الرئيسية | سرديات | عيناها أجمل مكان للحزن | محمد الفخراني

عيناها أجمل مكان للحزن | محمد الفخراني

محمد الفخراني (مصر):

 

طلب منها “الحزن” أن يسكن عينيها بعض الوقت، اقترح أن يكون سبعة أيام، ثم يغادرها، على أن يجدّد ألوان المكان، ويعيد ترتيب الأشياء داخلها بطريقة تمكّنها من التحرك بسهولة أكثر، ويفتح لها نافذة سريّة تستطيع منها أن ترى الحياة وهى تمشى بطريقة مختلفة تخفيها عن الآخرين، لكنها ظلت صامتة وظهر عليها التردد، فاقترح أن تكون المدة خمسة أيام فقط، وأخبرها أنه يريد الهرب من شيء لن يذكره الآن على الأقل، وعيناها أكثر مكان يمكن أن يطمئن إليه، وعَدَها أنه سيحاول قدْر استطاعته ألا يكون مزعجًا، نظرتْ لعينيه وابتسامته كلٌ على حدة، ورقّ قلبها له.

فتح “الحزن” حقيبة أغراضه الشخصية، وزّع أشياءه البسيطة فى عينيها بلطف، وحاول قدر استطاعته ألا يكون مزعجًا، حتى إنها لم تنتبه إلى أنه انتهى إلا بعد أن أخبرها، ومع أول ليلة له في عينيها، سمعت موسيقا شجيّة كان يُشغّلها من آلة قديمة يحملها ضمن أغراضه، وفى الليالي التالية ستسمع تنويعات عديدة من الموسيقا الشجية، وترى “الحزن” في ملابسه الشفافة المتنوعة، يتحرك خفيفًا كموجة، فتطمئن له، ويدفعها إحساس شفيف غامض بالتعرف إليه عن قرب، لكنها تؤجل ذلك لبعض الوقت، وﺇلى أن يحدث ذلك يحرص “الحزن” ألا تصدر عنه أية حركة مفاجئة، وألا يرفع صوته عندما ينفعل مع الموسيقا، حتى إنه يقضى الكثير من وقته نائمًا في عينيها، ورغم رغبته الشديدة في التحدث إليها، سيفضّل أن ينتظر حتى تبدأ هي خوف أن يزعجها.

ولن يطول انتظاره.

ستبدأ كلامها معه عندما تستمع لواحدة من موسيقاه الشجيّة وتعجبها بشكل خاص، تسأله عن اسمها، يقول: “عيناها أجمل مكان للحزن”، ستقول أن كل الموسيقا أعجبتها منذ البداية، وأنها كانت تخمّن مع نفسها اسمًا لكل قطعة موسيقية، يسألها عن الاسم الذي خمّنته للقطعة التي تسمعها الآن، وتلاعبه بألا تذكره له، وتطلب منه أن يرفع الصوت قليلاً، يرفعه، ويلاعبها بأن يرفض أن يذكر لها اسم الآلة القديمة التي يشغل منها الموسيقا عندما تسأله، فتبتسم وتدعوه ليجلس معها فى شرفتها ذات الإضاءة الهادئة، ويبدآن بالكلام عن الموسيقا، يتمشّى الكلام إلى شوارع وأماكن أخرى، ويبدو من كلام “الحزن” أن له تجربة في كل مكان، يحكى لها حكايات كثيرة تُسلّم بعضها بعضًا، وتبادله هي بتعليق بسيط أو حكاية قصيرة.

بعد ساعات عندما يشعر “الحزن” بأن النوم سيغلبه، يخبرها عن أجمل مكان رآه في حياته، وكان قد رفض على سبيل اللعب معها أن يخبرها عنه عندما تحدثا خلال سهرتهما عن أكثر الأماكن جمالاً، قال لها: “عيناك أجمل مكان”، وتعمّد ألا يقول أي كلام بعدها حتى نام فى عينيها، بينما ظلت ساهرة مع ضوء هادئ وموسيقا شجيّة.

