الرئيسية | منبر الموجة | رائعة “عزوزة” للروائية المغربية الزهرة رميج | رحال لحسيني

رائعة “عزوزة” للروائية المغربية الزهرة رميج | رحال لحسيني

رحال لحسيني

 

الرواية، الروائية.. والكاتب الراحل محمد البحتوري!

     الراحل الأستاذ محمد البحتوري يحمل لي مجموعة من الكتب أحدها رواية “عزوزة” لـ “الزهرة رميج”؟ وبصيغة ما يقول:

– الزهرة رميج (باختصار شديد) كاتبة مغربية لها صيت قوي، روائية مرموقة تحظى أعمالها بنصيب وافر من المتابعة. تناولتها عدة بحوث ودراسات وطنيا و”بالعالم العربي” وتم تنظيم ندوات وحفلات توقيع كثيرة لأعمالها.. وتمت ترجمتها لعدة لغات (الفرنسية، الإسبانية، الإنجليزية.. وحتى البرتغالية).

– ………..

– ما رأيك .. أو.. يجب تنظيم حفل توقيع لأعمالها (هنا).. روايتها “عزوزة” ستحقق رقما قياسيا في القراءة. واسترسل بصوته الخافت (نسبيا) والعميق (كثيرا) يحكي…

ثم عرج على مشروعه الثقافي البهي المتمثل في التعريف بالكتاب والفنانين والمثقفين المنتمين للمنطقة أو جذورهم منها أو سبق لهم الانتماء إليها أو لديهم صداقات أو علاقات معينة مع مدينة الشهداء أو تاريخها أو أبنائها… والذي قام في سبيله بما أسعفه العمر أن ينفذ منه.

***

     الراحل الأستاذ محمد البحتوري قام بالتعريف، وبمحاولات تعريف كثيرة، بعدد من الكتاب: روائيين، شعراء زجالين وفنانين تشكيليين، نحاتين،… وعمل على تسليط المزيد من الضوء على إبداعات “المعروفين منهم” كثيرا أو نسبيا وكذلك على إبداعات بعض “المغمورين”، منهم من كانت أو لازالت “مشاريعهم” لم تر النور.

كان لي نصيب من كرمه الثقافي والإنساني الوافر، رغم تفاعلي المحدود مع ورقته التعريفية (بي) وتكاسلي في الإجابة عن أسئلتها ومده بها في حينه. كما لم يتجاوب آخرون -من داخل وخارج المدينة- بالسرعة المنتظرة منهم مع مثل هذه الورقة الخاصة بالمعطيات الأولية، حتى يشتغل عليها أكثر !!

“من أين أبدأ ؟”

“ماذا سأكتب …؟”

أسئلة محيرة (!) خصوصا مع انغماسي حينها في مجالات أخرى (محليا) تبتعد عن الإبداع في وسائل ممارستها وأهدافها الظاهرة رغم التقائها مع الإبداع ومنطلقاته وأفقه العام (ووسائله حتى..) إذ ظل محركا ومحفزا على الانخراط في كل تلك المجالات وفي التعاطي مع تقنياتها وتفاصيلها ومحرضا على المساهمة الدءوبة في تفعيلها وتطويرها.. – حسب المتاح -!

لم يترك معظم الذين سمع أو التقى بهم من المبدعين -تقريبا- إلا وحاول وعمل على التعريف بهم. ناهيك عن سعيه الحثيث لمد جسور التواصل بينهم. وخص بذلك ثلة من “المبدعين” في مستويات متعددة من خارج وداخل المدينة والمنطقة. فضلا عن مساهمته في بادرة لم شمل المبدعين والفنانين المقيمين بوادي زم “جمعويا” التي لم تر النور لأسباب متعددة.

بالموازاة مع ذلك استمر في إنجاز عدد من مشاريعه الإبداعية والثقافية الغزيرة بشكل متواصل، كأنه يسابق الزمن ولعله كان كذلك فعلا، لأن “العمر قصير جدا” !

***

” كيف لم أسمع من قبل.. وطيلة كل هذه السنين بهذه القامة الإبداعية الشامخة..؟ “

الجواب المنطقي والطبيعي هو:

” الانشغال المؤسف عن المواكبة والقراءة والإبداع في السنوات التي خلت !”.

***

الصفحة ماقبل الأخيرة من “عزوزة”..

 قمت بإيقاف القراءة لتعطيل زمن إنهاء الرواية لبعض الوقت لتفادي تأثير نهايتها التي حملتني في أثرها على إعادة قراءتها من جديد، خصوصا وأني لم أستطع اختراقها لأول مرة – منذ سبع سنوات خلت- بالسلاسة المنتظرة. بسبب الأجواء غير المساعدة على القراءة، الخارجة عن إرادة النص.

