الرئيسية | موسيقى | دراما ” تريستان و إيزولده”: تباشير الحداثة الموسيقية III | محمد العفو

دراما ” تريستان و إيزولده”: تباشير الحداثة الموسيقية III | محمد العفو

محمد العفو

ناقد موسيقي و باحث في الفلسفة

بعد الملخص الوجيز لمشاهد درما “ترستان و إيزولده”، يظهر أن المشاعر الفياضة والتوتر بين شخصيات هذه الدراما يتطلب رؤية موسيقية قادرة، ليس على ترجمتها، و لكن قادرة على أن تكون ذاتها الحدث الوجودي والمصيري لترستان و إيزولده و القيم التي يناشدانها، من منطلق الموسيقا قبل الشعر و قبل الحركة. فهل ستكون تلك الرؤية مفتاح آفاق الموسيقا الحداثية؟

دراما ” تريستان و إيزولده” موسيقيا:

المازورات الأولى من ” تريستان و إيزولده”.


إن أي حديث موسيقي عن ” تريستان و إيزولده” ليس حديثا هينا، فهو تعترضه عدة صعوبات. تقود الدراماتورجيا التحليل الموسيقا في أوبرا l’Anneau du Nibelung، بينما لا نجد أي تشابه لذلك في “تريستان و إيزولده”. لدينا هنا فعل ما في هذه الدراما، لكنه بالضرورة داخلي غامض مرتبك و مضطرب.

غير أنه إذا كانت الخطاطة التقليدية لهذه الدراما مبنية على التعارض الصديق/ العدو، فإن ذلك يتوافق مع المدونة الموسيقية. إن تَحوُّل الفعل في لاوعي الشخصيات يجعل الاتفاقات صعبة: من جهة أولى بين تريستان والواقع، و من جهة ثانية، بين تريستان – إيزولده و مارك. و يتجسد موسيقيا في التقابل بين السلم الملون واللحني الذي وظفهما فاغنر بتفاوت جد واضح.

إذا كانت “تريستان و إيزولده” إبداعا جديدا و تنويعة رومانسية لخرافة من الحضارة السلتية، فبفضل حرية الابداع السائدة حينها. إذ حوَّل فاغنر الخرافة القروسطية إلى دراما نفسية لبطل من القرن 19م، وركز على صورة الفنان الذي يعيش شقاقا بين عقله والعناصر العاطفية والحدسية لروحه.

إن الحجة التي يطورها فاغنر في هذه التحفة، أن الطريق المفتوح أمام الحب هو الليل. ليس الليل الحالك الذي يسدل على العاشقين والذي يراعي الكتمان والمواربة و إخفاء العواطف، و لكن ذلك الليل الذي يهرب من الإكراهات اليومية، والنظام والنسق والواجب والتعهد والفريضة والالتزامات القانونية والشرعية و من القياس والمقدار والميزان و كل المقتضيات والضروريات والاحتياجات التي تضغط على الانسان. و يتجسد هذا الانضباط في الخروج عن المقامات الموسيقية القياسية، التي ما فتئ فاغنر يلجأ إليها على طول هذه الدراما.

يقول فولفغانغ زاندنر، خبير فاغنر وناقد موسيقي: إن ” كارل ماريا فون فيبر تمكن من خلال أوبرا “أويرانتة” تغيير بنية الأوبرا التقليدية القائمة على السردية والأنغام، إلى بنية ملحنة تماما”، و يضيف قائلا: إن ” فاغنر تبنى بدوره الفكرة وجعلها المبدأ الذي تقوم عليه دراماه الموسيقية”. غير أن عند فيبر، كما عند غيره من الملحنين تكثر اقتباسات الذاكرة الموسيقية، بينما صنع فاغنر من هذه العودة الهارمونية الموسيقية رباعية “الخاتم” التي أطلق عليها تسمية ” الفكرة المهيمنة”. و فكرة هذا العمل الكامل تجمع ” بتناغم ساحر بين الموسيقى والرسم والمسرح والرقص والشعر والصوت. إنها بالفعل النبض الحقيقي لمختلف أنواع الأوبرا منذ الأزمة التي عصفت بها مع مجموعة كاميراتا فلورنسا حوالي 1600م”.

إذا عدنا إلى المازورات الأولى، نجدها تسمح بفهم كل ما سيليها على مدار أربع ساعات أو خمسة، حسب قيادة برنشتاين الذي تورع في احترام الأوقاتles tempos البطيئة لفاغنر. ففي عدد قليل من النوتات قيل ما هو جوهري و معقد في هذا التحفة الغنائية.

