الرئيسية | سرديات | زوابع الصمت | ليلى عبدلاوي

زوابع الصمت | ليلى عبدلاوي

ليلى عبدلاوي

عند الظهر دخل البيت كعادته يسبقه كلام بصوت مرتفع، تأخرت قليلاً في فتح الباب لأنها لم تجد فردة الحذاء التي كانت مقلوبة تحت الأريكة، دخل وهو يسبُّ ويلعن، دخلت المطبخ تُعِدُّ الطعام في صمت، تشعر بانقباض في صدرها، لم تكن تجد سوى الصمت تقابل به صراخ زوجها الدائم، كان في فظاظته اليومية كالثور يهيج لأتفه الأسباب، متخذًا إياها فريسة يصبُّ عليها جام غضبه، وخيبة أمله في حياة كان ينتظر منها الكثير، لم يكن يشعر بأثر كل ذلك على نفسيتها المرهفة، وطبعها الحساس،  طبيعته الفظة وغلظ قلبه، ودمامته،صفات أبعدت كل الناس عنه بما في ذلك إخوته وأخواته وأفراد عائلته القريبين والبعيدين، بل إن أولاده أنفسهم كانوا يتحاشون الإصطدام معه في النقاش، ويؤثرون البعد عنه ما أمكنهم ذلك، فكأن في لسانه شواظ من نار، يحرق كل من يقترب منه، وفي حدة كلامه وعلو صوته سدٌّ يقطع الطريق أمام كل من يحاوره، كلامه يعلو دائما، ليس بالحق ولكن ظلمًا وعدوانًا..

قادتها عفويتها إلى أن تسأله ذاك الصباح: متى تنوي استدعاء عامل الصباغة ليطلي الجدران؟ بهتت وأسقط في يدها، وهي تسمع رده العنيف: دعيني أرتاح قليلًا من عناء العمل، أتظنين أني حمار لا يتعب؟ ثم غادر الغرفة وفي فمه سيل من الشتائم، والكلمات القذرة، لم تجبه، فقد آثرت الصمت؛ لأنها كانت تعرف أنه سيحتد أكثر، فيكفهر جو البيت ويستاء الأولاد ويكتئبون، ويسترق الجيران السمع من وراء النوافذ شبه المغلقة، ليتخذوا الخبر موضوعا لذيذا لأحاديثهم. لم تكن تلك هي المرة الأولى التي تقابل شتائمه ووعيده وتهديده بالصمت، فقد أصبح ذلك ديدنهامنذ سنين. كانت تظن الزواج مودة ورحمة، فوجدته خاليًا من كل أثر لهما، بل إن شرطًا مهمًا بالنسبة لها لم يكن له وجود منذ البداية وهو الإحترام الذي كانت تحتاجه كالماء والهواء، ورغيف الخبز؛ اعتداء شبه يومي على آدميتها تقابله،  بساعات من الصمت، ثم لا تلبث أن تسامح، وتعفو، وتحاول أن تتعايش مع هذا النصيب، ليس من أجله أو من أجلها، ولكن من أجل أولاد أبرياء يحتاجون أن تستكمل بهم السفينة إبحارها نحو بر الأمان،  لكنها هذا الصباح، أحست أن شيئا ما قد تمزق بداخلها، أحست أن جانبًا منها أخطأه نور الصباح، كانت سواء فتحت عينيها أم أغمضتهما لا ترى إلا السواد؛ اندهشت للأمر، فتحت النافذة، لا وجود للنور، ترى أين اختفتْ الشمس؟ حاولت أن تنادي أحدًا، لا أحياء في الحي، كأن المدينة تجمدت بمن فيها، وتحولوا جميعهم إلى تماثيل خرساء، حاولت أن تصرخ فخذلها صوتها، صمتها الطويل قد ألجم حبال صوتها وأعجزها عن الكلام، عادت إلى مكانها وهي تعلل نفسها أن ما تعيشه حالة مؤقته، وأنها لا محاله ستعود إلى طبيعتها، أخذت دموعها تنهمر في سكون، ثم تحولت إلى نحيب متقطع، فعويل يشق الجدران، توجهت إلى حيث الماء، توضأت وجلست تصلي بلا صوت، والدموع تبلل سجادتها،  وعند أصيل اليوم التالي، اتجه صياد القرية المطلة على البحر إلى مخفر حراسة الميناء حاملاً في يده حذاءً نسويًا، وحقيبة يد تحتضن أوراقا رسمية ومبلغًا زهيدًا من المال..

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*