الرئيسية | سرديات | هلوسة بوغطاط | عبد الجليل ولدحموية

هلوسة بوغطاط | عبد الجليل ولدحموية

عبد الجليل ولدحموية

أعود أو لا أعود؟ هو السؤال الذي جنن جفن عيني الثقيل. يحاول ضم أخيه، أمنعه بكل ما أوتيتُ من صحوة تبخرت بحرارة التعب، أقاوم قحولة شفاهي لأنطق وسط الجمهور: أنا أغرق، أنا لا أتنفس وسط الكلل. لم أفلح في نطق حرف واحد، الألف تبدو كعصا غليظة تهوي على رأسي، نم أيها المنهك، والباء سرير يسلبني من الواقع، هيت لك، والتاء مقطع طولي من وجه، عينان تغمزان بشبق، و التاء المربوطة فتاة أوزبكية محجبة، تتخيلني حفيد الأنبياء وتحاول خنقي في حضنها…والحروف الأخرى تنشد: نم يا حبيبي ما فاز إلا النوام.

أرفع رأسي العاجة بالأفكار نحو السماء، تتسرب الكلمات قبل النظرات: سوسيو، صحة، تطبيقات، تنمية، الإحصاء، مقدمة ابن خلدون، مؤخرة هيفاء وهبي، نهاية التاريخ، اضمحلال الحضارات، أثداء السيلكون، ساند نودز، …والجنون يدفعني إلى الغوص عميقا في عالم الحلم، والمصطلحات تشنقني في ركن واقع قاتم، أريد قيد أنملة حياة، أو شبه حياة، أريد أن أحيا لا أن أحاول. أريد أن أعب من رضابها حتى الثمالة لا أن أكتفي بالنظر إليها تراود الآخرين.

تعبتُ من النوم مع أنني لا أنام إلا نادرا، يرعبني الحلم، أحلامي أكثر رعبا من الواقع. يسمى الحلم الأسود كابوسا في قاموس الحالمين بالحياة الجميلة والمستقبل المزدهر، لكن أحلامي سوداء، ماذا أسميها؟ كوابيسا لجبر خاطر القواميس أم أحلاما لأتصالح مع نفسي؟

هاهو الوجود موجود بكل موجوداته، رسامه يدمج الألوان وينثرها بتأن، أضواءٌ خافتة على الطريق، رجال ببدلة رمادية، بقر أنهى حصة الكلأ، كلب مجراب ينام على القارعة، سرب طيور يقاوم خيوط الليل المسدولة من الفضاء، والتساؤل يفرض نفسه كبيت شعر وسط قبلة، من رسم اللوحة الجميلة؟ هي الصدفة، يقول الكافر. هو الخالق، يقول المؤمن. هو زوجي تقول الأنثى التي فقدت انسانيتها. هو المال يقول الموظف زميلي، هو الخمر يقول الفيلسوف، هو الرحالي يقول صديقي المبلي ب”التنفيحة”. هو التعب أقول أنا وأعوذ بالهلوسة من تضخم الأنا. السماء كجدة مريضة لا تشارك فرح اللوحة، تولول صباح مساء، تختفي وراء  وشاح غامق، وتبتسم ألما بفم فارغ الأسنان. أيتها السماء البئيسة يا عشيقة السحاب، لا عليك فالطيور المهاجرة تؤنس سنوات شيخوختك، هل أنت أنثى كما يبدو؟ أم ذكر كما ادعى درويش…؟ أم مجرد مراهقة بكاءة كما أضمر أنا ؟ أم سقف بيت للمشردين كما نحاول تجاهل ذلك.

“روح نجيبو مية دورو و نمشيو لدوك خيرات مولانا” ما الذي وضع جملة عبثية وسط هذا العالم الهذياني التكوين؟ لعنة الحب على الهلاوس، مثل كرسي اعتراف مجاني تبيعني بلا مقابل،  سأشكوها والنوم لمن…؟

هذا الولد يا أمي، يا تاريخ المغرب المغيب، يا ثقافة شعبية تفوح بالحناء والقرنفل، يا محيطا ذبُل على وجه جبل، يا ربا أرى فيه عظمة الخالق الأعظم. هذا الولد يا أمي ذهب ولن يعود.

هذا الولد يا والدي، يا جلمودا يمشي بشارب، يا أطلس المغرب يحمل أثقال العالم ببسالة، يا أنا عظيمة. هذا الولد تلاشى في الفراغ، انتشله من براثن الضياع كما كنت تفعل، وأعد البسمة لشفاه ذبلت حزنا.

هذ الولد يا حبيبتي، يا هدية السماء، يا سماوية القبل، يا فردوسية المقل، يا كل الأرقام بين نهاية وما لا نهاية من العشق، ذهب ولن يعود، أخذته الغيبوبة، مضطر الخيانة، كناقوس في دير مهجور، وقافية في شعر مهدور، كجملة في قصة، واهتزاز في رقصة، أتشظى ولن أعود…

دخلت في عالم آخر كالهنا، بهتت الألوان، الرموز في كل مكان، تتشكل الصور من نصف صور أخرى، تهت في عالم موازي، وما هي إلا دقائق قليلة (ساعات في الهناك) حتى اختفى الجميع بما فيهم صورتي المثالية، فاستيقظت منهكا…

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*