الرئيسية | منبر الموجة | آثار مهدَّدة بالاندثار: تمثال عين الفوارة – الجزائر نموذجا | مولود بن زادي – لندن

آثار مهدَّدة بالاندثار: تمثال عين الفوارة – الجزائر نموذجا | مولود بن زادي – لندن

مولود بن زادي 

 

نافورة عين الفوارة من المعالم التاريخية الشهيرة في الجزائر. وهي عبارة عن صخرة تتدفق من حنفياتها مياه عذبة، يعلوها تمثال امرأة نصف عارية. يقع هذا المعلم في شارع الاستقلال في وسط مدينة سطيف عاصمة الهضاب العليا في شرق الجزائر، ويعود تشييده إلى حقبة الاستعمار الفرنسي حيث أنجزه النحاة الفرنسي دوسان ديفال في العاصمة الفرنسية باريس، ثم نُقل إلى مدينة سطيف في الضفة المقابلة للبحر المتوسط في شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 1898.

ما يلفت الانتباه أثناء زيارة هذه الفوارة هو الإقبال الجماهيري الغفير من كل الفئات والوظائف: من رجال ونساء، وفتيان وفتيات، ومن موظفين وعاطلين عن العمل، وطالبات وربات بيوت وغيرهم. وقد استطاع هذا المعلم، بفضل موقعه الاستراتيجي في وسط المدينة وسهولة بلوغه بوسائل النقل ونقص المرافق الترفيهية في هذه المدينة الكبيرة، أن يلفت كل الأنظار، فأضحى قبلة المحليين والسياح معاً، يتوافدون عليه من كل أنحاء الولاية وخارجها. تراهم منشغلين بالحديث واللعب والمرح وشرب الماء، أو منهمكين في ملء الدلاء والبراميل بالمياه الباردة لشربها في البيوت، أو التقاط الصور التذكارية في هذا المكان الشهير، حيث يغامر بعض المعجبين بتسلق الصخرة الملساء العالية والجلوس بالقرب من تمثال المرأة الغريبة والتقاط أفضل صور بجوارها. ولن تلمح في وجوه هؤلاء الزوار غير نظرات الإعجاب والإجلال والتقدير لهذه التحفة الفنية القابعة في قلب هذه المدينة منذ ما يناهز قرنا وربع.

بيد أنّ هذه الصورة لا تعكس مواقف كل الجماهير. فالكثير من الناس داخل هذه الولاية وخارجها ينظر إلى هذا التمثال نظرة تنم عن ارتياب واستياء وغيظ، مستنكرا بقاء هذا التمثال المثير للجدل بعد خروج الاحتلال الفرنسي. فأي فن هذا الذي يصوّر لهم جسد امرأة عارية تتوسط قلب مدينتهم المتدينة المحافظة على مرأى من أطفالهم ونسائهم؟ وأي فضل هذا يا ترى الذي يأتي من محتل فرنسي غاشم، بالأمس استغل خيراتهم، وحرق أراضيهم، ودمّر مساكنهم، وحبس رجالهم، واغتصب نساءهم، ويتّم أطفالهم؟ فهذا التمثال – مثلما بات يتردد – ليس بعمل فني ولا أثر تاريخي وإنما جسد مخل بالحياء، وصنم نصبته أيادي المستعمر لأجل إهانة شرف مجتمعهم، وانتهاك حرمة دينهم. وقد تأجّج سعير المشاعر المعادية لهذا التمثال إلى حد إصدار فتاوٍ على منوال فتوى إمام مسجد أبي ذر الغفاري بمدينة قسنطينة في شهر آب/أغسطس 2015، بتحريم شرب الماء من هذه النافورة بحجة أنّ الانحناء أمام “الصنم” أثناء الشرب شركٌ بالله وكفر مبين. واقترح بعضهم، من أمثال الشيخ شمس الدين بوروبي حلا وسطا لمشكلة التمثال تتمثّل في ستر مفاتن الجسد المصوَّر بفستان محلي.
وقد ظلّ بركان الغيظ والاستياء في غليان لأجيال لينفجر أخيراً بعد ما يناهز مائة سنة على بنائه، في شهر نيسان/أبريل 1997، بعملية تفجير بقنبلة يدوية ألحقت أضرارا بالغة بهذا المعلم. وقد تمكنت السلطات من ترميمه وإنقاذه من الاندثار.
وفي يوم 18 كانون الأول/ديسمبر 2017، أي بعد نحو عشرين سنة من ذلك الحدث، تعرّضت “عروس عين الفوارة” مرة أخرى للتخريب. فقد قام رجل ملتحٍ بتحطيم أجزاء من هذا التمثال بمطرقة وإزميل حديدي في وضح النهار وعلى مرأى من جماهير غفيرة تجمهرت لتتفرّج وتصوّر مشهداً دراميا غير معتاد يقوم “البطل” فيه بتحطيم أثر تاريخي عمره أكثر من مائة سنة! كان باستطاعة هؤلاء الاندفاع نحوه والسعي بكل الوسائل لإيقافه ومنعه من الاستمرار في ارتكاب جرمه وإحداث المزيد من الضرر، بيد أنهم لم يفعلوا كما لو أنّ الأمر لا يعني أحدا. والمحزن في الأمر أنّ المعتدي رجل واحد، لا يملك بين يديه غير مطرقة وإزميل، وهم جماعات، والجماعة تغلب الشجاعة كما يقال! قيل بعد ذلك إنّ بعضهم رماه بحجارة وعصي، دون أن يغيِّر ذلك شيئاً، كمن يلقي وردا وياسمينا على بطل! وهل هو “كائن فضائي” أو “إنسان آلي” خارق القوة على منوال ما تعرضه سينما هوليوود الخيالية حتى لا تؤثر فيه ضرباتهم؟! وهل كان أحدهم سيقف مكتوف اليدين إن تعرضت زوجته أو ابنته أو شقيقته لاعتداء من هذا الرجل؟! وها هي “فتاة عين الفوارة” التي عاشت بجوار هؤلاء الأهالي لأجيال تخرّ على الأرض أمام أنظارهم جريحةً متألمةً تصارع بين الحياة والموت. ومن حول غرفة الإنعاش، تدوّي في الأفق أهازيج خصومها مهللة، مكبِّرة، شامتة بها. وتتعالى أصوات متشددة، متفوقة على أصوات معتدلة، معبِّرة عن ابتهاجها بمصابها، داعية إلى محوها كلية من ساحة المدينة والوجود. ويمتد لهيب هذه المشاعر المعادية للتمثال من البيوت والشوارع إلى الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي. قالت إحدى الفتيات معلقة على منشور يندد بهذا العمل الإجرامي: “بالعكس، كان يجب أن نتخلص منها منذ زمن طويل، فهي لا تمثل شيئا من هويتنا وثقافتنا وفوق كل هذا، فهي عارية تماما ونحن مجتمع مسلم. ثم، ما جدوى هذا التمثال؟ وهل يوحي بشيء؟”
فردّت عليها أخرى مؤيدة: “الغريب في الأمر هو تأخر تحطيم هذا التمثال حتى اليوم!”