الأمر الذي لم يتأت إلا عندما “عاد الصديقان إلى الخيمة الكبيرة في ساعة متأخرة، تمددا فوق الفراش…” فانسابت مثل الشلال المنهمر، منذ تلك اللحظة، وأيضا، وبشكل أسرع عند بداية قراءتها من جديد.

ربما لأنها ستكون اللحظة الفارقة في حياة “عزوزة” رغم عدم علمها بتفاصيل ما راج بين أخيها وصديقه تلك الليلة بشأنها. لكنها ستكون بداية لحياة أخرى اختارتها رغم ماطبعها من قساوة وصراع وتحدي.. من الرماد إلى الرماد، من الرماد الذي تمرغت فيه ضد زوج مفترض رفضته.. إلى رماد الموت حزنا على زوج أحبته رغم كل شيء.

تفاديت قراءة ما توفر من قراءات نقدية منجزة حول الرواية إلا من بعض الانطباعات العابرة –كذلك تفاديت قراءة ماكُتب حول رواية “أخاديد الأسوار”- حتى لاتؤثر على قراءتي لها، لأكتشف بدوري السّر في كل هذا الإقبال عليها. فجاءت تحفة أدبية رائعة، سَلسة ساحقة للتعثر الناتج عن الابتعاد لفترات عن القراءة.

إضافة إلى أجوائها التي تُدون بشكل ممتع لحقبة من تاريخ البادية (والاستعمار، المقاومة، الحب، الوشم، المواخير، السحر المقزز، عبيدات الرما، العلاقة بالفرس… الخ) والخيمة التي قد لا أكون انتشيت بتفاصيلها إلا من خلال ذاكرة جماعية يفتك يها وبمثيلاتها وتدريجيا مع توالي الأجيال والسنين عدو جامح اسمه النسيان إثر تغيّر الاهتمامات والحقب.

***

       ممتن لصديقنا المبدع الراحل.. هذا الإنسان الطيب والهادئ الذي غيبه الموت في لحظة تاريخية فارقة لم تسعفنا الانتباه لقيمة ما فقدناه في ثنايا وهجها.

لم أتذكر كيف أصبح “صديقا ثقافيا” ولم أعلم بخبر وفاته إلا بعد أيام منها، عقب التسرب البطيء لهذا النبأ المؤلم.

لكنه ظل محفزا على الحنين إلى المنبع، لأن .. “الإبداع أبقى !”

كامل التقدير لهذا المجهود الخرافي، الذي يختمر بالأمل في تدارك بعضا من التأخير المخجل المقابل لما يستحقه الفقيد -بعد ست سنوات ونصف على رحيله- من اعتراف وتقدير، كتتويج لمسار نضالي حافل على الواجهة الثقافية والإبداعية.. في أفق أرحب.

سبق لعدد من المنابر الإعلامية وبعض الفعاليات القيام بمبادرات قد تكون رمزية اتجاهه في حياته وإثر رحيله، لكنه يستحق الأكثر.

***

جميل هذا الاكتشاف الروائي الرائع بعوالمه التي تسرد وترصد فترة مهمة من تاريخنا وجوانب عميقة لشخصيات متميزة وعيّنات من أناس وعلاقات إنسانية بسيطة ومركبة متشابكة في نفس الآن، سادت مرحلة تاريخية أثرت ولازالت مؤثرة في جوانب من حاضرنا. ومستمرة بأشكال متنوعة ضمن متغيرات تبدو كأنها جذرية تامة قد طالت المجتمع باختلاف الظروف والمعطيات الاجتماعية والثقافية والسياسية..؛

على الأقل في هذه المنطقة التي ترصدها الرواية وتنسج وتعيد صياغة أبطالها وحكايتهم، وتدور أحداثها في أجوائها بلغة ممتعة تشد الأنفاس بتقنية سرد سينمائية رائدة تُمكن من مشاهدة وقائعها ساطعة تكاد الحروف والكلمات والجمل والفقرات أن تتوارى في حضرتها وتتوارى فعلا لفائدة العيش بَينَ وفيِ ثنايا وأعماق شخوصها.

 

الدار البيضاء، في: 12 غشت 2017

  • هوامش:

    1. رواية “عزوزة”: الطبعة الأولى 2010

    2. الزهرة رميج: كاتبة روائية مغربية تحقق أعمالها الأدبية أعلى نسب القراءة.

    3. الكاتب والناقد التشكيلي المغربي الراحل الأستاذ محمد البحتوري: توفي مطلع سنة 2011 من مؤلفاته رواية “شجرة النجد” (1- وادي زم ثمة راس الهم).

    4. “عاد الصديقان إلى الخيمة الكبيرة في ساعة متأخرة، تمددا فوق الفراش..”: مقتطف من الصفحة 22 من الرواية.

  • “ضد الصمت والنسيان قراءات في رواية أخاديد الأسوار للزهرة رميج”: كتاب لمجموعة من المؤلفين يضم عدد من الدراسات حول رواية “أخاديد الأسوار” للروائية الزهرة رميج.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*