الرئيسية | موسيقى | دراما ” تريستان و إيزولده”: تباشير الحداثة الموسيقية I | محمد العفو

دراما ” تريستان و إيزولده”: تباشير الحداثة الموسيقية I | محمد العفو

محمد العفو

 ناقد موسيقي و باحث في الفلسفة

في كل صيف، منذ 13 غشت 1876م، يأتي محبو التحف الفنية التي أبدعها فاغنر 1813- 1883م إلى مسقط رأسه التلة الخضراء بألمانيا، حيث عاش و يعيش أحفاده، للاستمتاع بسماع البعض منها. و تقدم أعماله الدرامية والموسيقية لمدة ستة أسابيع في مهرجان بيرويت Bayreuth بافاريا بألمانيا، على أكبر تقدير. هذا المهرجان الذي أسسه فاغنر نفسه عام 1876م.

يضم برنامج عادة عروض موسيقية عديدة كلها لفاغنر. هكذا يتمكن المحبون من متابعة التحف الفنية التالية: ” تريستان و إيزولده” Tristan und Isolde، ” فالكري” Die Walküre، ” سيغفريد” Siegfried، لوهينغرين Lohengrin، “ذهب الرين” Das Rheingold، ” الطائر الهولندي” Der fliegende Holländer، “غسق الآلهة” Götterdämmerung و غيرها كثير.

و نظرا لغزارة تحف فاغنر و جدتها، فهي ليست فقط استعراضية، فقد استخدمت موسيقاها في مقاطع من الفلم الوثائقي “القيامة الآن” (Apocalypse Now)، في مشهد هجوم الطائرات المروحية. و في أوبرا لوينغرين وظفت بعض المقاطع الموسيقية في فلم ساخر لشرلي شابلين عن هتلر.

بالإضافة إلى متابعة العروض الدرامية لفاغنر يتعرف الحضور على شخصيته من خلال متحف خصص لذلك. في 1945 دمر منزل فاغنر في قصف جوي، و قد تمت إعادة بنائه في خمسة سنوات من الترميم و البناء ليتألق من جديد. يمكن التميز بين ما هو أصلي و ما هو جديد بداخله. في ذات التلة إذا، يوجد متحف فاغنر و هو منزله الأصلي الذي أعد لهذا الغرض للحفاظ على ذكريات الموسيقي الألماني. من الأثاث والقطع المتبقية، مثال: القلم الذي يدون به ونظارته و موقد حائطي و كتب…

يشمل المنزل – المتحف أهم قطعة و هي البيانو الذي اهدته شركة ستانويل لفاغنر عام 1876م. إنه، كما يقول سفين فريدريش مدير المتحف والخبير بأعمال فاغنر، في حالة ممتازة و يستعمل في العروض الموسيقية. عزف عليه العديد، منهم المؤلف فرانز ليست.

و أضيف بجانب المنزل جناح جديد يقدم تاريخ مهرجان مدينة بيرويت، التي بنا فيها فاغنر مسرحا لعرض أعماله، لتكون منذ تأسيسه عاصمة موسيقاه. مع التركيز على تقلبات تاريخ عائلة فاغنر، يعمل الجناح على إيضاح جوانب من حياة تلك العائلة الكبيرة بعرض صور لأفرادها و أنشطتهم، و كذلك مجسم لقاعة المسرح… كما يسلط الضوء، من جهة أخرى، على التورط الأيديولوجي للعائلة مع النازية: صور عن استضافة هتلر 1889م – 1945م عدة مرات أثناء المهرجان، و عرض لصورتين: الواحدة لأحد الشخصيات الدرامية لفاغنر في أداء حركي، و الأخرى لهتلر يقلد فيها تلك الحركات والإيماءات الفنية التي مصدرها عروض فاغنر التي تابعها، ذلك للدلالة على الإعجاب بأعمال الموسيقي.

و في قبو هذا الجناح توجد شبه مدونة النوتة الخاصة بقائد الأوركسترا، وهي مدونة إلكترونية تعرض عازفي الأوركسترا. يمكن العزف على نوتات افتراضية على نحو تفاعلي بالضغط على مفاتيح إلكترونية. يسمح هذا التفاعل بالحصول على نظرة وجيزة عن فن التأليف الأوركستري لدى فاغنر. كما يمكن التعرف على نوتة كل آلة على حدى.

و بصفة عامة تعمل كاترينا حفيدة فاغنر، الحاكمة الوحيدة على التلة الخضراء و على مهرجان بيرويت، على التسويق للمهرجان عبر الوسائط المتعددة كالسنيما. و هي بذلك مديرة تطمح للسهر على تقديم المورث الفني لجدها في أحسن الأجواء الفنية والتقنية. لكنها على الخصوص قد بصمت دورة 2015 كمخرجة. لذلك قدمت دراما “تريستان و إيزولده” Tristan und Isolde (1857 – 1859). بعد تعثرات عديدة جربت عدة مغنيات قبل أن تجد المغنية المناسبة لشخصية إيزولده، حسب هانس كريستوف فون بوك.

و إذا كان يمثل هذا الاخراج التجربة الثانية لكاتارينا، فليس ممكنا أن تخرج الحفيدة عن الطابع العام لدراما “تريستان و إيزولده” باستثناء السينوغرافيا والإنارة واللباس التي عرفت تغيرات واضحة من مخرج أو قائد أوركسترا إلى آخر، و هو ما يحدث عادة في الأعمال الدرامية. إن أوبرا “تريستان و إيزولده” دراما نفسية عرضها ليس من السهولة، بشهادة العديد من النقاد و الموسيكولوجيين. فقد ركز فيها فاغنر على اظهار الحالة النفسية لشخصياتها الرئيسية. فدراما “تريستان و إيزولده”، حسب سفين فريدريش، “سوداوية ومحبطة لا تطرح حلا و لا يوجد مجال في هذه الأوبرا لعرضها برومانسية”.

إذا بُرمج عرض دراما “تريستان و إيزولده” ستة مرات ما بين 25 يوليوز و 28 غشت 2015، لماذا تعود كاتارينا إلى هذه الدراما المثيرة للجدل منذ ظهورها؟ ما الذي يجعل من دراما “تريستان و إيزولده” دراما حداثية موسيقيا؟ أي، لماذا تنخرط “تريستان و إيزولده” في الحداثة الموسيقية؟ أ ليس لطغيان اللا مقام و التلوينات و التآلفات المتنافرة وظيفة في ذلك؟

يتبع…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*