الرئيسية | حوار | محمد اشويكة: التجريب جوهر الكتابة و الإبداع استثمار مستديم للفشل

محمد اشويكة: التجريب جوهر الكتابة و الإبداع استثمار مستديم للفشل

حاوره عبد الواحد مفتاح

 

هو قاص وناقد أدبي وسينمائي وإعلامي.. بجملة الأمر هو كاتب متعدد وإشكالي، لن يسع المقام لبسط سيرته الأدبية، نظرا لغزارة ما أفرده منجزه الكتابي للمكتبة المغربية والعربية من أعمال أدبية التميز سمتها والتخصص أسلوبها.

محمد اشويكة وإن كان غلب في مشواره القاص فيه، إلا أنه يبقى أحد أهم النقاد في الساحة السينمائية المغربية، نظرا لما راكمه، ولامتلاكه ميكانيزمات نقدية، وعدة أكاديمية أهلت طروحاته النظرية، وقراءاته المنهجية، لتكون محط اهتمام ومداولة واسعة من طرف السينمائيين المغاربة ومتتبعي الشأن الثقافي.

هنا يعرج معنا صاحب ” خرافات تكاد تكون معاصرة” و” الصورة السينمائية :التقنية والقراءة” على مجموعة من المحطات في مشواره الكتابي، ويقربنا أكثر من طقوسه وبعض أرائه ومواقفه، بخصوص السينما المغربية وقضاياها. وقبله يتوقف معنا في محطة أساسية وحميمة تتعلق بسؤال البدايات ..ذلك السؤال المشاغب دائما داخل تقاليد الحوارات الأدبية.

 

– كبداية لهذا الحوار، ما فاتحة النص الذي ورطك في عالم الكتابة؟ خبرنا قليلا عن البدايات؟

– لم تكن الفاتحة، ومثلها البدايات، عادية، ولا سهلة أو مستساغة، فكيف تكبرُ وحيدا بين أُمٍّ وأَبٍ لا يجيدان القراءة والكتابة، وتفتح عيناك في وسط فقهي محافظ بامتياز، وضمن عائلة ممتدة، وتُرَاجِعُ علنا كل ما تلقيته مع الحفاظ على جدوى العلاقات الإنسانية بينهم؟! إذ كثيرا ما يتسبب نقد الأفكار المُؤَسِّسَة للأساطير العائلية وإيديولوجياتها المتغلغلة في المجتمع والمدرسة والدولة في نبذ الفرد وقهره واتهامه بكافة الانزياحات السلبية المُحَطِّمَة لأفكاره، وهي نفس التصورات التي تتحكم في رسم صورة المثقف والكاتب في مجتمعاتنا.

غالبا ما يتحدث بعض الكتاب عن ضياع نصوصهم الأولى أو اختفائها في ظروف غامضة فيرسمون بذلك جزءا من أسطورتهم الشخصية، وهذا ما لم يحدث في حالتي، فقد كتبت خربشاتي الأولى على اللوح الخشبي في المسيد، والتي كان يطالها المحو دائما؛ إذ كانت تغمرني رغبة عارمة في محاكاة الآيات والسور، وبعدها اكتشفت الدفتر والكتاب والرسوم الملونة فتضاعف الشغف.. وهكذا، ضَمَّنْتُ محاولاتي الأولى التي لم تكن مكتملة ضمن سياقات متعددة داخل قصصي ونصوصي مما جعلها تحيا بشكل آخر، وقد تعلمت من ذلك أن النص حينما ينجز لا يضيع، فالخطير ألا نكتب، وأن تهجرنا الرغبة، وتضعف الهمة والعزيمة النابعة من نسغ الحياة أولا وأخيرا، فأن تكتب، معناه أن تتعلم كيف تحيا ببساطة!

