الرئيسية | أدب وفن | الفن | سينما | «فيلم كتير كبير» .. مصالحة بين «السينيفيليين»| نسرين حمود

«فيلم كتير كبير» .. مصالحة بين «السينيفيليين»| نسرين حمود

vمحمّلين بنتفة من المعلومات، مفادها أن «فيلم كتير كبير» باكورة المخرج مير- جان بو شعيا (مواليد 1989)، كان قد شارك في مهرجانات سينمائية دولية، هي: «تورونتو» و«لندن» و«تسالونيكي» و«تالين بلاك نايتس للأفلام» الاستوني. دخلنا العرض الجماهيري الأول له ببيروت، ممنين النفس بألّا تلحقنا في إثره خيبة «إضافية»، نظراً إلى أن كَمّ الإنتاج المحلّي التجاري الذي يغزو الصالات، أخيراً، يدير ظهره لأدنى مقومات «الفنّ السابع». ولكنّا غادرنا «الصالة المظلمة» مقتنعين بأن اسم مير- جان بو شعيا، يستحق الحفظ والتتبع!

الفيلم (115 دقيقة) من إنتاج لبناني- قطري مشترك، وكتابة بو شعيا وألان سعادة، فيما كان شارك المخرج سيمون الهبر بو شعيا تحرير «السيناريو»، والأخير استعان بخبرات اللبناني القدير جورج نصر والسينمائي الفرنسي إيف أنجلو لتقديم عمله على هذا النحو.

عشية خروج جاد الحداد (وسام فارس) من السجن، نتيجة جريمة قتل كان أخوه البكر زياد (ألان سعادة) ارتكبها، ورضي الأول أن يتحمّل تبعاتها لأنّها تنقضي بسنوات خمس لقصر سنّه، فيما تمتد إلى سجن مؤبد في حال الثاني، يُقرّر «زياد» أن يهجر حياة الجريمة وتجارة المخدرات، وأن يفتتح برفقة أخويه (الثالث هو «جو» الذي يؤدي طارق يعقوب دوره) مطعماً. نية التطهر من أدران العصابات، لم تتفق مع إرادة «ملك الكبتاغون» المسمّى بــ«أبو علي»، الذي يعمل الأخوة لحسابه. إذ يُلزم «زياد» بأن يقوم بعملية «أخيرة» تقضي بإيصال شحنة من حبوب «الكبتاغون» إلى الشام براً، مقابل مساهمة «أبو علي» في جزء من ثمن المطعم، فيقبل بكر آل الحداد تنفيذ المهمة ظاهرياً، ولو أنّه يشتمّ رائحة تصفيته الجسدية تفوح في الأجواء! يقطع «زياد» الحدود اللبنانية- السورية ويتخلّص من مرافقيه عبر قتلهما، ويعود أدراجه محملاً بــ«بضاعة» تساوي ملايين الدولارات! أمام إلحاح «جاد»، على الرغم من خروجه من السجن حديثاً، بالتصرّف في «البضاعة وقلب عيشة الأخوة الثلاثة، الذين كانوا ورثوا فرن «بيتزا» عن والدهم، إلى ثانية أكثر ترفاً، وإصرار «جو» الأخ الأوسط على إعادة خاصية «أبو علي» له خشية من انتقامه منهم، يصرّ «زياد» على أن «الملايين الموعودة» من حقه، ويفكّر بطريقة لتمريرها جواً إلى إربيل عن طريق «مطار بيروت الدولي».