ليس من شك في أنَّ اعتداء يوم 18 كانون الأول/ديسمبر ذنب في حق التاريخ والتراث والحضارة والبشرية معا، وتهديد لمساعي مدّ جسور المحبة والتعاون بين الشعوب وتحقيق تقارب بين الحضارات ونشر التسامح الديني وإحلال السلام. وما لقيه الاعتداء من ترحيب ومباركة ومساندة من شرائح واسعة في المجتمع هو بلا ريب أخطر من الاعتداء نفسه. فقد أبرز ذلك شرخاً خطيراً في أوساط المجتمع وبين مثقفيه، وأوضح هيمنة المشاعر المعادية للتحف الأثرية والأمم التي صنعتها. وأبرز مدى قوة المسلمات العقائدية والأفكار الأصولية وضعف الاستدلال العقلي والمنطق في حياة هذه المجتمعات. وقد بلغ الأمر حدّ التذمّر من آثار تاريخية هي في الواقع همزة الوصل بين ماضيها وحاضرها، وعناصر تعبّر عن هويتها وقيمها. ولولا الآثار لما تعرّف العلماء على شعوب غابرة وحضارات مندثرة. وهو ما يقودنا بالتأكيد إلى التساؤل: هل تُفرّقُ مجتمعاتنا بين الآثار التي يزورها الإنسان لمعرفة الحضارات الماضية ومشاهدة الإبداعات البشرية عبر العصور، والأصنام والأوثان التي اتخذها الإنسان آلهة بالأمس البعيد؟ فقد جاء في تعريف الموسوعة الحرة: “الصنم أو الوثن هو تمثال أو رمز لإنسان أو جني أو ملاك، يصنعه الإنسان ليعبده ويتخذه إلهاً، ويتقرب إليه بالتذلل والخضوع”. وهو ما لا ينطبق مطلقاً على تمثال “عين الفوارة” وتماثيل أخرى كثيرة في الوطن العربي والعالم، والتي يزورها الإنسان بحثا عن المعرفة والمتعة وليس لأجل العبادة. وشتان بين المشاهدة والعبادة. ثم إنّ الإنسان الذي عبد الأصنام، عبدَ أيضا النار (الإيرانيون قبل الإسلام)، وعبد أيضا الشمس والكواكب وأشياء أخرى كثيرة ثابتة ومتحركة في الطبيعة في بقاع مختلفة من العالم. فلمَ لا يعتبرها هي أيضا شركً بالله ويسعى لتدميرها، أم أنّ الأمر يقتصر على عبادة الأصنام التي كانت آنذاك منتشرة في شبه الجزيرة العربية وكان لابد من تطهيرها منها؟ وأين مبدأ “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى” في كل ذلك؟ فإلى أي حد يا ترى استشرى وباء التفكير الأحادي القائم على أسس المسلمات والتعصب على حساب المنهج العلمي والتفكير المنطقي، والإنسان يستخدم قدراته العقلية منذ أكثر من 40 ألف سنة مثلما أثبتت الاكتشافات الأثرية التي نسعى اليوم لمحوها باسم الدين والأدب؟ وأنى السبيل إلى زرع بذور ثقافة تقدير المعالم التاريخية والفنون بغض النظر عن شكلها أو صانعها؟ وأنى السبيل إلى غرس ثقافة التعايش مع الآخر واحترام تفكيره وتقبّل إبداعه، وإن كان مختلفا؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*