلاد منزوية على نفسها تلعق جراحها و تجمع أحلامها المبعثرة وتبكي بصمت، ففوجئت ببلاد أخرى تختلف عن كل توقعاتي بلاد جميلة و فسيحة بها بنية تحتية رائعة طرقات و جسور و مباني فخمة و حركة اقتصادية لافتة للانتباه و أمن كبير يلفّك فتشعر بالاطمئنان إضافة إلى حركية ثقافية مدهشة، تتجول في المدينة فتنعشك الألوان الزاهية و الروائح الشهية.. و تصافحك نظرات الأهالي الفضولية وابتساماتهم الدافئة.

     عندما شاركت في مهرجان كلاويز في دورته 19 لفت انتباهي مجموعة من الفتيات تتراوح أعمارهن بين 17 و 20 سنة تقريبا بلباس جميل مختلف و مميز علمت انهن ايزيديات بلباسهن التقليدي كن كالفراشات يتوزعن في أرجاء المكان يتابعن الاحتفالية الكبرى بكاميراتهن يقتنصن المشاهد الرسمية و اللحظات المنفلتة، اشتد فضولي تجاههن و شجعتني ابتساماتهن اللطيفة على الاقتراب منهن و كان لي معهن لقاء.

     في مقهى أنيق قريب من المسرح الفخم الذي تُدار فيه فعاليات المهرجان الثقافي الدولي كلاويز جلست مع مجموعة الفتيات الايزيديات بصحبة مرافقا لهن هو خضير حمّو .. كانت الجلسة خليطا ثقافيا مدهشا تقاطعت فيه بيننا لغات مختلفة العربية و الكردية و الفرنسية وهكذا دار الحديث بيننا.

في قضاء سنجار بكردستان ( يسمى بالكردية شنكال ) تنتشر مجموعة من القرى و البلدات الصغيرة التي يقطنها قرابة 800 ألف إيزيدي يستعملون اللهجة الكورمانجية وهي إحدى اللهجات الكردية الرئيسية، كانت النساء و الفتيات الإيزيديات يعشن مع عائلاتهن في سلام حتى أطل عليهن هولاكو القرن الواحد و العشرين مدججا بالجهل و مكشرا عن أنيابه..

3

الاختطاف .. الجرح الذي لا يندمل :

     علمتُ أن الفتيات اللاتي وقع تحريرهن من قبضة الدواعش الذين اختطفوهن وامتهنوا كرامتهن بشكل فضيع فمنهن من سُجنت ومنهن من اغتصبت ومنهن من بِيعت في الأسواق العامة، والمحظوظات منهن فقط عدن عن طريق شبكة تهريب معقدة وخطيرة.

     في يوم لا ينسى وستظل الأجيال تذكره بحرقة اقتحمت جحافل من الدواعش مدججين بالأسلحة والجهل قضاء سنجار وقاموا بفصل النساء والفتيات عن الرجال والشبان وفي الوقت الذي كان الدواعش يأخذون النساء والفتيات إلى أماكن مجهولة وقع تصفية الرجال والشبان تقول الإعلامية الكردية روشن قاسم التي التقيتها على هامش فعاليات المهرجان أنها تابعت بقلمها هذه الفضائع وأن هناك من الفتيات من تشبثت بها أمها فقُتلت أمام عينيها وأخذوها إلى حيث لا تدري. فهمت سرّ تلك النظرات الحزينة من الفتيات فقد افتكهن الدواعش من عائلاتهن ثم جُمّعن في ملاجئ خاصة بهن ووزعن على الدواعش غنائم حرب ليعبث بشرفهن ويتداول عليهن جنسيا بشكل متوحش وفيهن من لم تتجاوز زمن اختطافها 14 سنة وتذكر لي إحداهن ان هناك من اغتصبت في الليلة الواحدة من طرف أكثر من واحد من الدواعش. ثمة من الفتيات من بيعت في الأسواق العامة في الرقة و الموصل ثلاث وأربع مرات و من يشتريها ان كانت شابة يمتهنها جنسيا و أن كانت أكبر سنا يحوّلها إلى جارية تخدم عائلته و من تبدي اعتراضا فانها تربط بالسلاسل و تتعرض إلى تعذيب شديد ومن تتمرّد فانها تُقتل و قد كانت هناك حالات رفض شديدة من الفتيات  لهذا التنكيل بهن فنجد من لجأت بنفسها إلى قطع أوصالها وهناك من فضّلت الإنتحار.

     في المقهى الأنيق كان لقائي بالفتيات متواصلا لم أستطع  أن أقترب من كأس الليمون المثلّج و قد سكنني شجن عميق و لم أستطع أن أمنع دموعي من التساقط تأثرا على ما  تعرضت له فتيات صغيرات كن فراشات جميلة وجدن أنفسهن في مسلخ للمتوحشين و عشن  هذه التجارب القاسية لم يكن لهن ذنبا سوى قدرهن البائس الذي جعلهن في طريق عصابات تتاجر بالدين و تشرّع لنفسها الإغتصاب و القتل باسم الإله.

      اللقاء متواصلا مع الفتيات الإيزيديات و الحزن يخيّم على الجميع لم يكن سهلا عليّ أن أقترب من تجربة قاسية إلى هذه الدرجة ليس للإيزيديين ذنبا سوى ان دينهم مختلفا و قوميتهم مغايرة و ان حظهم السيئ عرّضهم في كل مرة إلى هجمة إبادة ترافقها حملة تعتيم على مجازر يتعرض لها الشعب الكردي ككل، ليس سهلا ان تنظر في وجه صبية جميلة لم ترتكب جريمة سوى ان الدواعش يرونها غنيمة حرب يحق لهم امتهانها و بيعها في سوق النخاسة ، يرون المرأة جسدا و كل مختلف عنهم عدوا.