لديك رغبة عارمة في الكتابة، ما يوضحه غزارة إنتاجك؟ ماذا عن طقوسك الكتابية؟

– أحب أن أكتب وألا أرفع جفني للنظر إلى ما ومن حولي إلى أن أنهي العمل، تماما، كما ترقص تحية كاريوكا. وربما، في ذلك، بعض من الطقوس التي لا تعني سوى الرهان على تجاوز الذات عن طريق العمل المتواصل، وتحقيقِ تراكمٍ يسند بعضه البعض.. فأن تكتب بالغزارة التي تحدثت عنها في مجتمع تطغى عليه الأمية، وندرة المكتوب، ويصارع المثقف فيه قوى تقتات من الغيب، وتنشر اليقينيات، أمور في غاية التعقد، وليست بالهينة لأن مُجَرَّدَ ظُهُورٍ في التلفزيون، مثلا، وهو عمل كباقي الأعمال الأخرى التي يمكن للمثقف أن ينشر فيها فكره ومبادئه لأن الاكتفاء بواجهة واحدة غير كاف، من شأنه أن يعصف بكل الغزارة، ويحيلها إلى مجرد صور ملونة لا غير! ومجرد فتوى طائشة من شخص غير مسؤول يمكن أن تؤثر في أناس تلقوا لسنوات طوال جملةً من المعارف التي تحميهم من التلاعب بعقولهم، وتكسبهم حسا نقديا يقودهم عن الفحص والتحرر.. لذلك، فضرورة تكثيف الواجهات، وعقلنة العمل، من شأنها أن تتحول إلى التزام يجعل الكتابة فعلا يوميا ضد أشكال القبح والابتذال والمسوخ التي تولدها بشكل كبير حضارتنا الراهنة!

– السينمائي والقاص والناقد والسيناريست والمنشغل أيضا بالهم السوسيولوجي إضافة إلى الإعلامي، أتكلم هنا عن مبدع متعدد، أين يجد محمد اشويكة نفسه أكثر؟

– أعتقد، وقد تعزز الممارسة ذلك، أن التخصص بالمعنى الضيق مجرد ضرب من التفرغ والتركيز لإتقان ما يتخصص فيه الباحث أو المبدع أو العَالِم، فلا يعني أن عَالِمَ البيولوجيا لا ينفتح على العلوم الأخرى، وألا يكون فنانا، بل يقتات من كل شيء ليغذي ما يشتغل عليه، فمن أهم البحوث والمنجزات اللافتة للانتباه تلك التي تقدم اجتهادات على مستوى الانفتاح لتكثيف وملاءمة ما يصبو العَالِم أو الأديب أو الفنان الوصل إليه.

وبهذا المعنى، أجدني منفتحا، من باب الخصاص، على ما يمكن أن يعزز بعضه البعض لخلق عَالَمٍ منسجم المكونات داخل الكتابة التي تكون بمثابة البوتقة الجامعة لما أريد أن أكتبه، فأن تبدع نصا قصصيا، لا يعني الاشتغال على القصة من داخل القصة فحسب، وإنما أن تستعين بالصورة والعلوم الحقة والإنسانية، وكل ما استطعت لفهم واستيعابه وتحويله سبيلا. فقيمة النص من قيمة الكتابة المنفتحة والمتعددة، وفقره من انحسار الاطلاع، والتقوقع المرتكن لطمأنينة التخصص.. فقد لا نرى أثر الغزارة، ولا نحس قيمتها في البيداء! أعتقد أن الكتابة مقاومة مضاعفة لكافة أشكال التصحر التي نحياها.

– أنت كاتب دائم الإقامة على حدود الخطر، والسير على الحافة، حيث لم تخرج بعد عن مشغل التجريب، كتاب كثر يتجنبون ذلك، فيما تصر على الانطلاق من خارج المتوقع، والمتواضع عليه، أنت قاص غير مهادن بهذا المعطى، ألا ترهبك منزلقات المغامرة ووعثاء الطريق؟

– جوهر الكتابة تجريب لأنه يفسح المجال للبحث، وتجديد الأساليب التي سرعان ما تخنق أنفاس الكاتب وتحيله إلى مجرد ماركة. فإذا كنت مُتَيَقِّنًا مما حولي فلن أكتب أبدا لأن الإبداع ابتكار وإتقان وإنشاء وإحداث وليس احتذاء أو امتثالا أو اتباعا، فقد يفشل المبدع لكن استثمار الفشل يُسْهِمُ في تطوير التجربة، فالمبدع مستثمر كبير في الفشل، ولا ينتظر إلا الشروط المُنْضِجَة للخيبة كي يخلق الجمال، ويبسط الفرح.