من النوتة la عالم تريستان إلى mi عالم إيزولده للوصول إلى si، يتجسد مجال النرفانا. منذ بداية الدراما يشير فاغنر إلى هذه النوتات المفتاحية التي سيعطيها حلا في التوافق الأخير. تبدأ la الفيلونسيل بهذه الدراما؛ و mi مشار إليه بإلحاح و si هي نوتة موضوع الرغبة.

في قفزة من السادسة الصغيرة “ la – fa” للفيولنسيل، تبدأ الدراما في غنائية عميقة بفضل هذه القفزة الحزينة والسوداوية التي تصدر من رنين و جهورية الفيولونسيل. تم بعد mi نصل إلى التوافق الأكثر شهرة في تاريخ الهارموني. و قد أكد فاغنر حزن هذه القفزة، في هذه المازورات من خلال السلم الملون الذي يدل في الموسيقا الكلاسيكية على الألم والسوداوية، و ما هو غريب وغامض.

و إذا كان الكروماتيزم البطيئ والنازل يسمح بتصوير السقوط والألم، فهو عند فاغنر في حركة صاعدة، تُربط كثيرا بمعاناة تريستان، لأن الأمر يتعلق بالرغبة التي تكف عن الصعود لتعود إلى النزول كروماتيكيا تم الصعود مجددا، إذ ذاك نشعر معه بالألم. فإذا كانت الرغبة اشتهاء للحياة فهي أيضا ملهمة الموت التي تحضر في الليل لإنهاء العذابات والجراح، و هذا هو أمل تريستان. و قد أشار فاغنر إلى ذلك في توضيحاته في كراس تريستان 1854م.

يستعمل فاغنر اللغة الموسيقية الكروماتيكية للدلالة على العالم الحدسي و اللاواقعي، واللغة الدياتونيكية العقلانية للدلالة على العالم الواقعي. عن طريق هذا الجدل العلائقي بين اللغتين، يبدع فاغنر عالما صوتيا يكون فيه المشاهد قادرا على أن يشكل صورة للحالة النفسية لكل شخصية. نقول إذا، إن الرغبة موجودة مسبقا في التعبير الموسيقي و منذ الاستهلال، أي قبل شراب العشق في الفصل الأول.

لكن من جهة أخرى، بين جملة النزول و جملة الصعود الكروماتيكيتين، يوجد توافق أصبح خرافيا في الهارموني الحديث، إذ هو تآلف لا نغمي. مثَّل هذا التوافق مصدر إلهام للمؤلفين الذي جاؤوا بعد فاغنر. ففي عيونهم يبدو هذا التآلف نموذجا على تفكك اللغة الموسيقية الكلاسيكية.

يمكن أن نقول إن هناك جوهر آخر ارتباط بترستان في هذه الدراما غير إيزولده. إنه من طبيعة صوتية. وقد درج محللو هذه التحفة على تسميته باسم خاص، إنه ” توافق تريستان”.

” توافق تريستان”:

إذا اعتبرنا التيترالوجيا فإن ” تريستان و إيزولده” مشروع مجدد من الناحية الهارمونية. إن الكروماتيزمية، القائمة منذ الاستهلال، تدفع إلى منعرج في تاريخ الموسيقا الكلاسيكية الغربية، إنها نقطة اللاعودة في الموسيقا اللانغمية. لكن ماذا عن التآلفات، هل يعنى ” توافق تريستان” نهاية الموسيقا الرومانسية و ميلاد تباشير الموسيقا الحداثية؟

إن ” توافق تريستان” هو أول توافق في دراما ” تريستان و إيزولده” في المازورة الثانية. و لكونه يتألف (من اليسار إلى اليمن) من: fa, si, ré♯ sol،فقد أثار جدلا بين نقاد و محللي الموسيقا، عندما بحثوا عن موضع له في النظام النغني و حسب قواعد الهارموني التقليدية.

أعد هذا التوافق محيرا في أول عرض 1865م، فهو توافق جسور و متهور وجريء ووقح. و في نفس الوقت هو توافق مجدد و مبدع و مبتكر. و مع ذلك، وجد توافق أقدم منه منذ عصر النهضة على الأقل: fa الصغير السابع مع الخامسة الناقصة (fa, do bémol, mi bémol, la bémol).

وظف توافق تريستان كل من دفوراك  Dvořákفي تحفته ” قداسة” على  الكبير op. 86 المازورة 219؛ و سكريابين  Scriabineعدة مرات في الحركة الأولى من سونتاه الرابعة للبيانو؛ و ديبوسي  Debussyفي Golliwog’s Cakewalk؛ وغيرهم.

من الذي اهتموا به تحليلا ناتيي Jean-Jacques Nattiez، الذي استخرج أكثر من أربعين تأويلا مختلفا له. إذا لم تكن كلها خاطئة كليا فهي لا تقنع كليا.