يعرف “الحزن” أنه سيكون جميلاً في عينيها، حتى إنه سيكون أجمل من السعادة في عيون آخرين، وفضّل أن تفهم ذلك بنفسها عندما قال لها: “أنا والسعادة على القدْر نفسه من الجمال، الفارق يحدث عندما يجد أحدنا مكانًا مناسبًا له، ولا يجد الآخر هذا المكان”، يعرف أن عينيها أفضل مكان له في العالم، ويتمنى أن يعيش معهما كل حياته، ليس فقط الأيام الخمسة التي طلبها فى البداية، وكما وعدها سيحاول قدر استطاعته ألا يكون مزعجًا، حتى لو اضطر أن يقضى نصف حياته نائمًا في عينيها، ويسهر النصف الآخر معها في شرفتها.

“الحزن نائم في عينيك”، تسمعها ممن ينظرون في عينيها، ترى في عيونهم افتتانًا كبيرًا، ويقع الكثيرون في حالات متنوعة من الغرام بها، تفكر أنهم ربما يقصدون أحيانًا أن “الحزن ساكن أو مستيقظ في عينيها، لكنه جميل حد أنه يبدو نائمًا”، بينما يحرص “الحزن” في معظم الأحيان أن يظل نائمًا في عينيها كلما لمح نظراتهم بطرف عينه، وسمعهم يقولون هذا الكلام، أحيانًا أخرى يتمطى بجسده قليلاً كطريقة للتنويع على الفتنة، ثم في جلستهما بشرفتها، علّمها أغنيات تهدهده بها عندما ينفعل بشدة فلا يكون مزعجًا، وعلّمته أغنيات يهدهدها بها عندما يرجّها الألم بقوة فلا تنهار، أخبرته أن يربت صدرها في انفعالاتها الشديدة، وسيكون هذا كافيًا لتهدأ، تقول له: “ربتة الصدر أقرب للقلب من ربتة الظهر”.

عندما قدمها “الحزن” لأصدقائه “حب”، “نور”، “ظلام”، “صدق”، و”كذب”، رأت في عيونهم حبهم لعينيها، صَحِبَها معهم للملعب الكبير، وهناك يشاركهم اللعب لبعض الوقت، ويحرص أن يكون قريبًا منها، ليسمع صوت قلبها وجريان دمها في جسمها، ثم يتركهم ويقف عند حدود الملعب، ليتفرج على تفاصيلها، ويراقب انفعالاتها ولفتاتها التلقائية، بينما تبادله النظرات من وقت لآخر وتبتسم له، صَحِبها إلى الأماكن التي يسهرون فيها، وهناك تعرفت على صديقته “سعادة”، التي كانت تراوغها طوال الوقت، وهى تمر على مسافة ليست بالقريبة منها ولا البعيدة عنها، لكنها في كل أحوالها لم تكن معها، وكلما نادتها أو طلبت منها أن تنتظر، كانت تلملم حاجياتها بسرعة وتبتعد، الآن بعد أن تعرفت عليها، أدركت كم هى بسيطة، تلقائية، وأسهل من أن تناديها أو تطاردها، كما أعجبتها قصة الحب بين “كذب” و”متعة”، والتفاصيل الصغيرة التي يملأ بها “كذب” هذه القصة، وكعادة “نور” و”ظلام” بأن يقعا في حب الشابة أو المرأة نفسها، ويعترفان بحبهما لها في يوم واحد، فَعَلا معها ذلك.

في سهراتها ولعبها وتسكعها معهم عرفت الكثير من حكاياتهم الخاصة، أسماءهم السريّة، علاقاتهم الغرامية، لحظات جنونهم، مشاعرهم تجاه بعضهم بعضًا، والأشياء التي يخفيها كل منهم فى شخصيته حتى يبدو أحيانًا على غير ما هو عليه بالفعل، وعندما تعمّقت صداقتها بالكثيرين منهم، صاروا يصحبونها لبيوتهم عندما يريدون أن يكملوا سهراتهم بألعاب جديدة يخترعونها ليلة بليلة، وهناك يدعون أطفالهم ليتفرجوا على فتنة عينيها، فيؤكدون دون قصد منهم ما قاله “الحزن” لها، من أن الفارق يحدث عندما يجد أحدهم المكان المناسب له، بينما لا يجد الآخر هذا المكان.

