الرئيسية | سرديات | مناضل ولكن | عبد الجليل ولد حموية
bmd

مناضل ولكن | عبد الجليل ولد حموية

عبد الجليل ولد حموية

 

نفض آثار النوم من على وجهه، ملأ رئتيه بنسيم الصباح، تلقف خبزا يابسا وشايا أسودا، صفف شعره المجعد بقليل من الماء والصابون (صابون الحجرة)، فتح صندوقا خشبيا يتخذه صندوق توفير يكتنز فيه حبات عرق حولت نقودا، وضع ورقة في جيبه نظمت فيها بعض الأشعار الحماسية والجمل الرنانة.

ارتدى معطفه الأسود الشاحب، حذاءه الرياضي الذي حولته الأوساخ والأيام إلى  شبه قبقاب خشبي مشوه، سروال دجينز يبدو كَكيس سكر(خنشة شْمرتل). استوقفته أمه عند الباب، استعطفته أن يترك لها نقودا تعيد بها شحن مؤونة المطبخ، رفض طلبها، تركها معلقة بين حيرة وعَينان مغرورقتان بِدموع الحيرة والأسف. تحسس النقود في جيبه وهمس لنفسه: “لدي موعد مع التاريخ”.

في الطريق إلى المحطة، متسولون، مشردون، فقراء مَنثورون على الهوامش، احياء موتى، شمكارة، ماسحي الأحذية، فراشات تُدمرن حياتهن باللهث وراء دراهم معدودة، بائعي المناديل الورقية (كلينيكس)، أيدي تخرج من كل فراغ تترجاه درهما فقط، يتفاداها بكل حنكة، يتصنع العمى والصمم، يحافظ على المبلغ في جيبه حتى يتمكن من بلوغ هدف استيقظ من أجله باكرا.

في المحطة حصل على تذكرة حافلة متجهة نحو مدينة الرباط، قبل وضع مؤخرته فوق الكرسي، خرجت أيادي أخرى تحاول الحصول على درهم، أشخاص تقطعت بهم السبل، نساء في عمر أمه تحترقن، تحاولن التجرد من كرامتهن، شيخ عايش كل أنواع البؤس والفقر والضياع على مر عقود، مريض يبحث عن ثمن دواء أو كسرة خبز يجبر بها الضرر،  منبوذ يتحاشاه الجميع ينقب بين الوجوه عن من يكرم مثواه بسيجارة تدفئ صدرا تجمد بصقيع الليل. أخد صديقنا سيجارة من علبته، دخنها على عجل، أمام أنظار اللوحة التشكيلية البئيسة، لابد أن يحتفظ بِسجائره لنفسه، اليوم طويل.

محطة القامرة بالرباط، تكرر المشهد مرة أخرى، راوغ الجميع كجناح طائر في فريق كرة قدم عالمي،( “الله يسهل، الله يجيب، الله يعفو، الصباح هذا، صباطي مسيري، مخصنيش كلينيكس…” جمل كررها كالدعاء في الصلاة ليوفر النقود. على مقربة من ساحة البرلمان، أرسل مبلغا مهماً عبر المصرف تضامنا مع القضية، اقتنى كوفية فلسطينية بثلاثين درهما، وعلما متوسطا بعشرة دراهم، وبعض اللوازم النضالية الأخرى…

دخل وسط الجمهور وكله ايمان بعمله الإنساني العظيم، فَلا والدته ولا الأيادي المتشردة ولا المُقتاتين على الفتات، ولا الزبلبوليون، ولا مرتادي حاويات القمامة، وكل تلك الوجوه البائسة  التي تكرر مرورها أمام عينيه أقنعوه بعدالة قضيتهم وإنسانيتها، صوت داخلي يتحاشى صداه يؤنبه، ينهره، يأمره بإعادة ترتيب القضايا، لكنه وجد نفسه في خضم الحشود، فأطلق العنان لصوته المبحوح مُرددا الشعارات القومية:

“خيبر خيبر يا يهود جيش العرب سيعود…”

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*