الرئيسية | سرديات | ميت مع وقف التنفيذ | عبد الجليل ولد حموية

ميت مع وقف التنفيذ | عبد الجليل ولد حموية

عبد الجليل ولد حموية

 

الجو بارد، أصابع قدمي تتجمد،  لون الباب الحديدي الناصع يخنقني، يشبه عنقك في الشتاء، أحاول رغم ذلك أن أهرب من ظلك كما يهرب الكلب من ذنبه، فأفعلُ أشياء بلا معنى والليل أحكم قبضته على الوجود، الأشياء تتداعى من حولي كأنها تدفعني بتسلط نحو ذكراك، أراوغها، أمسكُ فنجان قهوة نسيت تاريخ انتهاء صلاحيته، كل ما أذكرهُ أن احداهن اعتذرت عن شربه، أتصفح كتابا سوسيولوجيا مملا، أتلو قصائد شعر كتبت في الحرب تمجد عشق الدماء، أنهي فيلما أجنبيا كنت قد بدأته، يحكي قصة شاب دمرته فكرة أصغر مما فوق البعوضة، بعض الآيات من كتاب مقدس أجهل كاتبه، قبل أن أصل الجحيم يحضر طيفك، أحاول الابتعاد بذهني فلا أقوى على التحرك مسافة تنهيدة، كأني أعدو في حلم مزعج،  يطاردني ظلك كقاتل متسلسل بسرعة الضوء وأنا كالجعران المنبطح على ظهره، صفحة صفحة كجرذ القذافي، بيتا بيتا كقاتل المتنبي، بين قُبل الفيلم مثل مقص الرقابة، وبين الترانيم الملوثة بالعشق كراهب مخضرم، يقذفني بسهام الكوابيس، أستنزف مخزون الجري ولا تُستنزف جبته. أصل إليك فارا منك، ألهتُ وأصرخ: أسألك بكل اسمائك أن تعلميني درسا أخيرا، كيف أموت، كيف اخنقني بك، أما الخلاص؟ كلما نويتهُ وجدتني أغوص فيك أكثر، لا أمل منك إلا فيك…

خرجتُ من بين المكعبات أتحسس السماء، ربما يكون الصبح قد نضج قبل أن ينضج النوم في عيني، مللت الانتظار، لا أنتِ جئتِ ولا أنا ذهبت. ولعتُ النار في رسالة قديمة كتبتها لك، لم تكن لدي الجرأة لأضعها في صندوق البريد، بقيت كلماتها في ذهني  مسجونة مثل الوصايا المقدسة بين شفاه راهبة عشرينية، أتعبني حملها، لمحتُ وسط اللهيب اسمك يحترق ببطء، قبل أن تتم النار الذكرى، احترقتُ قبل مشاهدة النهاية، شكرتُ النار المتقدة داخلي، ربما تكون القصة بنهاية مقطوعة كشريط مغربي كلاسيكي.

حملتُ أتعابي العاطفية عائدا إلى المعبد، مكسور الوجدان، خائر القوى، تتقاذفني الآهات كأم فقدت رضيعها، اتساءل بين الخطوات: أهو الحب قاس حتى الاحتراق؟ أم أنها عقوبة السماء على محاولتي الابتسام للقدر يوما ما؟ الجواب واضح كوضوح الحب في عين المتيم، هو القدر إذن، يعذبك على محاولتك افساد حفلاته السادية.

تمنيت لو لم أخرج من البيت ذاك اليوم، لو كان يوما ممطرا، أو كانت رياحا عاصفية، زلازل بترددات تشل ريشتر، براكين بصهارة ميتافيزيقية، جراد بألسنة الثنانين، طاعون أكبر من طاعون كامو، أو قيامة حتى، وتجنبتُ دخول حرب طاحنة بوردة ذابلة، لا الرصاص شاهدها وتوقف، ولا هي كانت شاهدا على قبر دفن فيه قلب فارغ. كنتِ وكنتُ، وبعد لحظات صرنا، لا أحد منا اعتقد أننا، لا الجمهور ولا الممثلون على خشبة مسرح الحياة، كُتب السيناريو بنظراتنا، نقش الحوار بالقُبل، تسارعت الأحداث وجرى المداد على الورق، وتشكلت التراجيديا بالفراق، فكان الفناء. لم يحدث شيء مريع بعدها، فقط شذرات منثورة في أركان ذاتٍ قضت نحبها: الموسيقى الهادئة، روايات الحب، سجائر خفيفة كما كنت تحبينها، مئات المقالات العلمية عن الاكتئاب، وفقدان النوم والرغبة إلى الأبد…

الحب، هو أكثر الفجائع جمالا، يقول أحدهم في ثلاجة الموتى ينتظر دوره ليموت رسميا، يمسك بين يديه مذكرة يخُط فيها كلمات تشبه الشعر، من الميت فلان إلى الحية فلانة، أما بعد…أختلس النظر وأعود إلى الفراش مسرعا، قبل أن تستيقظ الذكريات كلها، وتفقد المكعبات حرارتها الباردة، تأخر الوقت، وقد استهلكت اليوم حتى آخر سمر، ولم يبق وقت كثير للغد، ربما أحصل على رخصة الدفن غدا لو كنت محظوظا…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*