الرئيسية | سرديات | في محبة محمد غرناط | عبدالله المتقي

في محبة محمد غرناط | عبدالله المتقي

عبدالله المتقي

” والفقد كالموت

وإن النفس لتجزع ..

من موتها في قبضة من تحب”

نجوى شمعون                        

1

منذ أربعين سنة وأكثر، والسي محمد غرناط يسكن ” فيلا ” في القلب، إلى جوار أقلية هائلة من الأصدقاء والرفاق الجميلين، ليأتي رحيله أخيرا، كي يفاجئني وأبقى كالجامد الصامت هذا الصباح بإحدى مقاهي”موغادور”.

كدت أكذب الموت ونعيه ب”أولاد مطاع”، لكن، رحل ” سي محمد “، وفي جبته الكثير من الصمت الذي كان أكبر من الكلام وأعتى من الثرثرة.

كل هذه السنوات، وأنا أسمعه بالهاتف، نجلس في المقهى، نلتقي على هامش ملتقى القصة القصيرة بخنيفرة، فأتعلم من صداقته وصندوقه الحكائي، و.. لا شيء في ” قبه ” سوى الحكي الغرائبي، الجنون بالحياة والقلق وما بعدهما، ,ويظل سي محمد هو سي محمد، إنسانا موغلا في مرحه وصمته، ومغامرة قصصية وروائية وإنسانية متجددة باستمرار .

أكثر من أربعين سنة، وقصصه ورواياته تتوالى، بدءا من ” سفر في أودية ملغومة ” حتى آخر محطة سردية “، ويكفي أن أقول، أن صحبته كانت أكبر من السعادة والصفاء.

” واخويا سي محمد”، هل أقول لروحك السلام، ورحمك الله رحمة واسعة. وإنا لله وإنا إليه راجعون، أم أننا سنلتقي صدفة بالمكتبة ” الألفية ” ؟

2

كنت، في منتصف السبعينيات، تعرفت على اسم محمد غرناط، قاصا دؤوبا في ملحق” العلم الثقافي”، وأنا بعد في الثالثة إعدادي، كي تنتزعني قصصيته من سرود لطفي المنفلوطي، وجورجي زيدان، وبنت الجزيرة العربية، ومحمد عبد الحليم عبدالله، و …، وكي تقذف بي في ديوان القصة المغربية، وتفتح شهيتي لازدراد قصصه، وقصص عزا لدين التازي ومحمد زفزاف وأحمد المديني وأحمد بوزفور وخناتة بنونة ورفيقة الطبيعة.

و … لعله الصيف، ولعلني أتأمله عابرا رفقة مع من أصدقائه من الحداثيين، أراه في ” فوقيته ” البيضاء يدخن ضاحكا، ونفس الضحك تنتقل عدواه لتتردد نفس البهجات إلى تلك الأقلية الهائلة من الرفاق، وحين يختفي لا شيء غير النميمة القصصية، والدهشة بكاتب تراه عيوننا يمشي في حينا.

 ” واخويا محمد”، هل ستبكيني بنكتة عارية في لقاء ما، أم أقول لغزا هو الموت، يحفر في القلب، وكفى به جارحا، ومركز قلق وحزن.

3

في الثمانينيات التقينا، وأسباب كثيرة جعلتنا نلتقي في مقهى ” اولمبيك “، الحكي، الزمن الجميل،” الدميم”، الصداقة الخاصة جدا، ومجموعته ” الصابة والجراد ” الصادرة حينها.

و …بعدها، كان بإمكاننا أن نحتسي القهوة، أن ندخن، أن نقلق، أن ننزعج، وأن نتذكر، وأن نحدق في الصمت والفراغ …

وامحمد … هل سألتقيك مثلا على هامش تقديم صديقنا محمد الشيخي لرسالته الجامعية بمدرج ما بكلية عين الشق، لتبادرني بعين السؤال ونفسه ” آش خبار لبليدة ” .. أم هو الموت ” ولد الذين ” …؟

4

ثمة خدمة يصعب نسيانها وحتى إخفاء جميلها، وأعني بها تلك الرحابة التي استقبلت بها جمعية الأنصار بخنيفرة اقتراحي بتكريم الراحل غرناط ويكون “إسلانا” قصصيا لعرسها القصصي الرابع، وبذلك لم يكن حلمي وأملي مستحيلا.

بعد اجتماعات ماراطونية، وقف المهرجان على رجليه، بدأت الاستعدادات لاستقبال المشاركين، لأهاتف الفقيد بلغة محلية ” لوثاق راه تبنى خاصنا غير لعريس “، و .. يرسل سي محمد عبر الهاتف تلك الضحكة الخاثرة، وأحبها فيه كما قصته القصيرة.

وا حبيبي …

هل انتظرك في قاعة ضيوف الفندق كي أرافقك، لنلتحق بقاعة العروض لنتلقى قصصا قصيرة وقصيرة جدا لأقلية شاهقة من المبدعين والمبدعات … أم أنك لن تحضر ومواعيدك صارمة؟

5

آخر مرة التقي فيها ” سي محمد”، كانت بمهرجان خنيفرة القصصي في نسخته الخامسة، دورة وردة السرد المغربي ” زهرة رميج “، لتستمر نفس الأحاديث، عن ” لاربعا “، والقصة القصيرة، وتداول كثير من النكت وحتى المدنسة التي لا تخجلنا.

و.. كان حديث آخر هذه المرة، وبنبرة أخرى، حكي عن مقاطعته لدخان السيجارة بأمر صارم من الطبيب، فقط، كان هو هو، دوما يتأبط المحبة والتفاؤل الذي لا يشيخ، لا لشيء سوى أن في قفصه الصدري قلب يسع هذا الدنيا التي لا تعجب سوى المتآمرين والضمائر الخائبة، وكم كنت أعرف أن بداخله قلقا عميقا .

6

هو هكذا دائما

القصة قرب يديه

وكم كان الصمت يسعفه أكثر

هو هكذا دائما

صديق حلوى

وأباهي به الأصدقاء

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*