الرئيسية | أدب وفن | الفن | مشروع الحرقة من الدلالة التحسيسية الى البهجة التشكيلية | د.هالة الهذيلي بن حمودة – تونس

مشروع الحرقة من الدلالة التحسيسية الى البهجة التشكيلية | د.هالة الهذيلي بن حمودة – تونس

د.هالة الهذيلي بن حمودة

 

يحتضن فضاء برح القلال بمدينة صفاقس هذه الأيام اشغال مشروع فني تشكيلي لمشروع الحرقة في نسختها السادسة، بمشاركة ثلة من الفنانين من تونس وخارجها لتتجدد إمكانات البحث في هذه الثيمة التعبيرية وتتنوع أساليب الطرح والمعالجة. لقد تم تبويب إمكانات التعايش التعبيري في هذه النسخة المتميزة ليرسم كل فرد من” جماعة اهل البرج” طريقا مختلفا عن الاخر ليقدم رؤيته الخاصة بالحرقة.  يتعايش المجتمع التونسي مع ظاهرة   الحرقة بأساليب مختلفة، لتترسخ فكرة الانطلاق نحو الجنة هي الحل الأسمى للعيش في رغد وسخاء، وقد تجرعت عدة عائلات من حرقة الفقد والموت في رحاب البحر الواسع الشاسع الفاصل بين الضفتين، فكيف امتلك الفنان التشكيلي اساسيات التعبير عن هذه الظاهرة وادراجها كمنجز بصري تحسيسي غارق في التعبيرية المختزلة؟

تشتغل كل من الفنانة التونسية ياسمين الحضري وتهاني الهنتاتي على جدلية الحضور بالغياب في منجزهما التشكيلي في هذه النسخة السادسة من مشروع الحرقة، وانتبهت ياسمين الحضري في عملها التنصيبي الى أهمية ودلالة الحذاء والخيط المعلق باعتبارها اداة تعبير لتقديمها بشكل رمزي فيه من الترجمة الإيحائية نصيب وافر لكي تندفع التجربة التمثيلية من قصيدة شعرية رتبت كلماتها ورصفت سجعها بإمكانات تصويرية متعددة، تعدد الطرق الملتوية للحرقة ورهاناتها.

 ما يدوم في الواد كان حجرو…. وما يبقى من الحرّاق كان صباطو
خانتو الدنيا وصارت عندو خنقة
قام يربط في خيوط للحرقة
وينبّر في الحلق حلقة حلقة
فماشي ما يقوم الزهر…ويولي سي فلان موش خرقة

لقد عملت الفنانة في هذه المرحلة على تخصيب المجال البصري بتشابك الخيط باعتباره مادة أولية أساسية في التنصيبة والذي لم يتخلف عن الحضور في عمل الفنانة تهاني الهنتاتي في تنصيبتها العائمة. اشتغلت تهاني على العلاقة البتائية بين الدمى والخيط ضمن تناسج شبكي متداخل في هيكلة مكعب كبير الحجم. ومن خلال تحسيسها لخطورة عملية الحرقة والتعسف الواضح على مستقبل الطفولة واقحامهم في رحلة الموت سعت الفنانة الى توطيد ربط وتعميق العقد الموكول بين الحراق والحارق ، خارج اطر الشرعية، لتترجم ذلك  عبر شبكة من الضوء المتولد من تفاعل بين الضوء الأسود والخيوط البيضاء ، لتؤثث الاضاءة  العمل التشكيلي وتساهم في ادخال البهجة في ربوع ابصار ميناء مدينة صفاقس وضواحيها.

لقد تعددت طرق المعالجة لمشروع الحرقة في هذه الدورة القبل أخيرة، لتشتغل الفنانة السورية الأصل والمقيمة بفرنسا سمر رحمة والفنان السينغالي شالي سلاي والفنان التونسي غازي زليلة على ثنائيات جمالية متفرقة لمعالجة الحرقة وإخصابها لونيا وتعبيريا. قدم السنيغالي في هذا الغرض تنصيبة فيها نوع من محاكات وضعية السفر ليمثل بشخصيته المقدمة وهي تجر حقيبة السفر وتمسك بمظلة شمسية وقع تعديلها بإحداث ثقب متعددة، فيرمز بدوره الى دلالة الحماية التي يحتاجها الشاب الحارق والباحث عنها عبر طريق الموت، طريق البحر.

 وضمن هذا السياق اللوني المتعدد في تنشيط الذاكرة البصرية للمشاهد انطلق غازي زليلة في مشروعه حوت يأكل حوت الى تأثيث مجسمه الصرحي بقطع خزفية مصغرة ذات اشكال متعددة والوان متدرجة لكي يبحر في عوالم من الجزء والكل ومناشدا فرجة بصرية ملونة في رحاب التنصيبات العائمة.

الحرقة مشروع تشكيلي ممزوج ببهجة مشهدية للمجتمع في صفاقس، يمرر رسائل تحسيسية ورمزية لبناء ثقافة ابصار فني معاصر، وأعربت الفنانة السورية سمر رحمة عن هاجسها بمشروع الحرقة واهمية التفاعل معه لما يعيشه المجتمع السوري من معانات طويلة لهذا التهجير الممزوج ببحث عن الامل في العيش والنجاة من واقع لا حلم فيه. تبني سحر رحمة حلما تشكيلي مختلط المواد والمتشعب التوجهات لكي تبصر بمنجزها إمكانات البحث التشكيلي الفني بطرق متجددة.

تعيش صفاقس يوم 30 مارس بهجة الابصار لتعويم التنصيبات المنجزة أيام التظاهرة الفنية ببرج القلال، ليكون المتلقي مدعوا للتفكير في ممكنات التعبير الفني والبوح الجمالي في ثقافة الراهن وتحدياته. وحينما تمطر ربوع صفاقس لونا فان امل النجاة المشهدي وجمالياته يبقى دافعا لدحض حرقة الحياة وانبات ربيع الفنون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*