الرئيسية | أدب وفن | الفن | سينما | شعرية اللغة السينمائية: شعرية النص الأدبي والنص الفرجوي السينمائي | عبيد لبروزيين

شعرية اللغة السينمائية: شعرية النص الأدبي والنص الفرجوي السينمائي | عبيد لبروزيين

عبيد لبروزيين

 

لا يمكن الحديث عن شعرية اللغة الأدبية والفرجوية إلا في سياقها التاريخي والأدبي، وفي إطار نظرية الأجناس الأدبية بصفة عامة؛ لأن تحقق لذة النص بلغة رولان بارت، يرتبط بعناصر داخلية (بنية النص) وخارجية (السياق التاريخي والاجتماعي…). واللغة باعتبارها رموزا لغوية وغير لغوية signes non verbaux تشكل مادة الأدبية والفرجوية أو الفيلمية، وهي كائن حي لا تتضح معالمه إلا في أنساق متنوعة ومختلفة.

ولما كانت اللغة كذلك، رموزا وإشارات وصور، فهي تتطور وتنمو وتتراجع حسب الأنساق والبيئة السوسيوثقافية، لذلك، من الصعب تحديد المدلولات بمنء عن العوامل الخارجية للرسالة اللغوية.

لا تتحدد المدلولات إلا في سياق تاريخي معين، أو بعبارة أخرى، لا يمكننا استيعاب أفكار أرسطو طاليس إلا بفهم بنية المجتمع الإغريقي في القرن الخامس قبل الميلاد، والقصد أسلوب عصر ما أو حساسية جمالية لمرحلة تاريخية معينة، لذلك ينعت بعض الدارسين مثلا المقومات الجمالية الأسلوبية لحضارة أو حقبة ما بالشعرية، ومثال ذلك قولهم “الشعرية الإغريقية” و”الشعرية الرومانية” و”الشعرية العربية”…إلخ.

أما المقصود بالسياق الأدبي فله ارتباط بنظرية الأجناس الأدبية، فنقول شعرية الرواية والقصة والمسرحية…إلخ، أي الخصائص النوعية التي تشكل معالم كل جنس أدبي على حدة، ولكن هذه الأجناس مرتبطة بالتيارات الأدبية التي تحدد معالمها الجمالية مثل التيار الرومانسي والواقعي والتعبيري…إلخ.

وبناء على ما سبق فإن النص الجميل – سواء كان أدبيا أم فرجويا – من وجهة نظر رومانسية، هو النص الذي يعكس عوالم الذات الفردية، والذي يجعلها تتفجر في ثنايا النص، ليصبح النص بؤرة لتطلعات الفرد نحو ذاته، ووسيلة يكشف من خلالها المبدع عن رؤيته للعالم، بينما يرى التيار الواقعي أن النص الجميل هو الذي يصور العالم وينقل تفاصيله الدقيقة بآلة فوتوغرافية دقيقة، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، ولذلك نصادف بعض الآراء التي تربط الشعرية بالتيار الأدبي، ومن ذلك قولهم: شعرية التيار الرومانسي وشعرية التيار الواقعي…إلخ، ومنه، فجمالية النص الأدبي والفرجوي يحتكمان إلى أنساق متعددة ومختلفة وسياقين تاريخي وأدبي.

ولما كان موضوعنا هو شعرية اللغة السينمائية، فإن شعريتها لا يمكن تحديدها إلا من خلال الأنساق المتعددة والسياقين السابقين، وعناصر اللغة السينمائية، ولأنها كثيرة، فسنركز عل الصورة والجسد لأسباب سنوضحها لاحقا.

سننطلق من أن جمالية السينما مرتبطة بمكوناتها وعناصرها وسنقسمها إلى:

* العناصر الداخلية: السيناريو، الإخراج، اللقطة، المشهد، المونتاج، التمثيل…إلخ.

* العناصر الخارجية: العادات والتقاليد، الدين، الاقتصاد، الثقافة، التاريخ، التيارات الأدبية…إلخ.

