الرئيسية | دار النشر و التوزيع | صيدنايا ” | الشاعرة الكردية خوناف أيوب

صيدنايا ” | الشاعرة الكردية خوناف أيوب

خوناف أيوب /كرديّة من سوريا.

منذ طفولتي تخيلت زواياها المعتمة،

وكرهتها ….

قالوا إن خالاي هناك

قبل أن تلحق ذاكرتي حفظ ملامحهما أو أن أعرف ماذا يعني السجن.

دمع أمي

شرود أمي

حزن أمي

عيناها اللتان بقيتا تسافران مع كل طيف

عيناها الخضراوتان كانتا تطفوان كـغابة فوق الموج

عيناها اللتان عانقتا البكاء لأعوام وأعوام

كانت أمي تطير كل ليلة بروحها

لهناك لصيدنايا …

حيث أخاها يرسمان الأجنحة داخل قيد !

حيث ينقشان إمرأة ترقص حافية على لوحة سوداء

ستعلقها أمي في بيتها

ذات فرح

ذات احتضان

ذات إفراج …

أمي التي لم ترتدي ابتسامة لسبعة أعوام

كانت تردد وهي ترتب حبل الغسيل :” صيدنايا “

وهي تذيب السكر في الشاي : “صيدنايا”

وهي تضع الزيت على النار : “صيدنايا”

وهي تُلبسنا ثياب العيد ” صيدنايا “

فينتهي العيد لتسقط ألعابنا من يدنا ونحن صغار

لنعرف أن في البلاد حفرة كبيرة أكبر من البلاد اسمها : ” صيدنايا “

حيث مصيدة البشر تحت الأرض

يعلو الصراخ صداه

صراخٌ ثانٍ يجتز الحديد ليئز الرصاص وهو يثقب قلباً ما.

قلباً ما لرجلٍ ما حين قال : “ها أنذا “

كتمت الطلقة بيدها على فمه ذئاب مقيدة ديدانٌ

تطير لتحت ثيابك تأكل لحمك

وأنت مقيد تدخل لدمك تشرب منك تخرج وتسير أمامك

وأنت ماتزال مقيداً تصرخ كـمجنون بل مجنون

أنت هناك نعم جنونٌ جنونٌ ذاك المكان.

السجان هناك بشع يده متسخة، قبيحة

مهترئة الخطوط دون لون ثيابه ممزقة

أنه يضربك بقوة يشتمك بقوة

يقتلك ببرودة

يرميك لعتمة شديدة

 يقفل عليك الباب وينام يتوسد المفتاح

يقتل فيك الغد وينام يخطط لغد أولاده يعصر جسدك وينام .

جسدك الذي ربته أمك وهي تبتسم للقمح.

مجرمٌ ذاك الذي اسمه السجان.

صيدنايا أعرفكِ جداً

أنت الواقفة طعنةً من أجساد مقطعة في حنجرة ألف ألف ألف ذاكرة وألف جيل . حفرة … تتقيء ألماً صدور مفتوحة

تنزف التراب من مات فيكِ مات عظماً

فأنت تأكلين اللحم من خرج منكِ، خرج جلداً

فأنت على بابك تبتلعين العظم

صيدنايا وقفة صمت طويلة

يتحنط الحلم من ذاكرة السوري

كلما سمعها الناجون من الجحيم

يتألمون بديمومة الأبد

ويسرحون حين يقصون لك حكاية كرسي الموت

ويقفون عن السرد يصمتون ..

يحدقون إلى النافذة ينسونك ..

يهرولون للنور الداخل

يمدون أناملهم للضوء للنسيم للعصافير على الشرفة

يعودون إليك

يلمسون وجهك

يتلمسون أجسادهم

يدمدمون : ” أحقاً خرجتُ وأنا حي غير ناقص يدٍ أو قدم أو رأس ؟؟

” لا ناجي أكمل حكايتها لا ناجي يصدق بأنها انتهت منه !

يد الباب فيها مشنقة الخبز

قد أكلتها الجرزان

والجلاد قبلك في المنفردة

تسمع كل شيء ذئب أخر على بعد متر منك يُقطّع ..

تضع أذنك على الحائط

ترى قلبه كيف يمدّك بـ ” الموت حياة هنا “

تسير على رأسك في سماء الزنزانة

يعلقون الرجال بأرجلهم ليمضي الرأس نحو اليمين واليسار

أوكسجين أوكسجين رغم حصاد الحياة

يلفّون الرجال عراةً ثم يكسرون الأقدام ليكون المشي إلى الألم حبواً

صيدنايا جدرانها المقطوعة اللسان

إن حكت يوماً ستغلق السماء مسمعها

لا طير يحلق فوق تلك البقعة الأرض الملوثة

ازدحام أرواح تصعد وتصعد وتصعد يا ألله

صيدنايا أعرفك جيداً

أنت طعنة البلاد الأولى

غرقها وحريقها الأول

رصاصة القتل وأعدامها الأول

خنجرة الذبح والملثم الأول

العصابة والخطف الأول

تفجيرها والقناص الأول

هجرتها كارثتها

وصاعقة الكهرباء الأولى

حادثة سيرها الأولى

التي أودت بحياة من فيها والقتل القتل القتل الأول

 سوريا دخلت الحرب دون خوف

دخلتها بصمت باستغراب بدهشة من أصواتنا حين كنا ننادي ( سلمية )

فقد عاشت سوريا الحرب مذ عُمّرت صيدنايا .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*