صار معروفًا عن عينيها أنهما أجمل مكان يمكن النظر فيه للحزن، وأجمل مكان ينظر “الحزن” منه.

صارت الجملة الأحب إلى قلبها: “الحزن نائم في عينيك”.

عندما قال لها “الحزن” بترقب، أنهما تجاوزا منذ مدة طويلة الأيام الخمسة التي اتفقا أن يسكنها في عينيها، ابتسمت وقالت: “أعرف ذلك”، ودون أن توضح له أي شيء طلبت أن يرفع صوت الموسيقا، رفعه قليلاً، وفكر أن هذا هو الوقت المناسب ليخبرها عن عاطفة قديمة يحملها لها، ويعرفها عنه أصدقاؤه، عاطفة غير التي يحملها لها “نور” و”ظلام”، لا يستطيع تسميتها أو تقييدها بكلمة أو وصف، وﺇنما أن يعيشها معها، عاطفته التي جعلته ينتظرها فى كل مرة تأتى فيها إلى النهر وتخلع ملابسها وتنزل إليه، أخبرها أنه كان يراقب كل شيء منها حتى حركة خصلات شعرها ووقع قدميها، قال إن لجسدها حزنًا جميلاً وجمالاً حزينًا يفتنه، وأنه يحمل حبًا كبيرًا لهذا الجسد، لهذا الجمال، ولهذا الحزن، ذكّرها بالمياه الرائقة التي كانت تحيط بها في النهر فور نزولها إليه، والرائحة الجميلة التي كانت تجدها في ملابسها بعد خروجها منه، أخبرها أنه كان يجمع لها المياه الرائقة، ويرشّ ملابسها بالرائحة الجميلة.

أجمل مياه النهر لجسدها، وأجمل رائحة لملابسها.

كانت قد عرفت منذ الليلة الأولى التي أحسّت فيها بشفافية “الحزن”، وسمعت موسيقاه الشجية، أنها ستسمح له بأن يسكن عينيها مدة أطول من المتفق عليها، حتى إنها نسيت الاتفاق في اليوم الخامس، ولم تتذكره إلا عندما رأت “الحزن” مرتبكًا، قلقًا، لدرجة نسى معها أن يُشغّل الموسيقا، طلبت منه في تلك الليلة أن يختار موسيقا يحبها بشكل شخصي، وفى الليلة نفسها عندما قالت له إنها تحب رقة تفاصيله، ابتسم “الحزن” وراوده إحساس جميل بأنه من الممكن أن يعيش كل حياته في عينيها.

الآن لم تعد مهتمة بتلك النافذة التي فتحها لها “الحزن”، لتطل منها على الحياة وهى تمشى بطريقة لا يعرفها عنها الآخرون، ولم يعد “الحزن” يتذكر ما كان يهرب منه عندما جاء وطلب أن يسكن عينيها، وكلما فكر في ذلك، وسأل نفسه أمامها بصوت مسموع، كأنه في الوقت نفسه يسألها: “ممَ كنت أهرب؟”، لم يكن يجد إجابة، فقط يشعر أنه ربما كان يهرب لأنه لم يكن قد وجد عينيها بعد.

في شرفتها ذات الإضاءة الهادئة، خمّنت اسم القطعة الموسيقية، وطلبت من “الحزن” أن يرفع الصوت كثيرًا، لم يتكلما تلك الليلة، فقط ومن وقت لآخر يتبادلان ابتسامة بها شجن موسيقى، وكلٌ منهما يُخمّن ما يفكر فيه الآخر.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*