لا نبحث عن تحليل آخر لهذا التوافق، و لكن نود إعادة انتاج سيرورة تأليف هذا التوافق مع و ضع العناصر الأسلوبية الفاغنرية له.

إذا كانت fa هي الأساس فإن الرابعة زائدة والسادسة زائدة والثانية زائدة. غير أنه يمكن أن تكون la هي الأساس. بالتالي فإن المقام إما fa الصغير أو faالكبير أو  la الصغير أو la الكبير! و هذا أقل تقدير. و نظرا لتأرجح التحليل بين الصغير والكبير وصف مايربيجي  Mayrbergerهذا التوافق بالمخنث.

هناك من محللي هذا التوافق من انطلق من القاعدة التي تبنى عليه القفلة. من المعلوم أن هناك أربعة أنواع من القفلات الموسيقية و سنكتفي بذكر القفلة التامة والناقصة. فالقفلة التامة تستخدم الائتلاف الخامس ثم الأساسي، حيث تهبط نوتة الباص خمس درجات. أما القفلة الناقصة تستخدم الائتلاف الرابع ثم الأساسي حيث تهبط نوتة الباص أربع درجات.

يمكن القول إذا، إن القفلة التامة مؤلفة عامة من ثلاثة توافقات: توافق مهيئ و هو توافق وظيفي و توافق على النوتة تحت السائدة، يمكن أن يكون الثانية أو الرابع و ناذرا ما يكون على السادسة، متبوع بتوافق للتوتر له وظيفة سيادية هو الخامس يحلل إلى توافق نغمي على الدرجة الأولى. من خلال هذه القاعدة يمكن بناء عدة أنماط من القفلات.

أما القفلة الناقصة أو نصف قفلة هي قفلة كاملة مبتورة و مجذوعة من الحل. تترك المستمع معلقا على توافق السائدة، حيث ينتظر عادة استدعاء نغمة القرار التي لن تأتي. تتناسب هذا القفلة مع هدف الدراما أو حجتها التالية: إن حب تريستان و إيزولده لن يجد كماله في عالم الأرض لن ينهى إلا في عالم آخر هو الموت.

نعلم أنه من التوافق المهيئ يمكن إنتاج أصوات متنافرة، مثل معظم كورالات سباستيان باخ، على الوقت القوي ما قبل الأخير. و في الهارموني الرومانتيقي خاصة سيكون هذا التوافق محط اهتمام المؤلفين، إذ سيمنح له لون آخر بإبدال أحد نوتاته بالزيادة فيها. و هذا ما سيجعل صواتيته قاسية. نجد هذا التوافق على النغمة الثانية بتحويل النغمة الثالثة. إنه واحد من التوافقات المسمى بالتوافق ذي السادسة الزائدة و هو في صيغة الانقلاب الثاني هنا و هو: fa-ré#.

و لكن من جهة أخرى، دون المساس بنوتات التوافقات، يمكن عند الحاجة إلى إغناء الهارموني، إضافة نوتات غريبة عن مقام اللحن مثل الأبوجياتور و نوتات المرور. إن الأبوجياتور قد طبق مع التوافق بإلحاح، فغُير إدراكنا للهارموني بما أنه لا نسمع التوافق الأساس، إذ نسمع توافق مع نوتة أو أكثر من “نوتة خاطئة”fausse note ، يمكن أن تحل هذه النغمات غير المستساغة بإحلال نوتة صحيحة تعطي نغمة التوافق الأساس. لكي تبقى البنية النغمية مقبولة للأذن، يختار المؤلفون الموسيقيون بين الإغناء الهارموني بتوافقات تبدلية و الإغناء بالكونتربون بإضافة نوتات غريبة، و هذا ما يخلق أصواتا تنافرية والتوتر في كلا الحالتين. و لكن ضربة فاغنر ستجمع ما بين التقنيتين ما سيشكل صواتية مختلفة لتوافق تريستان: يتعلق الأمر بتطبيق توافق تبديلي مع تطبيق الأبوجياتور في الآن. و يعود سبب هذا الغنى والتنوع إلى كون فاغنر قد ألف الموسيقا قبل الكلمات. فقد أعطى فاغنر لنفسه حرية مطلقة في التأليف الموسيقا في مقابل الشعر. إذا لكي يتابع فاغنر التصاعد الكروماتيكي للصوت العالي، سنجد أبوجياتورا على التوافق السائد و هذا هو المعتاد.

أما الإبداع الموفق الآخر لدى فاغنر يتمثل في الايقاع. من الطبيعي أن الأبوجياتور القصير والنوتة الصحيحة هي التي تأخذ مكانا أكبر. هنا، (يمكن العودة إلى الصورة أعلاه) الأبوجياتور طويل حتى تنتهي بنا الجملة إلى اعتبار نوتاتها سليمة، إلى حد أننا ننتظر الحل، غير أن ذلك لن يحدث فيصير توافق تريستان كينونة في حد ذاته.