الصورة السينمائية

قبل الحديث عن دور الصورة في رسم معالم الخطاب السينمائي، لا بد من التوافق الأولي في تعريف الفن السابع كما يسميه الإيطالي رككتو كانودو، لأن تعريفاته يصعب حصرها، ومن بينها تقديم السينما على أنها “فن وصناعة إنتاج الصور المتحركة”1، وهذا ما يبين أن اللغة السينمائية تقوم أساسا على الصورة، وهو ما نجده عند خالد دقي الذي يعرفها بأنها “لغة تتكلم وتعبر بالصورة أولا وقبل كل شيء”2. كما يقدمها محترفو المهن السينمائية مثل المخرج المغربي الجيلالي فرحاتي بقوله “السينما في نظري صورة قبل كل شيء”3.

نلاحظ أن هذه التعريفات تركز على الصورة السينمائية، وهذا ما يبين دورها ومكانتها في اللغة السينمائية، ومنه يمكن أن نخلص إلى أن السينما هي إبداع بواسطة تلاحق الصور في زمن محدد ومكان معين.

وتعد الصورة وحدة لغوية صغرى في الخطاب السينمائي، فهي التي تشكل اللقطة والمشهد، وبالتالي تشكل المعنى العام للفيلم في علاقته بالسياق التاريخي والتيارات الأدبية، لذلك يقول محمد نور الدين أفاية: “والفيلم بوصفه تفكيرا إبداعيا بالصورة، وكتابة خصوصية تستدعي قراءة ما، لذلك فإن المعنى في الفيلم يتحرك بين الصور والأصوات المكونة للفيلم.. ولكنه يتحدد أيضا بطبيعة الاستقبال الذي يقوم به المتفرج لهذا الفيلم وبآليات الثقافي الذي يشغل فيه وعيه وتصاغ فيه أحكامه”4، الصورة بهذا المعنى معطى للقراءة الآنية وفق شروط محددة سلفا (نقصد الأنساق والسياقين التاريخي والأدبي)، وعليه “لقد أصبحت الصورة اليوم علامة على ثقافة العصر وهي في السينما الموضوع والأداة والغاية”5.

تستوجب قراءة الصورة السينمائية قراءة أفقية وعمودية، أي علاقة الصورة بما قبلها وما بعدها، وعمودية أي في علاقة الصورة ببعض العناصر الآنية مثل علاقة الزاوية التصويرية بالممثل والديكور، ففانوي يرى “أن اللغة السينمائية غير أحادية الشكل تستدعي مجموعة من القوانين الخالصة. تدمجها، تحولها تبنينها:

* السنن الخالصة ويحددها فانوي في:

* حركات الكاميرا (السائرة، الماسحة…)

* تنويعات اللقطات (أمريكية، متوسطة، إيطالية مقربة…)

* استعمالات خارج الحقل الصوتي والتناظر الحقلي.

* تركيب (التغييب، السرعة، التبطيء…)

* أدوات الربط (الوصل، الفصل كالربط بالسواد، الربط المتسلسل..)

* إلى جانب حيل وغدع السينما.

* السنن غير الخالصة:

* الموسيقى

* الكلام (الحوار)

* الإيماءة والحركات

* الملابس

* أدوار الشخصيات

* المواضيع المطروقة…”6

لقد وضع فانوي هذا السنن للفصل بين العناصر الخالصة للسينما والعناصر التي يمكن أن تتقاسمها مع أجناس أدبية وفرجوية أخرى، ولكن، ولما كانت الصورة جزء مشتركا بينهما (السنن الخالص وغير الخالص) فلا بد من قراءة الفيلم باستحضارهما معا، فالملابس والإيماءات والحركات تدخل في الإطار/الصورة، ولا يمكن أن تقرأ هذه العناصر إلا في سياق العناصر الخارجية. إذن، ما الذي يجعل الصورة تعكس بعدا جماليا ما؟؟

إن الإجابة عن هذا السؤال، هو جوهر شعرية اللغة السينمائية، وبالتالي يمكن الانطلاق من عناصر الصورة في حالة ثبات، ورصد كل مكوناتها، الفضاء، الديكور، الممثل، الإضاءة، زاوية الصورة…إلخ، وهي لا تعكس بعدا جماليا إلا في علاقاتها المتعددة، أي في علاقة الصورة بما قبلها وما بعدها، ونظام تلقيها، أي العناصر الخارجية.

