الرئيسية | سرديات | عندما يبكي هادس | عبد الجليل ولد حموية
bmd

عندما يبكي هادس | عبد الجليل ولد حموية

عبد الجليل ولد حموية

 

كسرتُ مرآة أخرى هذا الصباح حاولتْ إيهامي أنني جميل…

كسرتُ كأس البارحة لأنه لم يقتل فتى النرجس…

كسرتُ وعودا قطعتها…

كسرتُ أصناما عبدتها…

وكسرتُ نفسي كي أحيا كأنني لم أكن…

القليل من خبز الشعير، حبات زيتون يتيمات، موسيقى راب هادئة، بعض الويسكي لتبليل الخبز الحافي، قنينة ماء مقروء عليه (قرأتُ عليه بعض آيات أبو نواس)، مائدة فاقع لونها يشمئز  منها الناظر، عالم تتدلى الكآبة منه، تتساقط الحيرة زخات من الفراغ. هذا فطور أم وجبة درك أسفل؟ أترنح كركَاب السفينة، أتمايل كراقص على إيقاع أغنية حزينة، أتهادى، أخرّ، أسقط، أهوي، أنساب على الحصير كالدمع…

أحيا بالهلاوس، عالمي جنون معقلن، متناقض حتى الثمالة، أنظر إلى الظل قبل صاحبه، لطالما وجدت معاني أخرى في الانعكاس. تبكي الزهرة ألم شوكها لونا جميلا، والفراشة ترفرف هاربة من موت يطاردها بعد حياة الشرنقة، السماء ترثي حظها، الأرض تتعرق تعبا، زهورا وربيعا، والشاعر المجنون يعتقد أن الوجود جميل، وأن الله سخر له كل شيء لينظم قصيدة شعرية، مثل دودة تعتقد أنها محور الكون لأن الله سخر الجثث غداء لضمان استمرارها. ربما الجمال يخرج من رحم المعاناة!؟ لكن الشاعر لا يغير ذرة في عالم مادي حتى القحولة.

المذياع المعطل على حائط المبكى وسط البيت المقدس (بيت الوالد) يعاكسني، ينتزعني من براثن الخيال، يتمشقُني من مملكتي الوهمية، وينشد:

رضابك نبيذ حديث

عتقيه في كنيستي المهجورة

بالرغم من الحرس المتآكل

والسور الذابل بالسجائر

ورائحة النوم والخمر بين النواجد

علامات  الإيمان لا زالت ناصعة

على نوافذ الدير والموائد…

لا نساء لا بكاء، وأنهى المذياع مرافعته أمام المحكمة. الأواني النحاسية شاهدات في القضية، وعلى عصر ذهبي عاشته الأسرة قبل خروج هادس من صلبها. شارب والدي الباشوي الثائر على إطار صورة معلقة في البهو، دليل (باطل) على إمبراطورية عظيمة.

كانت الأمور بخير، يقوم الشعب/العائلة لصلاة الفجر، يتصدق من قليله وكثيره، يتقرب للسماء بالهبات، يتعبد بتكفير الآخر، يعتقد بامتلاك الحقيقة، إلى أن وقعت الكارثة، نسي الوالد دعاء الولادة…خرج الوريث غير الشرعي لهادس، هادس الطفل من صلب أسرة ورثت الأنبياء. ساد العهر والقهر،  أمر الله مترف العائلة، فحق عليها القول. سهوا، كنت المترف واله الجحيم وإبليس في نفس الوقت. شمعة لعينة لم أسمع أنينها، انفجرت قنبلة، شبت دموعها في الحضارة، مات الجميع، إلا الميت الخالد.

القليل من البن قادر على إزالة آثار الحب في مخيلتي كما يزيل اللبن الثمالة من رأس السكير، وهم فقط، الحب يعلق بالفؤاد كالعلكة في شعر مجعد، الحل هو اجتثاث الشعر من أعماقه…

تتعقبني والدتي بنظرة حزينة، تحاول تكسير الإطار الذي يسجنها كصورة معلقة على الجدار، تهمسُ لطَيفِ والدي الشبيه بحمو رابي (ذكرته لأبدو مثقفا)  المتجول بين الأشياء: “دمرناه بموتنا”. بدأت الأشياء تتداعى حولي، الملاعق، الشوكة الصدئة، الصحون العتيقة…تتحول كعصا النبي لتبارز توازني العقلي.

لابد أن أتحرك، البيت محاصر بالذكريات، أخشى تسليم نفسي للتيه، الذكريات أمامي والخمارات خلفي وما لي والله إلا الفرار، لست مجنونا لأحرق سيارة أجرة قادرة على إخراجي من العذاب، لا أثق في المؤرخين، لست سلطانا ولا معارضا، ولا مبعوثا لنشر الدم في دكان جزار. مجرد زبلبولي تلقف عشرة وصايا من مجموعة منبوذين، يحاول التخلص منها قبل أن تستيقظ ذاته. وسوسات الشيطان التي أرتديها تذكرني بالأمس، قميص وسروال قصير، تأخذني من بين ذراع الحاضر العبثي إلى سجن أفكار منتهية الصلاحية. أخدت مطرقة، دمرت مرآة أخرى استعملتها إحداهن ذات ليلة حمراء، لازالت تفاصيل جسدها منقوشة فيها كَتمثال عين الفوارة، هشمتها أجزاء صغيرة. بحثت بعدها عن مفاتيح السيارة، فوق التلفاز، بين رف كتب، خلف الثلاجة، في صندوق أمنيات، وسط حذائي، في سلة مهملات أغلب أزبالها عوازل طبية وقناني زيت (زنيبر)  فارغات، على سجادة الصلاة…لم أجد شيئا. قبل أن أحطم ذاكرتي بالمطرقة، تذكرت أنني لا أملك سيارة.

عند باب المنزل، راودني المنطق عن جنوني، أضرمت النار في أطلال المنزل، حرقتُ كل ما يربطني بجريمتي الأولى، آخر شيء بدا لي، عين أمي تدمع وسط اللهب في الصورة الجدارية. سأحرق نفسي قرباناً لهادس الأكبر، ولأنها تمثل الماضي المعذِب، فهل سأمتلك الشجاعة؟

انطلق الصوت القاتل مرة أخرى ليملأ جرح السؤال:

كوردة المقابر

كدمية المجانين

ستظل تكابر

ويبقى الحنين

كعصفور مغامر

يشذو لحنا حزين

كشغف المقامر

ودهشة الجنين

يبقى السؤال الكافر

يتملكك كشيطان لعين:

ما الحياة…؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*