على هذا المستوى تتمايز تحليلات توافق تريستان. هنا يمكن أن نعد صول ديز sol# هي أبوجياتور و la النوتة الصحيحة، و لكن يمكن أن نعد #solنوتة أساسية من المقام والنوتة  laنونة مرور.

و من الملاحظ أنه لا نستطيع تحديد السلم الذي اختاره فاغنر لتأليف دراما “تريستان وإيزولده”، بالتالي لا يمكن تحديد النغمة الأساس و لا القرار و لا طبيعة القفلات و كذلك التوافقات. من نتائج كل ذلك أن يلهم راود الموسيقا الحديثة اللامقامية علاوة على المعاصرة.

زيادة على الايقاع فإن التجويق يسير في نفس الاتجاه بما أن الأبوا الثاني يضاعف نوتة sol. و يمكن اعتبار هذا التضعيف الأدائي بصوت الأبوا، علامة تشديد على هذه النوتة للتوافق العجيب “توافق تريستان” الذائع الصيت والمتهور. لكن فاغنر يتوقف في لحظة حل التوافق و يدفع الهارموني العرضي عن طريق نوتة غريبة و ليس عن طريق قواعد الهارموني الكلاسيكي و على ذلك وصل فاغنر، في المازورات الأولى من دراما “تريستان و إيزولده”، إلى ما وصل إليه.

إن “توافق تريستان”، مع تقنيات تحضيره و حله، يحتوي في أصله منبع مصير دراما “تريستان و إيزولده”. و هنا يكمن سره الخفي، و غموضه و غرابته المقلقة و كذلك طبيعته المبهرة والمحيرة، ذلك هو السر الذي ينطوي على روعة و سحر فريد.

لنلخص عبقرية فاغنر في قليل من المازورات الكلامية. تأكد أن “توافق تريستان” في الاستهلال تكثيف لحجة دارما “تريستان وإيزولده”. إن الكروماتيزية تنتج التوتر الهارموني الذي يصير رمزا للمعاناة العاطفية التي يمر منها تريستان وإيزولده. إن عظّم فاغنر من السلم الكروماتيزمي أو الملون، فقد قلب العلاقة بين الدياتونيزم والكروماتيزم. وهذا لم يكن معتادا في الموسيقا قبل فاغنر. هكذا سيطغى السلم الكروماتيزمي على الدياتونيزمي، سيغدو الدياتونيزم عرضي بينما الكروماتيزمي جوهري. قد يولد هذا أحيانا جفافا عاطفيا بين الشخصيات مثال الحوارات التي تجري بين تريستان و برانغان في الفصل الأول، الذي يخلو من أية مشاعر، لكنه عكس ذلك تماما أثناء تفجير مشاعر و رغبة كل من تريستان وإيزولده.

ثم إن الكروماتيزم الفاغنارية تترافق مع حركات متناقضة. لدينا كروماتيزم صاعد للصوت العالي متآلف مع كروماتيزم نازل للباص والتينور. ينتج عن هذا توتر و أحساس. هذا العلاقة الكروماتيكية في حركة متناقضة ستغدو عناصر مهمة في الكتابة الموسيقية عند ديبوسي على سبيل المثال.

إن هذه الدراما حسب شونبرغ Schoenberg، الذي سينطلق من الكروماتيزم السائدة في تريستان لتأسيس اللانغمية تم الدوديكافونيزم، هي بمثابةمصدر الموسيقا الحداثية، التي ستأثر على موسيقا السينما.

في مقابل دراما “تريستان و إيزولده” نجد درما ” بارسيفال” التي تعكس النخوة والحماس والورع الديني. و قاعدتها الموسيقية، التي يترجم من خلالها الموسيقي فاغنر تلك القيم، هي الدياتنيزم الواضح والكامل. هذا ما جعل نيتشه يرفض كل التحف التي جاءت بعد “تريستان و إيزولده”. فالحياة بدون ألم لا تستحق أن تعاش، و هي مثل الحياة بدون موسيقا. فهل فعلا “بارسفايل” تمثل تراجع فاغنر عن عبقرته؟

ذلك هو فاغنر الرومانسي المتحمس والثوري الذي يعيش ما يعبر عنه تريستان، توبع و هرب إلى المنفى بعد مشاركته في عصيان 1848م. مكت مع زوجته عند تاجر تري، كانت له ابنت أقام معها علاقة طويلة. و في نفس الوقت يكتشف فاغنر فلسفة شوبنهاور التي ستأثر فيه.

يتبع…

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*