لا تخيفني الإطلالة على العَالَم من الحافة، ولست مصابا بفوبيا السقوط لأنني لم أبدأ – قَطُّ – من وضعية الوقوف كما أن الطرق نحو الحافَات يبدأ من الإحاطة بالنواحي واستكشاف الجوانب قبل الوصول إلى العمق الذي قد يمكن أن يحضن الدُرَر أو الفراغ الذي لا يخرج منه الهابط إلى الحافة إلا بتجربة الهبوط والنزول بكل أهوالها.. وتماشيا مع هذا الفَهْم أرى القاص، اليوم، سَبَّاقًا لاستجلاء الهوة التي تسير البشرية نحوها: العنف، الميز، التشدد، التشرد، الفقر، المرض، الاستبداد، الإحباط، الاستغلال وما إلى ذلك من أشكال الإيديولوجيات والرفاهيات الصورية التي تُعَلِّبُ كل المآسي.. وما الكتابة بهذا المعنى إلا تحرير للخيال من مضايق اللغة والأسلوب وكافة أشكال التنميط الأخرى.

– لماذا هذا الإخلاص الحديدي للقصة القصيرة؟ ارتباطك بهذا الجنس الأدبي وحشي الجمال، يبدو لصيقا وحميما، كتابة وتنظيرا ونقدا، ماذا تعني القصة القصيرة لمحمد اشويكة، ولماذا هذه المراوحة في الأساليب والبنيات؟ أحار في تصنيفك يا صديقي، اللهم إن وضعت تيار خاص اسمه محمد اشويكة، أين تصنف نفسك كقاص؟

– ترتبط القصة القصيرة بروح العَالَم المعاصر، وهي مجالي الحيوي لنقد القضايا الراهنة، ووسيلتي التعبيرية لتجريب ودمج أشكال متعددة من أنواع الفنون والخطاب. لا أعتقد أن الإبداع سَيْرٌ على نهج ما راكمته نظريات الأنواع والأجناس الأدبية والفنية من منجزات هامة ومفيدة، ولكنني أفهمه كبحث متواصل على إيجاد طرائق تعبيرية مبتكرة تستطيع تجديد العدة النظرية ذاتها، بالرغم من أن “الإخلاص” مصطلح مَرْفُودٌ بشحنات إيمانية وروحانية تزيح الأدب والفن من عليائهما الدهراني، ولذلك فالقصة تلائم الاختناقات الوجودية التي نكابدها باعتبارها فنا يمكن استنشاقه كجرعة مُسْعِفَة بين اختناقة وأخرى.

– الاشتغال بأدوات السينما ولغتها، رؤية أخرى للعالم وهو ما تستثمره بأناقة داخل قصصك، إلا أن الهوس بالسينما يأخذك في أحايين عديدة بعيدا عن الأشكال التعبيرية الكتابية المعتادة، ماذا عن قصة محمد اشويكة مع السينما؟

– السينما كما القصة، في اعتقادي الشخصي، وسيلتان متقاطعتان لبحث كل فنان عن قصته الشخصية التي لم يعثر عن مثيل لها في شتى أنواع الكتب والمنجزات الفنية التي قرأها أو رآها.. وبتعاطيه لكلا الفنين، يظل ساعيا لتقاسم حكيها والتعبير عنها للآخرين، فالمغزى من الكتابة كمعنى الحياة: لا يستقيمان خارج التناقض الخلاق…

لا يمكن العيش اليوم خارج كبسولة الصورة لأنها المُرَوِّجُ الأول للمعلومة، والوسيلة الأكثر استعمالا من حيث الاتصال والتواصل بفضل التبسيط التجاري لتكنولوجيتها، فقد بات من الاستحالة بالنسبة للغالبية العظمى من الناس الاستغناء عنها في حياتهم اليومية.. إلا أن المزاوجة بين المشاهدة المقننة والكتابة (القراءة) كأفعال واعية هي المطلوبة اليوم، هو ما يساعدني على ممارسة نوع من استبطان الذات والآخر، ومحاولة كشف واستكشاف العَالَم ونقده، فالتعاطي السلبي للصورة مجرد استهلاك لا يختلف عن أشكال الاستهلاك الأخرى المتفشية بالرغم من مراكمةِ ثقافةٍ سينمائيةٍ معينةٍ؛ فقد نصادف جملة من الأشخاص العارفين بالأفلام، والقادرين على الحديث عنها، ولكن مجهودهم يظل في نطاق الاستهلاك ما داموا عاجزين عن التفاعل معها عبر الكتابة، وإنتاج نقد مكتوب يخرجهم من طور الانبهار لأن النقد خارج الكتابة يظل انبهارا ولا قيمة له حينما يتجاوز لحظته.