من ضمن الآلاف من النساء و الفتيات المختطفات لدى داعش لم يتم تحرير سوى القليل إما عن طريق شرائهن من طرف بعض زعماء قبائل عربية و إعادتهن إلى عائلاتهن بواسطة  شبكة تهريب خطيرة تقول لي إحداهن ان هناك من قُتل في سبيل تحرير بعض النساء، ذكرت لي احدى الفتيات ان شخصا متنفّذا من شيوخ أحد القبائل العربية استطاع ان يحرّر قرابة مائة و خمسين امرأة عدن الى عائلاتهن في مخيمات آمنة في أطراف دهوك و لازالت المئات من الفتيات و النساء في قبضة الدواعش.

الكاميرا و الذاكرة الحيّة ..

تكفّلت منظمة الأمم المتحدة بالاهتمام بالفتيات و النساء المحرّرات من قبضة الدواعش لذلك ضبطت برنامج إعادة تأهيل لهن خصوصا و أن الفتيات في الغالب متعلّمات ويتقن اللغات الكردية و العربية و الانقليزية و ضبطت منظمة الأمم المتحدة برنامج لدورات تكوينية في الخياطة و الحلاقة و الأشغال الحرفية تساعدهن على العمل داخل المخيم الذي يعدّ ساكنيه بالآلاف و خارجه.. الفتيات اللواتي التقيت بهن في مهرجان كلاويز تعلّمهن تقنيات التصوير الفوتوغرافي لتيسير عملهن كصحفيات مصوّرات ضمن وكالات أنباء محلية و عالمية.

التعامل يبدو صعبا في البداية مع فتيات لهن خصوصية من جهة نشأن في بيئة محافظة و من جهة أخرى عشن أشد التجارب امتهانا للمرأة هي الخطف و السجن و الاغتصاب و البيع التي خلّفت لهن ندوبا عميقة في شخصياتهن و هذا ربما جعلهن يتعاملن بحذر شديد مع الآخر خصوصا و أن العديد من وكالات الأنباء التي اتصلت بهن و أجرت تحقيقات و حوارات معهن يغادرنهن دون محاولة حقيقية لمساعدتهن على تجاوز محنتهن ومجرد الشعور انهن كن فقط موضوع مادة صحفية ولّد ذلك لديهن إحباطا شديدا و عمّق احساسهن بالعزلة .. و اعترف ان خلال فعاليات مهرجان كلاويز توطدت علاقة لطيفة بيني و بين الفتيات  و اكتشفت من خلالهن لطف و طيبة هذه الفئة الإيزيدية التي عانت في تاريخها ويلات فظيعة و إبادات وحشية مختلفة.

تشتغل الفتيات الآن في التصوير الفوتوغرافي و التعامل الحرفي مع الصورة لذلك فهن معتمدات مع وكالات أنباء عالمية كصحفيات مصورات يلتقطن صورا مختلفة للحياة اليومية تعكس خصوصيتهن الثقافية و تعتمد هذه الصور للمتابعات الصحفية و أيضا للتوثيق و تحسيس العالم بالأخطار التي تهدد هذه المجموعة العرقية التي تعرضت و لا تزال إلى إبادات ممنهجة قلّصت كثيرا من أعدادهم.

     في المقهى الأنيق لقائي بالفتيات الإيزيديات متواصلا كنت أجالس مأساة حقيقية و لم أستطع أن ألمس كوب الليمون المثلّج، شعرت بضآلة العالم و قبح الجهل لأنه لا مبرر لإفتكاك حق الآخر في الحياة و لا مبرر لسرقة أحلام الشعوب..

     الآن تحلم الفتيات الإيزيديات بإيصال أصواتهن عاليا للتنديد بالجريمة الوحشية التي تعرضن لها و لرفض الإبادات الممنهجة التي تتعرض لها الشريحة الايزيدية التي عرفت في تاريخها بالمسالمة و التسامح.

    انتهى اللقاء و لم ألمس كوب الليمون المثلّج.. كنت قد امتلأت بالشجن وأشعر بالعار من هذه الإهانة القاسية التي عاشتها النساء الإيزيديات أمام تواطؤ العالم قلتُ لهن من خلال ابتسامة حزينة إني  كامرأة تنتمي للإسلام دينا و ثقافة أعتذر عن كل الويلات التي عاشتها المرأة الايزيدية باسم الإسلام، لا أدري شعرت اني أحب أن أعتذر و كأني مسؤولة فعلا عن هذه الجريمة التي حدثت للشعب الايزيدي و فكرت كيف يمكنني أن أساعدهن ؟ كيف أتخلص من هذا الشعور الشديد بالذنب ؟

 و فكرت ربما سأقللّ منه ان كتبت عنهن .

 فهل يكفي أن اكتب عن الشعب الإيزيدي حتى أخفّف عنه معاناته خصوصا عندما أتذكر ان هناك من ينكر جريمة الدواعش في حقه و من يقول أن بيع النساء في الأسواق مجرد إشاعة.

 أن أكتب عن محنة الشعب الإيزيدي قد يبدو مهما لكن أظن انه لا يكفي..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*