الرئيسية | ترجمة | ليس للحرب وجه أنثويّ | سفيتلانا أليكسييفيتش، ترجمة: طارق فراج – مصر

ليس للحرب وجه أنثويّ | سفيتلانا أليكسييفيتش، ترجمة: طارق فراج – مصر

سفيتلانا أليكسييفيتش

ترجمة: طارق فراج

 

رواية سفيتلانا أليكسييفيتش، التي شيدت نصباً تذكاريّا للشجاعة

من حصار لينينغراد إلى خط المواجهة، ونساء السوفييت يتذكرن الحياة في زمن الحرب، في هذه الروايات الذاتية لأول ملحمة، تترجم إلى اللغة الإنجليزية، للمرة الأولى في عام 2014 ثم تبعتها الترجمة العربية الأولى هذا العام 2017، عن دار ممدوح عدوان للنشر بترجمة الدكتور نزار عيون السود.

    نُشرت، لأول مرة في عام 1985، رواية “سفيتلانا أليكسييفيتش” عن الحرب العالمية الثانية، تلك التي تمت روايتها من خلال عيون مئات من النساء اللواتي شاركن في الحرب، وذلك شيء غير عادي. نُقحت هذه الرواية وزيدت وحُدثت على مر السنين، وباعت أكثر من 2 مليون نسخة، في جميع أنحاء العالم. الآن، ولأول مرة، يتم نشرها في اللغة العربية، جالبة إلى الحياة، عالم الجنود والممرضات، وعمال الذخائر والنساء اللواتي تُركن في الخلف، والذين غابوا جميعهم عن الروايات السوفياتية الرسمية.

هذه قراءة صعبة، سواء عاطفيا أو فكريا. لكن، سيكون من الصعب العثور على كتاب يُشعِرك بأنه أكثر أهمية أو أصالة. ثمة غضب عميق في مقدمة ألكسيفيتش وهذا أمر نادر في أي كتاب تاريخ. رسالتها هي: هذه القصص تستحق أن تُسمع. لكنها لا تريد منا أن ننسى أيا من ذلك لسنوات عديدة؛ ألا يُزعج أحد لسماعها. الأسوأ من ذلك، أنها قُمِعَت. “إن الابتسامة الوحشية للغموض تظهر من خلال هذه القصص… “إن حرب المرأة لديها ألوانها الخاصة، ورائحتها الخاصة، الإضاءة الخاصة بها، ومجموعة المشاعر الخاصة بها. لها أيضا كلماتها الخاصة. لا يوجد أبطال ولا أعمال بطولية خارقة؛ يوجد أناس بسطاء والذين هم مشغولون بإنسانية خالصة، في القيام بالأشياء الإنسانية”.

في اللغة الروسية، تعرف الحرب العالمية الثانية بــ “الحرب الوطنية العظمى”. وكما يوحي ذلك العنوان، فإن لها تاريخها الرسميّ الخاص، وإن الشك في ذلك يعد اختراقا للمقدسات. تصف ألكسيفيتش، عدة مرات، كيف ستتردد النساء في التحدث معها، وبعد ذلك، بمجرد أن يبدأن، لا يستطعن وقف تيار الوعي. ونتيجة لذلك تتحدث هؤلاء النساء تقريبا على الرغم منهن، كما لو أنهن يتحدثن عن شيء حدَثَ لشخصٍ آخر.

 النساء أنفسهن ــــ وكذلك الرجال الذين حاربوا معهن، ومن عادوا – قلقون من أنهم لن يصوروا “النصر الكبير”، كما ينبغي في رواياتهم. هذه هي التناقضات والأهوال المصغرة التي تريد ألكسيفيتش التقاط معظمها تقول أليكسييفيتش: “لكن (التفاصيل الصغيرة) أكثر أهمية بالنسبة لي، بقدر الدفء والحيوية في الحياة”.