لا أكتب قصة مفصولة عما هو بصري، ولا أكتب نصا منفصلا عما هو قصصي.. وتلك قصةُ شغفٍ يصعب علي الفصل فيها بين الجزء الواعي واللاواعي.

– أنت من النقاد القلائل الذين لا يُسْقِطُون منهجيات التحليل الأدبي على المتن السينمائي، تعمل على الشريط الفيلمي بمكنزمات تقنية ونقدية متأتية بأكملها من آليات تفكيك الصورة ومكوناتها، ألا ترى أن انتقال بعض النقاد من العمل على الشعر والرواية إلى السينما، قد أصاب النقد السينمائي المغربي بالوهن والضعف؟

– يمكن لكل المتذوقين للسينما أن يكتبوا عنها، إلا أنه من الصعوبة أن ينتمي كل نص إلى النقد السينمائي وفقا لما دشنته النصوص المؤسسة في هذا الباب. فالنقد السينمائي عمل ملتبس ومعقد بالنظر إلى عديد العلوم والتقنيات والمعارف والفنون التي تدخل في بلورة المنتوج الفيلمي، ولذلك يصعب على من لا يعرف التقنيات، ولم يخبر بلاطوهات التصوير، ويجهل المراحل التي يتدرج عبرها الفيلم، وليس له إلمام باللغة السينمائية، وله حد أدنى من القدرة على إنتاج وقراءة كافة الوثائق التي تدخل في نطاق السينما أن يكتب في مجال النقد السينمائي.. إذ ليس من العيب أن نرحل المناهج والمصطلحات من حقل إلى آخر شريطة عدم الإخلال بشروط النقل، وتحقيق الملاءمة المطلوبة لفهم العمل السينمائي وإبراز خصوصياته البصرية وكشف تقاطعاته مع الحقول الأخرى، ولذلك تظل الكتابة عن السينما من خارج السينما غير ذات قيمة مهما بلغت درجة صاحبها، ولنا في المغرب الكثير من الأمثلة الكاشفة عن أولئك الذين يكفي أن نعوض اسم الفيلم الذين كتبوا عنه بعنوان معين لرواية أو أي منتوج إبداعي آخر ليصدق ما أشرت إليه في سؤالك كما أن النقد السينمائي كاشف لكل من يتعاطاه دون معرفة وتكوين مسبقين.

– أصدرت مجموعة من الكتب في مجال النقد السينمائي، من أهمها “الصورة السينمائية: التقنية والقراءة”، “السينما المغربية: أطروحات وتجارب”، “السينما المغربية: رهانات الحداثة ووعي الذات”، “السينما المغربية: تحرير الذاكرة.. تحرير العين”.. كيف ترى واقع النقد السينمائي اليوم بالمغرب؟ هل يقدم مواكبة صحية للأعمال المطروحة على المشاهد؟ وهل يلعب الدور المنوط به فعلا؟

– لم يصل النقد إلى طموحات النقاد المغاربة المنضوين داخل جمعية النقاد أو المشتغلين خارجها لأنهم ليسوا محترفين بالمعنى الذي يجعلهم قادرين على التفرغ النهائي لممارسة النقد، فهم في الأصل عشاق يمارسونه أسوة بعدد كبير من المهنيين في جل القطاعات الإبداعية الأخرى بالمغرب سواء كانت في حقل السينما أم في غيرها، وهو أمر مختلف عن المهن التقنية وكذا التوزيع والاستغلال باعتبارها قطاعات تختلف عما أتحدث عنه في هذا السياق. ولكن جملة من المنجزات النقدية المغربية قد جعلت النقاد معادلة مهمة في المشهد السينمائي المغربي على مستويات الرصد والمتابعة والتقييم والتنظيم والفرز والتكوين.. وثلة منهم، اليوم، تتبوأ كتاباتها المشهد النقدي العربي والإفريقي، ولعل إطلالة قصيرة على عدد المنشورات ليفسح المجال لإجراء تقويم موضوعي إيجابي لحصيلة النقد السينمائي بالرغم من التعامل معه من لدن الجهات الوصية بمنطق العصا والجزرة ومحاولة إقصاء كل صوت مستقل.. وحاله من حال أهله، ولا يمكن أن نفهمه خارج السياقات الثقافية والسياسية والاجتماعية والمهنية التي ينتج عنها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.