في أثناء إيصال زياد «طلبية» بيتزا لمنزل شربل (فؤاد يمّين)، وهو مخرج مبتدئ، وفي مواجهة لم تخلُ من تعنيف الأول للثاني لفظياً وبدنياً من جراء عدم دفع «شربل» الدين المتراكم عليه، والعائد إلى استهلاك حبات «الكبتاغون»، يطلع «زياد» صدفةً على مشهد من وثائقي يتحدّث فيه المخرج القدير جورج نصر كيف هرّبت عصابة إيطالية المخدرات في عبوات «نيغاتيف» الأفلام (البوبينات) التي لا تخضع لمسح آلة الكشف في المطار، نظراً إلى أن أشعتها تحرق محتوى الأفلام. عندئذ، «يتفتق» ذهن «زياد» عن إنتاج فيلم سينمائي يعهد إلى «شربل» إخراجه، في إطار تمويه مروره في مطار بيروت محملاً بــ«الكبتاغون». ينجم عن هذه الفكرة ابتداع المخرج «الأضحوكة» شربل قصّة غرام تجمع بين فتاة مسيحية وشاب مسلم يواجهان رفض المجتمع المحيط وخصوصاً أهلهما، بالتماهي مع «الكليشيهات» الواردة في الأفلام اللبنانية التجارية. وهنا، تبرز فطنة بو شعيا الذي يُعدّ فيلماً في داخل فيلم، ويمحو الفوارق بين الأول «الحقيقي» والثاني «المبتدع» لغرض تمويه المخدرات. ففي الفيلم «الحقيقي» مثلاً، يرفض «جاد» الذي يضطلع بدور البطولة في الفيلم «المموه» لعب دور شاب مسلم حتى لو تمثيلاً، فيقلب المخرج «شربل» الخانع للمنتج «زياد» أجزاءً كبيرة من «السيناريو» بناء على طلب الأخير، ليمسي «جاد» على الإثر شخصية مسيحية بالاتساق مع هويّته! كما يجعل المخرج من البطلة الأنثى (ألكسندرا قهوجي)، وهي صديقته الحميمة في الفيلم الأول، شابة مسلمةً. وتتوالى التداخلات لحدّ صعق فريق عمل «الفيلم الغرامي الرديء» بدوي انفجار «فعلي» في مكان التصوير، ما يجعل المنتج/تاجر المخدرات ضيفاً على «كلام الناس»، البرنامج الحواري الأبرز في لبنان، ليردّ على أسئلة الإعلامي مارسيل غانم (ضيف الشرف في فيلم كتير كبير) حول الواقعة، فلا يقنع المشاهدين بعد المقابلة بحقيقة ما حصل، في غمز على دور الإعلام الجماهيري في تجهيل العامّة! ينتهي الفيلم «الأساسي» بمقابلة «أبو علي» و«زياد» وجهاً لوجه في مطار بيروت، وعودة الطرفين إلى التعاون مُجدّداً في «التجارة المشبوهة»، كما يدخل «زياد» نتيجة نجاح «الفيلم الغرامي» عالم السياسة، ويعلن ترشيحه انطلاقاً من «كلام الناس»!

بخلاف النبرة المباشرة المسيطرة على غالبية مشاهد «فيلم كتير كبير»، كان المخرج بو شعيا، الحائز على «ماستر» في السينما من جامعة الـ«ألبا» اللبنانية في سنة 2012، بليغاً، حين استعار في «باكورته» فرن البيتزا، استعارة مكنية للدلالة على لبنان. هو جعل من مكان خلط الدقيق والماء والزيت بهدف إعداد العجينة «اللذيذة»، مخبأً لحبات «الكبتاغون»، ومركزاً لتوزيع بعضها بالمفرق ضمن أكياس الملح من خلال خدمة «الدليفري» للبيتزا، وموقع تصوير الفيلم «المموه» لغرض تسهيل أمر تهريب كيلوغرامات المخدرات الوازنة من مطار بيروت، بعد أن استحال النقل البري نتيجة الحرب في سورية، ومنطلقاً للهنات (الطائفية، والإرهاب). «عجن» أبي شعيا بعضاً من مقومات الفساد اللبناني، ليصنع منها فيلماً يصالح «السينيفيليين» اللبنانيين مع الإنتاج المحلّي التجاري، مستعملاً «لغة الشارع» الحقيقية والمثقلة بالشتائم…

لناحية «الكاستينغ»، فغالبية الممثلين (باستثناء يمّين وماهر أبي سمرا الذي يظهر في دور ثانوي كمساعد لملك الكبتاغون) هم من الوجوه الجديدة، مع التشديد على أن أداء سعادة مبهر!

من جهة ثانية، كان من الواضح أن دور الإناث في الفيلم «الرئيس» مهمّش إلى حَدّ الاقتصار على تفريغ شهوات الذكور، وأن «كادرات» الفيلم غائمة اللون، والواشية بمناخ غير مريح، توحي بالجو اللبناني السياسي والاجتماعي الحالي، ولا توفّر التشويق و«الكوميديا» و«الأكشن»، وذلك على إيقاع موسيقى ميشال ألفتريادس غير التقليدية والمُحبّبة. ولم يفوت تواتر الأحداث، حيث الحبكة محكمة والذروة «صادمة» الحديث العرضي عن أزمة الأفلام اللبنانية، في مشهد الحفل الذي ينظّمه «زياد» احتفاء بخروج أخيه من السجن، وكيف أن مواهب عِدّة تقبع في الظلّ، وأن أزمة الإنتاج تثقل كاهل هؤلاء، وأن أهواء الجمهور محبطة للسينمائيين، إذ يسأل أحد الجالسين المخرج «شربل»: هل من ممثل لبناني من «قماشة» سيلفستر ستالون؟!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*