على الرغم من أن الكثير من القصص والحكايات من الرحلة إلى الحرب والحياة في الجبهة، أليكسيفيتش أمطرت، حكايات  أول امرأة، بوابل من تعليقاتها الخاصة حول الصعوبات التي تجدها النساء في الحديث – وهذه التعليقات الجانبية غالباً ما تكشف ذكريات أخرى. عندما تتحدث إلى قائد مدفعية مضادة للطائرات، فالنتينا شوديفا، ألكسندرا، صديقة فالنتينا تعترض ذكرياتها في حصار لينينغراد. تتذكر كيف أنها عرفت، امرأة عجوز اعتادت على ممارسة تصويب مغرفة مليئة بالماء المغلي من نافذة منزلها، بحيث إذا غزا الفاشيين لينينغراد، فإن لديها طريقة ما لمهاجمتهم: “أنا عجوز، لا يوجد شيء آخر يمكن أن أفعله، ولذا فإنني سوف أسفعهم بالماء المغليّ.”.

لقد جُمعت القصص حسب الموضوع (“عن الحياة اليومية، والحياة الأساسية”، “عن الموت، والدهشة في وجه الموت”، “عن الوحدة التي تخص الرصاصة والإنسان”). اثنان  من أكثر الفصول غرائبية وحركة؛ عن الجمال والحب. “كيف يمكن للمرأة، على سبيل المثال، النوم لسنوات في خنادق ضحلة أو على الأرض الجرداء مستعينة بنار مضرمة إلى جوارها، ترحل في الأحذية الثقيلة والمعاطف، وأخيرا – لا تضحك ولا ترقص؟ لا ترتدي فساتين الصيف؟ تنسى كل شيء عن الأحذية والزهور… لم تزد أعمارهن، في ذلك الوقت، عن ثمانية عشر عاما أو عشرين!”.

حكت إحداهن ـــ برُتبة رقيب ـــ عن إحساسها الرائع عندما تمكنت من النوم بقرطي أذنيها، لأنها كانت المرة الوحيدة التي استطاعت أن تتزين بهما.  تتحدث ملازم ثان عن غريزة أن تكون “جميلة” (وهي الكلمة التي تأتي كثيرا)، حتى في معطف عسكري ثقيل وخشن. المسؤولة عن التلغراف حكت عن عقيد أطلقوا عليه اسم “بابا” كان قد أصر على جلب مصفف شعر للنساء، ولسعادتهن الكبيرة: “هذا ليس في القواعد، لكني أريدك أن تكوني جميلة. هذه الحرب ستكون طويلة… لن تنتهي قريبا.”.  مساعد طبي “صوفيا دوبنياكوفا” تضيف: “أنت في حدود قوتك. ما وراء الحدود. في النهاية يبقى خوف واحد فقط – الخوف من كون المرأة قبيحة بعد الموت. خوف المرأة… ليس أن تمزقها قذيفة إلى أشلاء. رأيت ذلك يحدث. التقطت تلك القطع.”

هذا كتابٌ من الصعب قراءته في جرعة واحدة. تعرض أليكسييفيتش هذا كتاريخ شفاهي: شذرات من المحادثات، غير متجذرة دائما في أحداث معينة ،ولا تحمل تواريخ المعارك بجانبها. هذه وسيلة قوية، بشكل لا يصدق، لجلب التاريخ إلى الحياة. هؤلاء النساء تحدثن إليها كصديقة، وتعاملن معها مثل كاهن اعتراف، أكثر منها كصحافية ومؤرخة. إن شجاعة النساء غالبا لا يضاهيها سوى اعتقادهن في المشروع السوفياتي (الحب لستالين يتكرر ذكره، بقدر الخوف من الألمان). من المُعتقَد أنه محصّلة وقته، ليس فقط في فصول قصصهن، ولكن من حيث الكيفية التي يتذكرنه بها. (جمعت هذه القصص بين عامي 1978 و 2004م) أنماط كلامهن، والتجويد، وأحياناً الصياغة السوفيتية العتيقة  المستنسخة بمودة.