كل هذه العناصر (الداخلية والخارجية) تجعل الصورة تكتسي طابعا جماليا، علاوة على انزياح الصورة عن الواقع، أي تناوله بطريقة فنية ومخالفة للمألوف، وهذا هو ما يحقق ما أسميناه بشعرية اللغة السينمائية. وكل هذا راجع إلى جورج ميليس الذي أرسى أسس الفن الجديد باغتراعه للخدع السينمائية والسيناريو والسينما الهزلية والخيالية التي تجسدت في أضخم أعماله “رحلة إلى القمر”.

وبالرغم من أن الشعرية تقوم على خرق المألوف، في الأدب كما في السينما، إلا أنها تعكس العناصر الخارجية بشكل غريب، وذلك أشبه بالمخرج الذي يدرس تقنيات الإخراج ليطلب منه أن ينسى كل ما تعلمه، وهو الأمر الذي عبر عنه محمد نو الدين أفاية بقوله: “إن الفاعل السينمائي داخل سياق أصالته، يلغى ضمن صيرورة فعل الكتابة، لأن حضوره في عملية الكتابة يتميز بوصفه نتيجة ووسيلة لها… تصوغ تفاصيل هويتها داخل ثنايا الصور والحركات والشخوص، وفي هذا المستوى من الخلق يستطيع السينمائي ترجمة ثقافته ولغته وتصوره الخاص للعالم وللحظة التي يتحرك فيها”7.

وخلاصة القول، يجب على النقد السينمائي أن يولي الصورة الأهمية التي تستحقها، وأن يجمع بين العناصر الداخلية والخارجية في التمييز بين الجيد والرديء من الأفلام، وذلك من أجل سينما عربية قوية، في عصر قال عنه رولان بارط بأنه عصر الصورة، ويكفي أن نختم مقالنا بقول الجلالي فرحاتي: “السينما في نظري صورة قبل كل شيء، وأي شخص يريد دخول عالم السينما يجب أن تكون له خبرة بما هو تشكيلي. طبعا ليس كل مخرج رساما، يستطيع أخذ الريشة والرسم بها. لكن يفترض فيه أن يمتلك ذلك الحس الذي يوجد عند الرسام، لا يجب أن نفرق بين الفن التشكيلي والسينما، فكل سينما جيدة لا بد أن تحتوي على مشاهد ولقطات تشكيلية”8


– كيفن جاكسون، السينما الناطقة، ترجمة ع خضر، منشورات وزارة الثقافة، المؤسسة العامة للسينما في الجمهورية العربية السورية، دمشق، 2007، ص 86

2 – خالد دقي، السيناريو السينمائي من الفكرة إل الشاشة، دت، دط، ص: 43

3 – عبد الكريم وكريم، أسئلة الإخراج السينمائي في المغرب، منشورات سليكي إخوان، الطبعة الأول، 2003، ص: 8

– محمد نور الدين أفاية، الخطاب السينمائي من الكتابة إل التأويل، منشورات عكاظ، دت، ص: 25

5 – العلوي المحرزي، المقاربة النقدية للخطابالسينمائي بالمغرب من 1905 إلى 2000، منشورات سايس ميديت، ط1، 2007، ص: 12

6 – عبد الرزاق الزاهير، السرد الفيلمي، قراءة سيميائية، دار توبقال للنشر، ط 1، 1994، ص: 32

7 – محمد نور الدين أفاية، الخطاب السينمائي من الكتابة إل التأويل، م س، ص 30

8 – عبد الكريم وكريم، أسئلة الإخراج السينمائي في المغرب، م س، ص 8

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*