اللازمة التي تتكرر في معظم الأحيان تم إجمالها من قِبَل الشاهدة الأخيرة، مساعد طبي “تمارا أومنياجينا” التي تقول:  “يصبح الرجال خَجِلُون، إذا ما بدأت الفتيات، ذوات السبعة عشر ربيعاً، في خوض الحرب. وعلى أية حال فإننا سنسحق العدو قريبا.. عودي إلى أمك، أيتها الفتاة الصغيرة”. واجهت هذه المواقف معظم المتطوعات من النساء، ولكن تم تجنيدهن على أية حال. الشيء الذي وجدت كل النساء أن الحديث عنه من الصعوبة بمكان – أكثر من الموت – هو الحب، وكيف يستطعن إعادة تأسيس حياتهن الرومانسية بعد الحرب. هؤلاء الفتيات اللواتي تقدمن في العمر الآن، خائفات من الخوض في أسرار عواطفهن القديمة، وخلال هذه اللحظات كانوا يقولون لأليكسييفيتش، “غيري اسمي الأخير” أو ” في عصرنا، لم يكن مقبولا الحديث عن ذلك بصوت عال…”.

ثمة روايات لزوجات وأزواج خاضوا الحرب معا، لكن ليس بالضرورة أن يكونوا قد عادوا معاً). هناك روايات لأزواج وزوجات قاتلوا في مواقع مختلفة، حيث يتساءل كل طرف منهما، كيف سيكون شكل الحياة إذا عاد الآخر “مشلولاً – مبتور الذراعين، مقطوع الأرجل”: “كنا سنعيش بطريقة ما،” يقول الجندي ليوبوف فيدوسينكو.

إن قوة أليكسييفيتش ـــ وعلامة على شجاعتها الخاصة ـــ هي أنها، دائما، على اطلاع،  بالأمور غير المنطقية في ظاهرها، فلحظات الإنسان تافهة تقريبا: فستان زفاف مصنوع من الضمادات،  وشوكولاتة تُترَك تحت وسادة ملازم أول، كيف هو الإحساس، مجدداً،  بالرقص للمرة الأولى، بعد أن أمضيتِ عدة أشهر في انتعال الأحذية التي هي كبيرة جدا بالنسبة لكِ. إن إنجازها مبهر وأخاذ، مثل الخبرات المذهلة لأولئك النسوة.

ولدت سفيتلانا اليكسيفيتش فى مايو 1948 من أب بيلاروسى وأم أوكرانية. بعد أن انتهت من دراستها، عملت كمراسلة في العديد من الصحف، ثم مراسلة لمجلة “نيمان” الأدبية فى “مينسك”، ثم اتجهت لمهنة الصحافة والكتابة السردية وتميزت في إجراء الحوارات الإنسانية مع شهود عيان على الأحداث الأكثر إثارة في تاريخ بلدها مثل الحرب العالمية الثانية، والحرب السوفيتية الأفغانية، وسقوط الاتحاد السوفياتي، وكارثة تشيرنوبيل. وبعد الاضطهاد من قبل نظام لوكاشينكو، غادرت روسيا البيضاء فى عام 2000، فتنقلت ما بين باريس، غوتنبرغ وبرلين. فى عام 2011 انتقلت إلى مينسك. ونظرا لاهتمامها الدائم بالأمور الإنسانية وصفت كتبها بأنها “وقائع أدبية من التاريخ العاطفي للمواطن السوفيتي”، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وقد نمت شهرتها مع إصدارها لكتاب “الوجه غير الأنثوي للحرب” أو ” ليس للحرب وجه أنثوي” 1985، والذي طُبع في أكثر من مليوني نسخة وتُرجم إلى عشرين لغة كان آخرها اللغة العربية التي ظهرت هذا العام 2017 بترجمة الدكتور: نزار عيون السود، تحت عنوان ” ليس للحرب وجه أنثوي”. الجدير بالذكر أن سيفيتلانا حصلت على جائزة نوبل في الأدب عام 2015.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*